إيناس يونس ثابت - اليمن

قال لي الطبشور

إلى الأرض الواسعة أشد رحالي، حين يضيق بي سماء غرفتي ودويّ الشاكين من حولي. حيث السماء اللا متناهية، وتحليق الطيور الحرة، حيث أكون أنا والعالم الذي أريد.

قطع الطبشور قصتي، رسمت بها مدينتي الجميلة التي غادرتها على سطح منزلنا. رسمتها بالأصفر، لون الشمس التي تشبه مدينتي، فلكم إليها وجهت خيالي وجلّ دعواتي. هذا جسرها الكبير وهذه مبانيها الملونة بألوان قوس قزح، أحمر، أزرق، وبنفسجي.

وهذه نجوم سمائها كحلوى جوز الهند اللذيذة. أكاد أن أطير إليها طفلة، أدس الكثير منها في جيب فستاني المطرز بألوان الفرح، وها هو طبشوري المفضل، الأخضر، بعد أن لونت به بعض المباني وبسطته أيضا على أراضي مدينتي.

وهذه أنا بجانب جدول صغير ألهو، وبجانبي أختي ببطنها الكبيرة، أتحمل في بطنها طفلا أم طفلة ياترى؟ إن كانت طفلة سأسميها فرح وإن كانت صبيا سأسميه فرحان. بطنها الكبيرة تُدهشني وتُضحكني، تشبه بالوناً يكاد أن ينفجر. وهذا خط شفتيها رسمته الآن باللون الأحمر، نسيت أن أرسمه مسبقا.

وأبي رسمته ممتدا على البساط بشعره الغزير وجسمه القوي يمسك كتابا، فلطالما عشق رائحة أوراق الكتب. والناس من حولنا كُثُر، فالناس في مدينتي لا ينامون فرحا، يعشقون صخب الحياة، يملئونها بهجة، حتى نسوا الدموع والأحزان نسيانا وظنوا أنها لم تخلق بعد، وهُم جديرون بها.

يمر الوقت سريعا حين أتأمل مدينتي، فالشمس الذهبية صارت جمرة في السماء، إذن حان الوقت لأن تفارق الطباشير أناملي.

يا إلهي أسمع صوتا كالمدفع في أذني، كاد قلبي أن يتوقف للحظه، لا بأس إنها الألعاب النارية. كيف خفت وأنا اعرف هذا الصوت؟ فلقد قضيت العمر على صوت المدافع والبنادق.

أربع سنوات مرت منذ انتقالنا إلى هنا، لكن لا ألفة بيننا إلى الآن، شيء ما يشدني إلى مدينتي المرسومة، أسكنها وتسكنني.

لم تكن بطن أختي كبيرة كما أردت، فهي لم تنجب منذ زواجها من سنين طويلة، ولم يمسك والدي كتابا قط منذ أن كنت طفلة، فلقد فَقَد بصره، ووهن جسمه واشتعل رأسه شيبا، لكن الناس لا ينامون في مدينتي، حقا لا ينامون.

أرى النور في مدينتي، أرى الغد، أرى الصورة مشرقة متوهجة كما رسمتها، كالشمس. أراها وان كانوا لا يرون، أراها في تسبيحي، في صلاتي، وفي دعائي، وأراهم كما رسمتهم لكنهم يسخرون، أراهم كما رسمتهم لكنهم يضحكون، كما رسمتهم لكنهم يهزئون، يائسون محبطون.

ولا زلت على أمل أن اُحلق مثل الطيور، فأنا لم اختلق خيالا لمدينتي، لم اختلقه أبدا، سنكون كما قال لي الطبشور.

قال لي الطبشور/2

في قاع جُب عميقٍ وحدي، عيناي متسمرتان تنظر للبعيد، لا أرى غير عتمة تحيط بي وشمعة مطفئة تطوف حولي، وذكرى ورقة بيضاء كانت تمسكها يدي تتلاعب بمخيلتي.

في الورقة كُتبت قصة "قال لي الطبشور" خبأتها ذات ليلة، لأحاول رسم مدينة تشبهها، لها أبنية بيضاء كالحمام، تتلهف الحضور وتبغض الافتقاد وتحتضن الحلم.

طبشوري تكسر، والورقة أمامي تحولت إلى جُب عميق يبتلعني، فهوى جسدي وهوت معي خمسة أعوام مضت أهلكْت كاهلي فيها بالوعود، ومع كل وعد كنت أسند رأسي على مرج الفرح وأنا استمع إليه وأهز جسدي معي كطفلة تقيم أعيادا.

خمسة أعوام مضت، ما عُدت اعرف فيها ملامح وجهي القديم، ومآتم قامت في داخلي ما آثرت أن تغيب. خمسة أعوام مضت خذلتُ فيها ذاتي وطموحي وتخاذلت فيها عن كل شيء لأجلك واّدعيت بأن الحب أولى. وراهنت نفسي بأن الحب يفوز وخسرت الرهان، ومعه خسرت طموحي وساعات يومي، ودموعي وكف رفعته يصلي لأجلك ويحمل رسائل خفية للسماء.

أضعتَ رباطي المقدس معك وهاجرت معها. ليست بأجمل مني ولا بأعلم مني، لكنها غربية ستحملك معها على بساط سحري يحمل أحلاما وأمالا حالت أوطاننا أن تحققها، فأنا لا أملك بساطا ولا فانوسا سحريا ولا أرضا باطنها مليئة بالكنوز لكني شرقية وأرضي تنبت ودا وحنانا.

اشتد الظلام من حولي والكون غلفه السواد. أين النجوم؟ أين القمر؟ ومددت يدي ولم أقو على الكلام، لكنّ روحي أطلقت كلماتها: "أخرجوني من هنا". وما من مجيب. صرخت مرارا وما من مغيث.

ورأيت اسمك في الجب يمر بجانبي، فتشت فيه عن شلايا الكبرياء، عن قدسية سورة النساء، عن قبلة أم في ثنايا أحرفك، وأنّى لعيني أن ترى إلا بقايا عرش امرأة يهتز على بيت العنكبوت.

ولا زلت معلقة في الجب، لا أرض أمتد عليها ولا سماء تظللني، صرخت أكثر ثم أكثر ثم أكثر حتى أظلمت روحي.

وأفقتُ يوما على صوتٍ يهزني، صوت ينادي في الفضاء "الله أكبر". هذا الصوت أعرفه منذ الولادة، ترتيل مُزج بالطين والماء معي، طاقة من نور تخترق الفؤاد.

أضاءت شمعتي، وغرد عصفور أطرب أذني رغم البعاد، ورغم المسافات الطويلة بيننا. ارتقى جسدي، ورأيته يرتدي ثوب عروس أكمامه نُقشت بخيوط تشكل ورد الياسمين، وثلج ذاب عن قلبي فأزهر. ماذا جرى؟

هذا النداء يبث في روحي الحياة، حتى قاع الجب صار أخضر، وروحي تحولت لعروس كل نبضها حب الحياة، تخجل من لمسة أوراق الشجر وهي تلهو بكفها، ويتندى جبينها خجلا من قبلة الشمس.

وسرحت مع صوت الأذان؛ ومن قاع الجب رحت أعلو ثم أعلو ونور الشمس يدغدغ عيني أكثر فأكثر.

الله أكبر من حزني، من بوح دمعي ومن انكسار نفسي. الله أكبر من أنا، أكبر من الذات وأكبر من فؤاد يحترق، الله أكبر من هذا الظلام، وأكبر من غياهب الجب وأكبر من إنسان لم يصدق أنني بالحب أكبر.

أشعر بأني فراشة حرة بيضاء يملأها الفرح، متألقة كالناي مع عزف المطر، كأغنية تهيم في الفضاء. كل الفيافي غدا ستملأها السنابل، وستمطر الغيوم ثمارا من فرح، وقلبي سيعود جنة خضراء.

حتى طبشوري الأبيض عاد ليشاكس أناملي، إذن أنا لم أمت. فخذني إليك أكثر أيا هذا النداء.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3226064

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC