هدى أبو غنيمة - الأردن

قراءة في مجموعة قصصية لإنصاف قلعجي

قراءة في مجموعة "ثرثرة في مدار السرطان" لإنصاف قلعجي (*)

(*) كاتبة أردنية. حاصلة على بكالوريوس في اللغة العربية وآدابها من الجامعة الأردنية، وماجستير في النقد الأدبي من كلية الدراسات الشرقية والإفريقية، جامعة لندن. لها أربع مجموعات قصصية: للحزن بقايا فرح (1987)؛ رعش المدينة (1990)؛ النسر في الليلة الأخيرة (1999)؛ ثرثرة في مدار السرطان. الناشران: دار ورد، عمّان (ط1؛ 2010)، ودار بيرم للنشر والتوزيع، تونس (ط2؛ 2015).

هدى أبو غنيمةرغم أن الرواية تتصدر المشهد الثقافي الأدبي في عصرنا، يظل للقصة القصيرة ألقها الخاص، وشكلها الفني المتفرد، فهي صوت الإنسان المستوحد، والصامت داخل كل باحث عن العدالة، وهي صوت الحياة المتفرد بخصوصية داخل كل منا.

سأتجاوز كل التعريفات النظرية لأقول: إن لكل عمل سردي أدبي قوانينه الخاصة، ورؤيته المتفردة المستمدة من مرجعيته الفكرية الثقافية، وخصوصية تجربته الإنسانية.

ترى ما الذي تنتجه هذه المجموعة من آراء نقدية يشترك في صياغتها المرسل/ الكاتبة/ والمتلقي؟

يلفت الانتباه في هذه المجموعة كثافة الإحالات إلى أعمال أدبية وفنيّة، وكثافة حضورها في النصوص، بدءا من ملحمة جلجامش وصولا إلى مائة عام من العزلة مرورا بأعمال دستويفسكي وألبير كامو وفردريكو غارثيا لوركا وممدوح عدوان ومؤنس الرزاز وغسان كنفاني، وقد أشار إلى ذلك الكاتب السوري، هادي دانيال، في المقدمة التي كتبها للمجموعة.

كذلك تظهر الرموز الفنية في تصدير بعض قصصها بلوحات فنية عالميّة أمثال: تصدير قصة "أكياس عظام" بصورة عن لوحة عنوانها "عندما ينام العقل تستيقظ الوحوش" للإسباني فرانشيسكو دي غويا (1798)؛ وتصدير قصة "انتظار" بصورة عن لوحة "المرأة ذات الوشاح الأحمر" للفرنسي كلود مونيه (1870).

وباختيار لمّاح، اقتبست فقرة من مقدمة وضعها الكاتب الروسي الأمير فلاديمير فيودورفيتش أودويفسكي لقصة "المساكين" للكاتب الروسي "فيودور دستويفسكي" جعلتها في الصفحة الأخيرة من المجموعة، يتأفف فيها الأمير الروسي من القصاصين الذين "ينبشون كل ما في الأرض من أوضار!" بحيث تتوارد على ذهنك كل ضروب "التفاهات" ولكن في الوقت نفسه "تفكر دون أن تدري".

لعل الكاتبة باقتباسها لهذه الفقرة أرادت أن تلفت انتباه المتلقي إلى زاوية الرؤية التي تلتقط منها الحدث وتجاوزها المألوف إلى اللامألوف في صياغتها لقصصها والتفكير فيها، لا سيما النقلات السريعة اللاهثة في القصة الواحدة بين فقرة وأخرى وتداعيات تيار الوعي المتدفقة، والتي تبدو لا رابط بينها وكأنها تقول للقارئ تمعّن في ما أقول.

أتراها تتجاوز بكبرياء مناطق في لا وعيها لا تريد لأحد أن يقترب منها؟ وهي تبوح بمعاناتها الإنسانية وتتوغل في غابات الوجع محاولة الارتقاء بوجعها إلى أفق إنساني يخرجها من دائرة الطباشير "الأدب النسوي"، ولذلك فهي تلوذ بمرجعياتها الثقافية الكثيفة لا لتتكئ عليها فحسب، بل لتبرز رؤية الكاتبة المعرفية المتفردة الخاصة وكأنها تؤكد قول شكلوفسكي(1):

"إن العمل الفني ليس ظاهرة منعزلة إنما متصلة ومن ثم فالشكل الفني لا يفهم بذاته، إنما بالعلاقات التي يقيمها مع أعمال فنيةّ أخرى".

إنصاف قلعجيتقول قلعجي في إحدى قصص المجموعة:

"لا تلهثي، أرجوك. هل أتعبتك هرهرة الذاكرة؟ ألم يقل ماركيز "نعيشها لنرويها". إنها غابات من الوجع، تمتد وتتراءى خلفها سحابات زرقاء تنأى المسافات والعتمة تغشينا. أغمض عينيّ بيديّ، لكن العتمة الزرقاء تندلق من داخل الحدقتين. أسند جبيني بحضن الشجرة "أيا جارتا لو تعلمين بحالي". قطرة ندى تبلل عيوني تتساقط من فجر يتكاثف فيه شجن وطفولة، وحلوى العيد وأبجدية القهوة والفناجين وانتظار جرس يرن".

تتجلى في هذه الفقرة بعض خصائص القصة القصيرة أمثال شفافية الشعر، وومضة الفكرة، وبراعة اللقطة، والموروث الشفاهي وهي تتذكر بيت أبي فراس الحمداني:

أقول وقد ناحت بقربي حمامة = = = أيا جارتا لو تعلمين بحالي

فتستبدل بالشجرة الحمامة وهي تسند جبينها بالشجرة أيا جارتا لو تعلمين بحالي، مما يؤكد أن القصة القصيرة كنص مكتوب "هي تلك التجربة الكشفية، التي يقوم بها الفنان حين يحاول أن ينظر إلى الأشياء بطريقة جديدة"(2).

في قصة "الوثيقة" تسرد حكاية امرأة تطلب الطلاق في مجتمع شرقي مليء بالتابوهات والمحرّمات، ويلفت انتباهنا العنوان الفرعي الذي وضعته: مقدمة بنت خلدون.

"إذا فأنت تطلبين الطلاق. سألني القاضي. لم أرفع رأسي. كنت منهمكة في قضم أظافري: إحدى العادات المرسومة في خارطة جيناتي لا أخجل. القلق.. القلق، هذا جناه أبي علي، وجنيت على كل من جاء بعدي.

نعم اطلب الطلاق. شعرت للتو أنني في دائرة المخابرات العامة، رغم أني لم أتشرف بمعرفة مكانها للآن. كان الدم يسيل من الإبهام حين جاءني صوته: هل لأن حقه الشرعي أن يتزوج للمرة الثانية؟

بدأت أغلي، من قال إنني أطلب الطلاق لهذا السبب؟ هي القشة التي أودت بالبعير. حقه في الثانية والثالثة والرابعة، وما ملكت أيمانكم بالحرام والحلال، وكل هذا لا يعنيني يا سيادة القاضي.

قال الآخر: ولكن أبغض الحلال عند الله الطلاق.

قلت: ولكنه حلال.

كان علي أن أكون هنا منذ أكثر من ثلاثين عاما. تأخرت. ربما ضللت الطريق، ربما خفت على الصغار أن تطحنهم الأيام. قطعت مسافة ثلاثين عاما ، والدم ينزف من مسامي والشوك منثور مسامير على طريقي لأقول لك طلاقا رجعيا؟

يكفينا بيوت طاعة، وحاضر يا مولاي أطلب خلاصا أبديا. ومسحت بلساني قطرة أخرى سالت من السبابة وقطرة أخرى تنزف من القلب.

كان وجهي مزرقا حين فتحت الكشافات إضاءة بهرت عينيّ، غرفة العمليات، الإبرة المخدرة تغوص، تسري نمنمات لذيذة، أتأرجح في فلك مجهولة. أنسى أين أنا، قلت: قبل أن أغيب: نحن مخدرون من زمن.

جاء صوت الطبيب: ممنوع الكلام في السياسة، وغبت في ذاك اليوم في التاسع من سبتمبر 2001، وكانت غيابات كثيرة يليها صحو، ثم غياب برابيش أخفيها تحت سترتي. عار بوش في 11 سبتمبر أفغانستان، حصار العراق، حمّام العرس. وأكذب، وأكذب، لكنها بيضاء من أجلك يا أمي، وأنت مجروحة تفقدين أبناءك، وأنا أتمسح بجدراني بوحدتي لا يد حنونة تمسح رأسي لا أحد.

أرتد لذاتي ألتمس قوة، وقد تنقل كوكب المشتري، والزهرة في برج السرطان. أضم ساعدي إلى جانب جسدي. ومثل قطرة ماء أتدحرج داخل خلجان المدارات. أنزلق في قنوات الشعاب... أنفاق تؤدي إلى أنفاق.

مدارات شمس تلوح ومدار السرطان يتوهج، وأنا أتوهج. وأتنقل بين المشافي، وأغيب داخل أنفاق الرنين المغناطيسي.كأنني مع ذاتي، ندخل داخل جهاز ملقى في مهب الريح على قضبان سكة حديد يعصف بي صفير قطار قادم من جهة ما، ألتمس عشقا لا أجده حنانا بعيدا أتوق إليه، ألبس الأقنعة الملونة كي لا يراني أحد.

ولم أصح من هذا الحلم المروع، إلا يوم التاسع من نيسان 2003 لأضرب رأسي في الحائط وأدخل في مدارات أخرى موجعة. أصحو، والقاضي يناولني وثيقة الاستقلال".

قد تبدو هذه الاقتباسات من القصة سردا لتجربة قاسية، لكنها بتداعياتها وإيقاع جملها اللاهث السريع تعبير عن حالة تشظي الذات الكاتبة تحت وطأة الأحداث الموجعة بين الانفصال والمرض، فالكاتبة تجعل من ذاتها موضوعا أيضا وهي ترصد أدق التفاصيل في تجربتها محاولة تمالك ذاتها واستعادة قوتها وصلابتها، فالوثيقة ليست سردا لتجربة إنسانية فحسب، بل هي نتاج الصفة الفنية والخبرة الجمالية، فما تراه الكاتبة وما تدركه من روابط بين الأشياء وقدرتها على ابتكار علاقات جديدة هو الذي جعل القصة مختلفة عن التجربة ذاتها. بالإضافة إلى أن القصة الوثيقة هي في مجملها وثيقة إدانة للموقف الاجتماعي الإنساني من المرأة.

= = = = =

الهوامش

(1) ينتمي شكلوفسكي إلى الشكلانيين الروس الذين حاولوا تنظيم النقد الأدبي استنادا إلى أسس محكمة ومدروسة. وقد وسع شكلوفسكي موضوع البحث حينما ارتاد أرضا بكرا للدرس بتطبيقه ما تعلمه من دراساته عن الشعر على القصة القصيرة والرواية. انظر عبد الله إبراهيم، السردية العربية بحث في البنية السردية للموروث الحكائي العربي، ص253، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط2، عام2000.

(2) زكريا إبراهيم الإنسان والفنان، ص141.

غلاف مجموعة قصصية لإنصاف قلعجي


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3223516

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC