معتصم عثمان دياب - السودان

مختارات: مقتطف من رواية

أدناه مقتطف من مخطوطة رواية عنوانها "شهقة"

معتصم ديابلم يغمض لنفيسة جفن. حملت هموم الدنيا كلها حتى جافى النوم عينيها، تفكر في مصير وحيدتها عندما يعود والدها، فهي لا تستبعد أن يعلم بما فعلت من ذهاب في المقام الأول، ثم الرقص وسط جمهرة من النساء والرجال. يا إلهي، هذا ما كانت تخشاه، فماذا تفعل؟ فهل يا ترى تستطيع أن تقف في وجهه دفاعا عنها؟ وهل ما قامت به وحيدتها صواب، أفرحت ذاتها وأفرغتها من كبتها؟ أم إنها اقترفت ذنبا لا يضاهيه ذنب يوجب العقاب؟

ظلت تفكر وتفكر؛ تضع الأعذار تارة، وتارة تجد في صنيعها اللوم والعتاب، فما كان ينبغي أن تذهب، ناهيك عما فعلته. وتظل تتنهد وسهام تسبح في عالم اللاوعي، تغص في نوم عميق، تمدد رجليها، وتفرد يديها وشعرها مسدل منساب بين كتفيها، ترسم على وجهها بسمة راحة ورضا، راضية كل الرضا بما فعلته، لا تحس بأي ذنب يستحق العقاب، روحت عن نفسها بما هو متاح لكل البنات، وهذه ليلة فرح، لا حدود للفرح فيها، الكل يفرح بما يشاء ما دام الفرح لا يأخذ من عقيدة أو جسد الإنسان شيئا.

نهضت والدتها وجاءت تتفقدها في مرقدها، فإذا هي تشاهد حورية ملائكية تنام على فرش مرفوعة، من الحرير الناعم والوسائد الرقيقة. نظرت إليها وقد انتابتها فرحه برؤيتها في ذاك المشهد، فأعجبت بها وبالبراءة المرتسمة على وجهها وهي باسمة. دعت الله لها بالستر والعافية وأن يحميها من عيون الحاسدين والمتطفلين، كما دعت لها أن يحفظها المولى ويخفف من غضب والدها عليها. تقاطرت دمعات فرح من عينيها وهي تدعو لها:

"يحميك الله ويخليك ويغتيك يا سهام يا بت بطني. بي بركة شطري الرضعك وسهري السهرتو بيك، والعذاب المتحملا هو عشانك، ربنا يديك العافية، يكبرك ويحقق لي مناي، أشوفك في الجامعة وتخلسيها وتشيلي شهادتك وتبقى لي دكتوره، وأنا إن شاء الله بعد داك البحصل علي ما بهمني، لكن وحياتك، أبوك لو فضل كده أمرق أخلي ليهو البيت، بس هسي مجبوره عشانك، يا روحي ويا مناي وياني الراجيا الله وراجياك، لا عندي حيله لا دباره، ولا جهة أمشي ليها، أمي العيانة الله يعلم ويشهد ما قادره أمشي أشوفا، خايفه من المشاكل، وخوفي عليك إنتي، براك شايفه كل يوم أبوك يكورك وينهر فيني قدامك، أقول شنو، الله يهديه ويصبرني أنا".

وبهدوء أغلقت باب الغرفة ونامت على سريرها بعد أن أحسنت مفرشها ووضعت ثوبها تحت رأسها ثم رددت الشهادة والاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ونامت عاكفة يديها.

أشرقت شمس الصباح بضيائها الأصفر، وعم شعاعها الأفق، ارتدت نفيسه ثوبها وخرجت لجلب اللبن من الدكان، والغرض ليس ذلك، ففي نفسها تخوف وهلع من ذاك القابع أمام الدار كحرس الشرف، وهي تعلم أنه لديه مهمة كلفها به زوجها وهي مراقبة الدار: الداخلين والخارجين. لديها هاجس، بل أنها متأكدة أنه شاهد ابنتها حين عودتها ليلة البارحة، وأنه سوف يقوم بإبلاغه بالرغم من أنه شاب ذو مظهر طيب تبدو عليه علامات البداوة القروية، طيب في حديثه، رقيق في عباراته التي تضحك كثيرا من النساء، والتي لا تخطر ببالهن، ولم تتطرق مسامعهن من قبل.

ذهبت إليه وهي لا تعلم عنه شيئا حتى اسمه، وهو بالتالي لا يدري عنها شيئا ولا عن ابنتها سوى إنها زوجة جعفر. تركها وابنتها وحيدتين وطلب منه مراقبة داره. جاءت إليه في استحياء. بادرته: "أزيك؟ عساك بخير؟"

رد عليها بعفوية: "الله يعافيك. في نعمة، الحمد لله. صبحك الله بالخير".

ردت عليه بعد أن جذبت سربا من الهواء البارد في ذاك الصباح الشتوي: "الله يعطيك العافية. والله أمس ما قدرت أمد ليك القهوة، بن ما في، وما حبيت أقول ليك البن خلس، قلت الليله أمشي أجيبو وأسويها ليك، اعفي لي عليك الله، تراهو أبونا قال كل يوم نحضر ليك القهوة والشاي".

ضحكت بصوت خافت: "والله لو عرف إننا ما سويناها إلا يفرج فينا خلق الله".

نظر إليها بإندهاشة وقال لها: "يا زوله دا كلام شنو؟ أنا والله ولا متذكر ذاتو، وبعدين أقولك شي، أنا ما بحبها ولا بتكيفني، ترا الجماعه بتاعين اللبن لمن يجوني بعد ما ياخدوا لفتهم يصنقروا ينتحوها ما يفضلوا فيها الحبة، وكان لي أمس، هم ذاتم ما جوا قالوا ناس الصحة لاقوهم الصباح الصباح، وساقوهم كلهم ودوهم المحلية أها قالوا في واحدين لقوهم زايدين اللبن مويه، ديل ما قاعدين يجونا بي جاي ، ديل طريقم تاني، بمشوا على الحبش هناك، الله يقطعم ويقطع الحبش معاهم، ما خلوا لينا حاجه نسويها، البيوت إيجارها بقى في السما، والناس ذاتا بقت طماعة. الواحد يقسم بيتو لمية حته ويأجره ليهم، وهم كتيرين لمن مساخ، وكمان يعملوا ليهم صندقه قدام البيت والا على جنبه كده من الزنك وهم ما عندهم قشتن مره، يسكنوا في أي محله، تلقاهم مليون في الغرفه، رجال ونسوان لا بختشوا، لا بخافوا من الله، نصارى كافرين ملاعين، يجوني هنا وهاك يا رطانه، والله ماني فاهم منهم حاجه، وهم ذاتم يقعدوا يعاينوا وما عارفين دايرين شنو، إلا في الآخر بعد الوصف وأشيل دي وأخت دي حتين أعرفم دايرين شنو".

ضحكت نفيسه وقالت له: "نقول، شنو الناس دايره كده، الحكومة ذاته عارفه وشايفه لكن ما قاعدة تعمل حاجه، لا بتقول ديل أجانب ساكنين وسط الأسر، الله يكون في العون. دحين عاوزه لي لبن، أمبارح الضيوف الجونا ما خلو لينا حاجة. الفي كلو سويناهو في الشاي".

رد عليها بإبتسامة: "الله يكرمك زي ما بتكرمي في الناس، دحين لسع ما جو. لكن أول ما يجوا بدق ليك الباب. خلي لي البستلة هني".

لم تحس بأي شي يدور بخاطره، لكنها أرادت أن يطمئن قلبه. ويعد أن وضعت الإناء قالت له: "امبارح إن شاء الله الناس الجونا ديل ما يكونوا أزعجوك وانت نايم".

إبتسم وقال لها: "افا عليك. لا إزعاج ولا حاجة، أصلي أنا ذاتي الباعوض ما خلاني أنوم، صحي قمت لكن ما خليت بالي عليهم، سامع صوتم لكن قسما بالله ما فرزتو ولا عارفم بقولوا في شنو ولا عارفم هن منو".

ردت عليه بقلب منشرح: "لا والله شاكلتهم قلت ليهم أزعجتو الراجل من الصباح قاعد، والليل دا دي الساعات الوحيده البرتاح فيها".

حمل قطع من البسكويت وقدمها إليها وقال لها: "يا زوله ما في شيتن حصل، أصلي كنت صاحي، أمسكي ديل للبنية تشرب بيهم الشاي، تراني لغاية هسي ما شفتها جات مارقه، والله والله ما طالباني حليفه، أنا لو جات ماشه بي جنبي ما بعرفا، عمي جعفر قال لي خلي بالك من البت وأمها، اها لا شفت البت لا شفت أمها إلا لمن تكوركي لي. مشاء الله ربنا يخليها ليك".

ردت عليه وقد انطلقت أسارير وجهها وقالت له: "الله يخليك ويديك العافية، دا من أصلك والله ما سمعنا عنك إلا كل خير، البنيه خلاس كبرت وبقت ما زولة مرقه، الحمد لله الأحد نازله الثانوي".

نظر إليها وقال: "ربنا يخليها. سلمي لي عليها لغاية ما تجي مارقا ونشوفها".

ودعته وعادت للدار سعيدة بما سمعت وتيقنت أنه لا يدري عما حدث شيئا.

طرق نادر الباب مرة. وتلاها بأخرى. الساعة تشير إلى السادسة والنصف صباحا، يرتدي زيه الرسمي. أسرعت نفيسه تظن أن بائع الدكان قد أتى باللبن كما وعد. فتحت الباب فإذا هي تفاجأ به. هبطت عليها سحابة داكنة أظلمت الدنيا في عينيها،وطافت بخيالها الأفكار والتهيئات، استجمعت قواها ورحبت به.

بادرها بقوله: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته".

ردت عليه بنبرة راجفة: "وعليكم السلام. أهلين مرحب. مرحب. حبابك عشره، الله يعافيك".

فقاطعها: "أهلن بيك والله والله لو تصدقي يا خالتي نفيسة ما فضيت ولا ساعه. أول حاجه مشيت مأمورية جيت أمس، وخفت انشغل عنكم وما أقدر أجيكم. قلت أجيكم قبل ما أمشي الشغل، عارفه طبعا نظامنا، طابور وشغله كده ما ليها حد، معليش والله أنا بعتذر جدا الجيه جات متأخره ".

قاطعته: "يا ولدي الناس مشغولة وما فاضية؛ الله يكون في العون. اتفضل لي جوه".

رد عليها بابتسامة: "وين يا خاله يا دوب أحصل الطابور، بس قلت أشيل اللوم من وشي، معليش الوكت بدري، أظني صحيتكم".

ردت عليه وهي تترقب سؤاله عما حدث ليلة البارحة: "لا والله. هسي دي قبل دقايق كان جيت كان لقيتني في الدكان، مشيت أجيب اللبن، لكن لقيتو لسع ما جا".

رد عليها بنبرة حسرة: "ياسلام يا خالتي. والله كده فعلا. أنا إتلومت فيكم، تصوري عندنا لبن بيجبهو لينا وما عارفين نوديهو وين، والله دي غلطتي أنا، كان مفروض أجيكم عشان أعرف احتياجاتكم؛ شنو والله ما بتكلفني حاجة. معليش أمسحيها لي في وشي، لكن بوعدك من الليلة حتشوفوني لمن تكرهوني، تاني ما عندي مأمورية قريب، أها أخبار عمي شنو؟ لسع ما جا".

وإضطربت أواصل نفيسة وتلعثمت ووقفت الحروف والكلمات في حلقها وقالت له: "لسع، آي لسع ما جا، لكن جاي، آآي قال جاي، كان الليلة ولا بكره، ما بتأخر، هو ذاتو مشا بتين ما ليهو يومين الليلة تالتو، آي. الله يجيبو بالسلامه يسأل منك الخير".

أحس برعبها وجلجلة حديثها فحاول تطمينها: "والله عمي كلفني أجيكم، وزي ما قلت ليك، أنا فعلا إتلومت. الحمد لله الجيت قبل ما يجي ويعرف إني قصرت فيكم".

ضحك وقال لها: "عليك الله ما تقولي ليهو ما جانا، يقلب عليّ الدنيا، فتك بعافية، بجيكم والله. انت يا خالتي مش عندك بت؟ أنا ما شفتها كلو كلو وكان لاقتني في الشارع ما بعرفها. والله لوم كبير كان مفروض أعرفها وأشوفها وتعرفني، لكن إن شا الله بجيكم زي ما قلت ليك قبل عمي ما يجي وأتعرف عليها، أكيد نايمة".

ردت عليه بلهفة: "أي والله نايمة أمبارح كانت مساهرة حبة".

رد عليها بابتسامه: "الله يديها العافية ويخليها ليك، ما البنات كده لمن تجي الإجازة ليلم ببقى نهار ونهارم ليل، لكن أظن الإجازة خلست، يعني تاني ما بتساهر، الله يعينها، سلمي لي عليها عليك الله لغاية ما نشوفها ، فتك بعافية، مواعدي جات. طيب، محتاجين لي حاجة أجيبها ليكم، طبعا ما مفروض أسألك، لكن يمكن تكون في حاجه معينه كده".

ابتسمت وقالت لها: "كتر خيرك وبارك الله فيك، والله كل حاجة في، وعمك قبل ما يسافر ما خلانا محتاجين لي شي، الله يديك العافية، ما ناقصانا حاجة".

تجاذب معها أطراف الحديث ثم ودعها وذهب. انتظرته حتى تحرك بعيدا بسيارته، وفي تلك الأثناء، رأت البائع يحمل إناء اللبن قادما نحوها. أغلقت الباب من خلفها وهي تضع يدها على صدرها تـترنم بحمد الله وشكره.

= = =

عود الند تبدأ عامها 12


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3303810

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC