ربا الناصر- الأردن

ارتعاش الفراش

ربا الناصروعدها أن حياتهما ستكون كابتسامة الشمس لا تغيب أبدا عن إحداثيات يومهما، وأن يسيرا معا على سحب هو رسمها في عالمهما الخاص، وهي وعدته أن تحف حياتهما أجنحة ملائكة؛ لتمنحهما الحب والمودة، فقامت بإهدائه يومها وردة ليشمها، لكن يده ضغطت عليها بقسوة فهشمتها إلى قطع صغيرة.

نظرت إليه باستغراب للحظة، ثم ابتسمت وقالت: "لا بأس، سنحتفظ بهذه البتلات بين صفحات كتاب حياتنا، سوف تضيف عبيرا فوق صفحاته سنحب شمه من الحين إلى الآخر".

كانت يومها ترقص كفراشة حرة، فوق تلك السحب التي أوهمها بامتلاكه إياها، تفرد جناحيها برشاقة غير آبهة بما يجري حولها حتى أن البلابل تهامست يومها إن كانت ستبقى سعيدة كما وعدها؟

* * *

مشى بتثاقل في الممر المؤدي إلى مكتبه، شعر بالعرق يرشح من جبينه، نفسه بطيء ومتقطع، وصل إلى مكتبه، جلس على مقعده كصخرة هوت من على جبل، وضع يده على رأسه، شعر للحظة كأنه في حلم، تذكر وجه مديره المحمر وهو يقف قبالته، وكلماته الصادمة كأنها سهام أطلقت عليه من مكان مجهول.

لم يكن يتوقع أن تتبعثر حياته كأوراق الشجر الجافة، التي تبعثرها أقدام المارة، وأن تتغير بمجرد جرة قلم موقعا على إقالته من عمله لتغيير في استراتيجية الشركة.

شعر كأنه تائه في صحراء أفكاره التي تحوم في رأسه، تذكر إيجار البيت، وقرض السيارة ومصاريف أخرى لم يعلم كيف سيدفعها بعد تركه لعمله في أقل من شهر، حتى أنه لم يعلم كيف سينعق لزوجته هذا الخبر.

مر النهار في عمله بطيئا ومملا، لم ينجز أي شيء فيه، حيث كان غارقا في فكره يحاول زملاؤه في العمل التخفيف عنه من الحين إلى الآخر، حتى عندما خرج من الشركة كانت ابتساماتهم المشفقة على حاله، آخر شيء رآه قبل أن يركب سيارته ويمضي بها في طريقه، يمشي مع تعرجات الطريق ومنعطفاته وذهنه لا زال شاردا، إلى أن تذكر فجأة أن اليوم ذكرى زواجه، عض على شفتيه غاضبا، وأوقف سيارته جانبا يبحث عن محل يبيع السجائر.

في المقابل كانت زوجته في البيت، تتجهز لحدث اليوم، وضعت المفرش الأبيض فوق الطاولة المستديرة،رتبت فوقها الأطباق الممتلئة بأصناف الطعام بأناقة، لبست فستانا جديدا وقد بدت كعصفورة بيضاء مسرورة، متوردة الخدين،تتمنى قضاء لحظات سعيدة مع زوجها، صاحب الطباع الحادة وتقلب المزاج، فهي تحاول جاهدة إخراج مشاعره العاطفية تجاهها، وهو ينجح في مقاومتها ،فهو يعاملها بطريقته الخاصة الخالية من العواطف، وهي تشكو من هذا الحال باستمرار، مطالبة إياه بالوفاء بوعوده لها قبل زواجهما.

مضى الوقت وعقربا الساعة يتسابقان حتى ابتعدا بعيدا عن بعضهما، ليرسما الساعة السادسة من مساء ذلك اليوم، نظرت الزوجة تجاه الساعة وهي تبتسم، فمن المفترض أن يعود زوجها في مثل هذا الوقت، سمعت صوت المفاتيح وهي تدار في الباب، فتح الباب وظهر وجهه من خلفه أسود من شدة الغضب.

ألقى على زوجته التحية بصوت مخنوق، ومشى مبتعدا عنها قليلا وهو يفك ربطة عنقه، نظرت نحوه وهي صامتة للحظات تتأمل حركاته المتوترة، وهي تسأل نفسها إن كان حقا يتذكر ذكرى زواجهما، نظر تجاه الطاولة مطولا ثم نظر إلى زوجته واتجه إلى غرفة المكتب وأغلق الباب خلفه، تأملته باستغراب ومشت خلفه لتدخل الغرفة، والفضول يلبسها تريد معرفة سبب حالته الغريبة التي هو عليها.

علت أصواتهما فجأة كصرخة الرعد في السماء حتى ارتجفت أركان البيت، ثم دب السكون بحزن. كان عقربا الساعة حينها ملتصقين ببعضهما يشيران للسادسة ونصف، خرج من الغرفة وجسده ينتفض، أسود الوجه، يمشي بسرعة تجاه باب المنزل، تغلقه وراءه يد الشر الذي ساد المكان، دوى صوت ارتطامه عاليا، فامتصته جدران المنزل المرتجفة

ساد الصمت برهة، ثم بدده صوت بكائها العالي، وهي ممددة على الأرض وسط الأطباق المتكسرة كالملح الأبيض، ترتجف كالفراشة المنكسرة، كانت تخاطب نفسها المهشمة وهي لا تعلم سبب ثورته الهوجاء، فكل ما تريده أن يغدق عليها بكلمات تذوب فيها روحها نشوة لدى سماعها.

كم كانت تتوق لسلام يذوب فيه كف يديها بيديه الخشنتين فيتلوه بكلام حنون، إلا أنها لم تجد منه سوى الجمود، معتبرا إياها لوحة فنية يعلقها على الحائط فيتفرج عليها فقط دون أن يمسها أو حتى يعيش حالتها، إلا أنه اليوم زاد في حدة طبعه، فما كان منها إلا أن عاتبته بشدة، فهي لا تملك غير العتاب للبوح بما تشعر، الأمر الذي قابله زوجها بنظرة قاسية رأتها أول مرة في عينيه وكأنها بداية إعصار حل على الغرفة.

ركب سيارته، كانت يداه ترتجفان على مقود السيارة، لا يعلم أين يذهب حتى استوقفته لافتة لحانة صغيرة عند زاوية الشارع، نزل من سيارته قاصدا دخولها، طلب مشروبا، لم يستسغ طعمه فهو غير معتاد على الشرب، لكنه أكمل شربه فهو يحاول أن ينسى ما فعله بزوجته التي أقسم لها يوما أن السعادة ستكون وليدة أيامهما والابتسامة ستكون وشما على شفتيها.

لم يعلم لم ضربها هكذا، لكن ما يعيه تماما أن إلحاحها استفزه خاصة أنها اتهمته بالجمود في مشاعره مجددا ،فهو يريد لها عيشا كريما،يريد أن يحقق لها جزءا ولو بسيطا من سلسلة وعوده التي قطعها اليوم بفظاظته ،لكن طرحها لهذا الموضوع خاصة اليوم وجده غير مناسب أبدا.

رفع يده يريد صب المزيد من الشراب، لكن الزجاجة كانت قد فرغت، شعر بلسعة في معدته، فتوقف عن الشرب لحظة، حاول أن يقف لكنه شعر بدوار فجلس لحظة، واضعا يده على رأسه ليستسلم بعدها لدموعه التي كادت أن تملأ كأسه.

غادر الحانة والدوار لا يزال ملاصقا له، شعر بخدر في أصابعه،حاول تمالك نفسه حتى وصل سيارته، التي اختار أن ينام فيها ليلتها وآلاف الأفكار تحوم في رأسه، فهو لا يعلم كيف يعتذر منها ولا يعلم إن كانت ستصفح عنه.

بزغت شمس الصباح وهو يدخل منزله، وجد زوجته مكومة بجسدها على سريرها، ارتعشت عندما رأته، حتى عندما ألقى عليها التحية، التي طالما رغبت فيها، وهو يرسم ابتسامة الاعتذار، لم تستطع شفتاها المتشققتان الرد عليه،اقترب منها، يربت على كتفها بيد وباليد الأخرى يحمل باقة ورد اشتراها لها.

اعتذر لها موضحا كل أسبابه وظروفه، بقي يعتذر كأنه يقرأ نصا من كتاب، يطبق على يدها بشدة، وهي تنظر إليه وفكرها شارد غير آبهة بحروفه المتناثرة من فمه.

قام بإعادة وعوده السابقة بأن يجعل السعادة وليدة أيامهما القادمة، راسما طريقا من سحب، غارسا فيه ورودا، يفوح منها شذى أمل بقائهما معا،لكنها ظلت ترتعش كأنها فراشة هوت من سحبه، فكسرت إحدى جناحيها، فلا يجبر كسرها كلامه المعسول ولا تستطيع أن تطير فوق سحبه من جديد. حتى عقربا الساعة توقفا عن الحركة كأنهما تمردا على الحركة مجددا في عالمه.

اختارت يومها أن تنفصل عنه بروحها لا بجسدها خوفا من قسوة المجتمع عليها في حال تم الطلاق، فاختارت أن يكون لها عالمها الخاص الذي يحتوي بقايا سعادتها فتفرد فيه جناحيها المتكسرين،عالم ترسم فيه أحلامها وآمالها، عالم يكون مرتع خيالها ومحط أفكارها، تاركة زوجها في عالمه بأطره وأسواره وحده، إلا أنها أبقت نافذة تطل على عالمه، لعله يوما ما تسمح له رجولته بأن يدخل عالمها ويعيش فيه معها، كيفما تريد؟


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3097151

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC