محمد عبد الوارث - مصر

ثقــوب خـفــيــة

محمد عبد الوارثالرجل الثري بحلة بهية قاد سيارته إلى خارج المدينة. كعادته في العامين الأخيرين يحرص على الذهاب إليها محملاً بلوازم العيد والعيدية المعتادة، كي تستطيع الإنفاق على طفلتيها اللتين ما أن وضعت الثانية حتى أذّن لأبيهما بالذهاب دون رجعة، بعد خلاف مع أمهما التي تزوجت هذا الرجل الذى لم يجد صعوبة في إلقاء يمين الطلاق ، مرة ، فمرتين ، فثلاث، فصار المصير إلى غير تلاق.

كانت تعمل لدى أحد التجار ذائعي الصيت، يبيع مستلزمات الحمامات الحديثة. المرأة صديقة زوجة الثري، تلك التي اعتادت أن تقتنص منه المال بزعم مساعدة هذه البائسة المعوزة، والذى بدوره كان يمد يد المساعدة لها بعد إعلام زوجته بما ينويه تجاه هذه المسكينة.
إلا أنه ما لبث أن تغافل عن إعلامها بمواعيد زياراته، مرة من بعد مرة. ثم تناسى مسألة الإعلام برمتها ، وصار يقدم الخير في صمت عملاً بالحديث "رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه."

المرأة تقطن ضاحية بعيدة عن المدينة، والرحلة إليها بالسيارة تتجاوز الساعة، وهو يقطن قلب المدينة في بناية تواجهه البحر، وهو يعرف أخبار المرأة من زوجته، وهى أيضا تعرف أخباره منها.

كعاطل ورث من كد أبيه وعرقه الكثير من المال، ما جعله دائم التباهي بما يملك، فيسلك سلوك الكبر والعنجهية، رغم أنه ليس جميل السمت أو القوام، فإذا تحدث جاهر بعورة من يحدثه، أمام عينيه، لا يعنيه حمرة الخجل في وجه محدثه، ولا يوقفه تكرار النواقص والعيوب على مسمع منه، كأنه يردد مقطعا في أغنية، خاصة إذا كان هناك من يستمع لهذا الحوار فهو حتما سيعرف كل شيء من هذا السليط المجاهر بعيوب الآخرين.

شعر في منتصف الطريق الصحراوي الموحش بأن إطارا ت السيارة بها شيء، كأنما قد أفرغ منها الهواء. هدأ من سرعته، واحتضن جانب الطريق مفسحا للسيارات المتسارعة مسافة بعيدة. أخذ يفحص الإطارات واحدا بعد الآخر. وجد الإطار الخلفي يبدو فارغا، حدث أن مسماراً اخترقه. زفر ضائقا صدره، فهو من ذوى الشراهة في التدخين، ويبتاع من السجائر أفضل أنواعها، المحلية والمستوردة.

بدأ في إخراج الإطار الاحتياطي والرافعة الصغيرة من حقيبة السيارة، وبدأ في فك الإطار، وحفيف هواء السيارات المارة خلفه يكاد يخترق ثنيات ملابسه. السيارات تلهث للحاق بموائد الإفطار المعدة في حنايا البيوت الواقعة في الضواحي والمدن. هاتف المرأة ليخبرها بموعد وصوله، أخبرته أنها في زيارة لقريبة لها وستعود قبل موعد الإفطار. سيارته "الهونداي" ذائعة الصيت والتي يحوزها الآلاف ، لها رافعة "كوريك" من أسوأ الأنواع عند الاستعمال. وهى رافعة صغيرة الحجم. لها ذراع شبيه بـ "المنافيلا". كلما حاول لفها لترتفع الرافعة، أفلتت وصار عليه
أن يعيد الكرة مرات، وما زال الإطار ملامسا الأرض.

شعر بالإرهاق فهو صائم وربما لا قبل له بهذا الجهد المفاجئ الذى ثقل عليه في هذا الزمن الضيق من نهار رمضاني شارف على الغروب.

الوقت يأكله، وهو يخشى الوصول متأخرا. وكلما شعر بفوات الوقت هاتفها فيجد أنها لم تصل لمنزلها بعد. وهو ما يزال في منتصف الطريق. أيكمل أم يعود أدراجه؟

جلس ليستريح قليلا من لف هذا الذراع الذى يشبه قلم رصاص مفرط الطول، فالمجهود الذى بذله لم يرفع السيارة إلا مليمترات قليلة بدلا من السنتيمترات المطلوبة، وهواء السيارات المتعجلة ما يزال يلفحه وهو في هذا الوقت المداهم للمغيب.

قرر العودة دون مقابلة هذه المرأة، بعد أن هاتفها مجددا فوجدها لم تصل لبيتها بعد.
بدل الإطار، واستدار عائدا في الطريق المحفوف بعشرات السيارات المتلاحقة صوب المدينة التي ران عليها هدوء ما قبل المغيب، فالسماء صار نصفها الأعلى هادئ الضوء بينما النصف السفلى يتواشج مع شعاعات المغارب القادمة.

في الطريق هاتفته زوجته مستطبئة عودته قبل الإفطار. أخبرها بأنه يتسوق ليشتري لها لوازم العيد. دعت له بسلامة الوصول.

في الطريق إلى منزله ، عرج على ورشة لإصلاح إطارات السيارات. وعندما أخرج العامل الإطار من السيارة، والثرى يقف بجواره منتظراً الكشف عن ما أصاب إطاره، أخذ يتفحص الإطار بدقة، لكنه وجد الإطار سليماً تماماً وخالياً من أية ثقوب.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3257098

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC