ربا الناصر - الأردن

لقاء في المحطة

ربا الناصررنّ المنبّه في تمام الساعة السابعة، أفقت وستائر الشباك المغبرة يداعبها هواء الصباح البارد، كانت الفوضى تعم الغرفة، كؤوس فارغة بها آثار قهوة، ملابس مبعثرة هنا وهناك. مضى على غياب زوجتي أسبوع قضته في زيارة لأهلها، تركتني أنجز عملي المتراكم ظنا منها أني سأنتهي منه في أسبوع.

ذهبت إلى الحمّام للاغتسال وبعدها هممت بإعداد وجبة إفطار سريعة التهمتها على عجلة من الأمر حتى لم يكن هناك متسع لمزيد من الوقت لاحتساء كوب من الشاي، خشيت أن أتأخر عن موعدي في العمل، فما هي إلا لحظات وكنت أمد بخطواتي في الشارع تجاه المحطة قاصدا ركوب الحافلة ، فقد تعطلت سيارتي فكانت فرصة أن أجدد ذكرياتي وأتذكر أيام خلت وأتنقل بالمواصلات العامة.

كانت السماء عبارة عن صفحة بيضاء من الغيوم المكتظة فيها، تنذر بيوم قد يكون ماطرا، كنت أتنفس بسرعة، أمشي فرحا والابتسامة ترتسم على ثغري، لم أعلم لم أنا في هذه الحالة ربما يد ملاك أيقظتني في ذلك الصباح.

وصلت المحطة وجلست على المقعد الخشبي، كان المكان يعج بالحافلات ودخانها الأسود يعشق في الأنوف، شوارعها ممتلئة بأقدام المارة والمسافرين وأصوات الباعة والشحاذين تعلو فيها. أصبت ببعض الضجر خاصة وأن الحافلة تأخرت قليلا في الوصول، فاشتريت الجريدة وتصفحت أخبارها المتنوعة بتململ ، أحاول جاهدا قتل الانتظار في ظل هذا الصباح الغائم.

انتهيت من تصفح الجريدة فرميت بها جانبا، ثم ألقيت نظرة على ساعتي فإذ بعقاربها تشير إلى الثامنة صباحا، وهذه الحافلة اللعينة لم تأت بعد. شعرت بالغضب ولم أعد أسمع سوى أصوات المارة التي زادت في العلو وضجيج محركات الحافلات الأخرى، أستنشق دخانها كالوحش الهائج.

أحسست بجبيني يرشح منه بعض العرق، لم أنفك برهة في التفكير في الورق المتكدس فوق مكتبي وعن تحضير تقرير مفصل عن سير المشروع لمديري، فها قد انقضى أسبوع ولم أبدأ بعد في هذه المهمة، لانشغالي بأشياء أخرى.

وسط هذه الموجة الغاضبة، أتاني صوت ضعيف بالقرب مني: "بني، هل أتت حافلة الساعة السابعة والنصف؟"

التفت تجاه الصوت وإذ بسيدة في عقدها الخامس، ترتدي فستانا بسيطا تلتف بوشاح أسود به بعض الاهتراء، التفت وملامح الغضب لا زالت مرتسمة على وجهي إلا أنني وسط ابتسامة ونور وجه هذه السيدة تبدلت ملامح بوجهي وصرت أهدأ. أجبتها:

"لا يا سيدتي، الحافلة تأخرت عن موعدها ولم تأت بعد".

صمتت السيدة برهة ثم عاودت في الابتداء بحديث أحسست أنه سيبدد غيوم هذا الانتظار الرتيب، فقالت السيدة:

"إنني في صدد زيارة صديقتي وزوجها، فأنا أعيش وحدي بعد وفاة زوجي، وقد ألفت العزلة وصارت جزءا من أحداث يومي، فأتيت اليوم لأكسر هذا القالب وأمضي وقتا طيبا وسط محبة صديقتي وزوجها، هما يسكنان في المدينة المجاورة، لا أعلم لم يغيران مكان إقامتهما فأنا أذكر أنهما يسكنان بيتا ذا قرميد أحمر وفي كل مرة آتي لزيارتهما أرى سكانا غيرهما ، يخبروني أنه لا وجود لهما في هذا المنزل، أليس غريبا أن يتكرر هذا معي دوما؟"

صمتت السيدة وهي تتأملني وقد بدت علي مظاهر شرود الذهن، كنت أفكر في عملي وكيف أنه علي إنجازه بسرعة وحتى قبل رجوع زوجتي التي ستتشاجر معي لأن الفوضى تغزو معظم غرف المنزل فلم أف بوعودي لها بأن أهتم بنظافة المنزل هذا إلى جانب اتهامها لي بإهمالها وعدم تخصيص الكثير من الوقت في الجلوس معها.

أحاطنا الصمت فترة من الوقت حتى طلبت مني السيدة بخجل بدا واضحا على محياها:

"هل من الممكن أن تقرأ لي هذه الرسالة التي وصلت جهازي المحمول ، فأنا للأسف أمية لا أقرا ولا أكتب، و أظنها من صديقتي تصف لي موقع منزلهما الجديد؟"

أمسكت هاتفها وقرأت الرسالة:

"مرحبا اسمي وداد وأنا صديقة هذه السيدة العجوز، أرجو من يقرأ هذه الرسالة التحلي بالشجاعة التي تنقصني وأخذ هذه السيدة إلى أقرب مأوى للعجزة حيث أنها تعاني اضطرابا عقليا يصعب التعايش معه، فتكون أنجزت خطوة لم أجرؤ عليها وصار من الصعب السكوت عنها".

ما أن فرغت من قراءة الرسالة حتى حل الذهول في عروقي كالسكين يقطعها بوحشية، لمَ تتخلى من تسمي نفسها (وداد) بهذه السهولة عن هذه السيدة العجوز حتى وإن كانت تعاني من اضطراب عقلي؟ والسؤال الأهم لم أنا بالذات دونا عمّن قد تقابلهم هذه السيدة، سمح لي حظي بقراءة هذه الرسالة المشؤومة؟ ألا تكفيني أعبائي التي لم أعد أستطيع احتمالها؟ تساؤلات لم أجد لها إجابة وهذه السيدة لا زالت تحدق في وجهي المتفحم تريد معرفة عنوان صديقتها.

صار نفسي بطيئا ومتقطعا، أستطيع سماع صوت دقات قلبي كأنها دق طبول حرب، رشح العرق مجددا من جبيني، أشعر وكأن وجهي يلتصق بأسفلت الشارع ، هذا والسيدة لا زالت تحدق في وجهي.

أتت الحافلة أخيرا ، امتلأت سريعا بالركاب حتى السيدة العجوز تحركت نحوها بخطوات بطيئة تتلفت نحوي وكأنها تطلب مني ركوبها لعلي أستطيع إيصالها للعنوان. وقفت فجأة، أدرت ظهري ومشيت بسرعة مبتعدا عن الحافلة لا أريد ركوبها والعجوز لا تزال تنظر صوبي تريديني ركوبها.

لم أعد آبه بعملي المتراكم، وعتاب مديري حتى مشاجرة زوجتي ونكدها المستفحل، كل ما أراه هو وجه هذه السيدة والفضول يدق قلبي في معرفة قصتها. مضيت في مشيي مبتعدا عن المحطة، قاصدا الرجوع إلى البيت ونفسي لا زال بطيئا يهدج في صدري كالموج الهائج، بقيت أمشي حتى ابتلعني الطريق وصرت نقطة صغيرة.

تراصت الغيوم في السماء بغضب في ذلك اليوم، وبدأ هطول المطر، كان الهطول غزيرا إلا أنه أمام دموعي كان أقل.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3310001

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC