د. أمينة طيبي - الجزائر

الصوائت في التراث العربي ج2

تناول الجزء الأول من هذا البحث مفهومي الصوت الصامت والصوت الصائت والصوائت الطويلة. أدناه الجزء الثاني والأخير من البحث.

كان لاطلاع الفارابي على الفكر اليوناني أثر كبير، ولذا "تمكن من خلال ذلك أن يقدم للقارئ دراسة صوتية نفسية تتعلق بالمقطع الصوتي في العربية، والمصوتات الطويلة والقصيرة والعلاقة بينهما، وإسقاط التصور القائل بوجود حركة قبل حرف المد من جنسه، والكلام فيما يمكن أن يعد بدايات حسنة لما يسمى اليوم بنظرية "الفونيم"، وكأننا فيما ننظر في دراسة علمية حديثة وليس في شيء كتب قبل أكثر من ألف عام"(44).

يقول الفارابي مفصلا بين الصوامت والصوائت: "ومن فصول الأصوات الفصول التي بها تصير الأصوات حروفا. والحروف منها مصوت ومنها غير مصوت. والمصوتات منها قصيرة ومنها طويلة، والمصوتات القصيرة هي التي تسميها العرب الحركات"(45).

فالفارابي على هذا ممن ميزوا بين الصوامت والصوائت في الدراسة، بل إنه أكثر من ذلك تفوق عليهم في دقة مصطلحاته، كاستخدامه لمصطلح "المقطع" بالمفهوم العلمي الحديث.

فالمصوتات الطويلة، أصوات المد، عنده ثلاثة رئيسة وأخرى ممتزجة، بمعنى أنها بين مصوتين معنين بين الألف والواو، أو بين الياء والواو، وهكذا، يقول: "والمصوتات الطويلة منها أطراف ومنها ممتزجة عن الأطراف، والأطراف الثلاثة: إما الطرف العالي وهو الألف، وإما الطرف المنخفض وهو الياء، وإما المتوسط وهو الواو. والممزوجة إما ممزوجة من الألف والياء، وإما من ياء و واو، وإما من ألف و واو. وكل واحد من هذه الممتزجة إما مائل إلى أحد الطرفين أو متوسطة غير مائلة، والمائلة إما إلى هذا وإما إلى ذاك.

ولما كانت المصوتات الممتزجة بالجملة ثلاثة، وأصناف كل واحد منها ثلاثة، صارت جملتها تسعة. وقد يمكن أن ينقسم كل واحد من هذه، غير أن مسموعات أقسامها تتقارب تقاربا لا يميز السمع بين فصولها، ولذلك ينبغي أن يقتصر منها على هذه التسعة، ويُجمع إليها الأطراف الثلاثة فتصير أصناف المصوتات الطويلة المنفصلة بفصول بينة في السمع اثني عشر مصوِّتا"(46).

يشير الفارابي في قوله إلى فكرتين، الأولى وضوح الصوائت، أو المصوتات في السمع، والثانية الإمالة، كإمالة الألف نحو الياء "وبذلك قرأ حمزة والكسائي في كثير من القرآن نحو: الهدى، والعلا، وأسارى... كانت الألف الممالة ألفا يخالط لفظها ترقيق يقربها من الياء"(47)، وقد عبر الداني عن صوت الإمالة هذا بقوله: "يقرأون كل ما كان من ذوات الياء من الأسماء والأفعال في رؤوس الآي وفي غيرها بين اللفظين، نحو قوله الهدى، والعمى، وكسالى، وأسارى"(48).

أما الممزوجة من الألف والواو، فهو الذي عبر عنه أكثر اللغويين والقراء بـ"ألف التفخيم"، وهو "ألف يخالط لفظها تفخيم يقربها من لفظ الواو، وبذلك قرأ ورش عن نافع في: الصلاة، ومصلَّى، والطلاق، وبظلاَّم، وشبهه، وذلك فاش في لغة أهل الحجاز"(49).

والممزوجة من الياء والواو فلعلّه صوت الاشمام(50)، حيث تضم شفتيك وأنت تنطق الياء، "فأنت تقدر أن تضع لسانك في أي موضع من الحروف شئت ثم تضم شفتيك لأن ضمّك شفتيك كتحريكك بعض جسدك"(51).

يذهب أحد المحدثين إلى القول أن الفكرة التي ساقها الفارابي في حديثه عن المصوتات الممزوجة لا تمت بصلة "إلى الكلام على ما نسميه اليوم المزدوج (Diphthong)، لأن هذا إما أن يكون من مصوت قصير متبوع بنصف مصوت (Semi Vowel) له قيمة صامت في المقطع إذ يشكل القاعدة لثانية للمقطع حيث يشكل المصوت القصير القمة وذلك في المزدوج الهابط نحو سوف، وليس. وإما أن يكون من نصف مصوت، يشكل قاعدة المقطع السابقة للمصوت، متبوع بمصوت قصير هو قمة المقطع وذلك في المزدوج الصاعد نحو وجد، ويَجِدُ، فالمزدوج بنوعيه مركب من صويتين (فونيمين)"(52).

إضافة إلى كل هذا يتضح لنا أن الفارابي على خلاف ابن جني تفطن إلى أن هذه المصوتات هي حركات لا يمكن أن تحرك، كما سنرى.

والمكي أيضا كسابقيه يرى أن أصوات المد تخرج "من اللفظ في لين من غير كلفة على اللسان، واللهوات بخلاف سائر الحروف وإنما يتسللن عند النطق بهن انسلالا بغير تكلف"(53)، وقوله أيضا: "لا يكون في شيء من الكلام إلا فيهن"(54)، وفي كلامه إشارة إلى وضوح أصوات المد، ثم يواصل مفرقا بين درجات المد، إذ أن الألف أشد مدا منهما، كونه صوت مد دئما، إلا "أن الواو والياء قد يخرجان عن المد إلى ما يشبه الصحة في حالة تغير حركة ما قبلهما عن جنسهما"(55)، لأن الواو والياء إذا سكنتا خفتا وإذ تحركتا ثقتا، ويسميه في هذه الحالة حروف اللين، يقول في ذلك: "يخرجان في لين وقلة كلفة على اللسان، لكنهما نقصتا عن مشابهة الألف لتغير حركة ما قبلهما عن جنسهما، نقصتا المد في الألف، وبقي فيهما لسكونهما فسميتا بحرفي لين"(56).

على هذا نرى كيف اهتم كل من النحاة واللغويين والقراء بالصوائت الطويلة، اهتماما ينم عن وعي بأهمية هذا النوع من أصوات اللغة العربية، لا سيما دورها في التغيرات المرفولوجية للوحدات اللغوية، ولما كانت اللغة العربية لغة تصريفية، كان على هؤلاء الاهتمام بالقسم المسؤول عن مثل تلك التغيرات، الأمر نفسه حدث مع الصوائت القصيرة، التي أدَّت ولا تزال وظيفة حفظ درجات الترتيب النطقي وفق ما يقتضيه القانون الصرفي، ومثله الحفاظ على وظائف الوحدات اللغوية داخل التراكيب، للتمييز بين المعاني.

الصوائت القصيرة

أو ما كان العرب يسمونها "الحركات"، ولعل أول إشارة لها كانت مع أبي الأسود الدؤلي، حين طلب من أحد الكتاب الحاذقين من بني عبد القيس، وقال له: "إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه، وإن ضممت شفتي فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت شفتي فاجعل النقطة من تحت الحرف، فإن اتبعت شيئا من ذلك غنة فاجعل مكان النقطة نقطتين. وابتدأ أبو الأسود المصحف حتى أتى على آخره، بينما كان الكاتب يضع النقط بصبغ يخالف لونه لون المداد الذي كتبت به الآيات"(57).

إلى أن جاء الخليل فطور تلك النقط، بتغييرها إلى علامات أكثر دلالة على الإعراب، فجعل للفتح ألفا مائلة فوق الحرف وللضم واوا صغيرة فوق الحرف أيضا وللكسر ياء صغيرة تحت الحرف وللتشديد شينا صغيرة وللتخفيف خاء صغيرة أيضا(58).

عد القدامى الحركات أبعاض حروف المد، فكما أن هذه الحروف ثلاثة، فكذلك الحركات ثلاث وهي: الفتحة، والكسرة، والضمة، فالفتحة بعض من الألف، والكسرة بعض من الياء، والضمة بعض من الواو، حتى أنهم كانوا يسمون الفتحة الألف الصغيرة والكسرة الياء الصغيرة والضمة الواو الصغيرة.

أما عن مخارجها، فالقدماء لم يفصلوا في ذلك، إلا أنهم كانوا أذكياء في تحديدها بصفة غير مباشرة، لأنهم أعطوا مخارج الحركات الطويلة أي الألف والواو والياء، وذكروا أن الحركات القصيرة هي أبعاض هذه الأخيرة، أي أنهم أعطوا تفسيرا لكيفية حدوثها دون أن يصرحوا بذلك، فابن جني يقول: "اعلم أن الحركات أبعاض حروف المدِّ واللين، وهي ثلاثة، فكذلك الحركات ثلاث، وهي الفتحة، والكسرة، والضمة، فالفتحة بعض الألف، والكسرة بعض الياء، والضمة بعض الواو، وقد كان متقدمو النحويين يسمون الفتحة الألف الصغيرة، والكسرة الياء الصغيرة والضمة الواو الصغيرة، وقد كانوا في ذلك على طريقة مستقيمة"(59)، إذن فمخرج الفتحة من مخرج الألف، كذلك الأمر بالنسبة للضمة والكسرة، وعليه فمع الفتحة يكون اللسان مستويا، ومع الكسرة يتصعد نحو الأعلى، إلا أنهم أغفلوا تصعد مؤخرة اللسان على الطبق مع حركة الضمة(60).

وابن جني يرى، كغيره من علماء العربية الذين تناولوا الحديث عن الحركات، أن الفرق بين القصيرة ونظيرتها الطويلة في كمية الهواء فقط ، فمتى أشبعت حركة قصيرة تحولت إلى نظيرتها الطويلة التي هي جزء منها، يقول: "ويدلك على أن هذه الحركات أبعاض لهذه الحروف أنك متى أشبعت واحدة منهن حدث بعدها الحرف الذي هي بعضه ... فلولا أن الحركات أبعاض لهذه الحروف وأوائل لها لما نشأت عنها ولا كانت تابعة لها"(61).

إلا أن المحدثين يفصلون أكثر في مخارج الصوائت القصيرة، فهي تتحد بحركة مقدمة اللسان أو مؤخرته نحو سقف الحنك الأعلى: "فإذا كان اللسان مستويا في قاع الفم، مع انحراف قليل في أقصاه نحو أقصى الحنك، وتركت الهواء ينطلق من الرئتين، وتهز به الأوتار الصوتية وهو مار بها نتج عن ذلك صوت الفتحة، فإذا تركت مقدمة اللسان تصعد نحو وسط الحنك الأعلى بحيث يكون الفراغ بينهما كافيا لمرور الهواء، دون أن يحدث في مروره بهذا الموضع أي نوع من الاحتكاك والحفيف مع حدوث ذبذبة في الأوتار الصوتية فإن الصوت الذي ينتج عن ذلك هو صوت الكسرة الخالصة، أما إذا ارتفع أقصى اللسان نحو سقف الحنك، بحيث لا يحدث للهواء المار بهذه المنطقة، أي نوع من الحفيف، مع حدوث ذبذبة في الأوتار الصوتية، فإن الصوت الذي ينتج عن ذلك هو صوت الضمة الخالصة"(62).

في هذا القول تفصيل دقيق لمخارج الصوائت القصيرة، وفي عبارة "خالصة" استثناء لجميع تلك الحركات الفرعية، كالرفعة، والخفضة، التي تحدث أثناء وضع اللسان بين حركتين أصليتين، فبين "وضع اللسان في صوتي الفتحة والكسرة، أو بمعنى آخر بين وضعه في قاع الفم، وارتفاع مقدمته نحو وسط الحنك بحيث تحدث الكسرة الخالصة، أوضاع كثيرة، تحدث بسببها أنواع متعددة من الحركات، أبرزها في أذهاننا صوت الكسرة الممالة [e]، وبين وضع اللسان في صوت الفتحة، ووضعه في صوت الضمة، أو بعبارة أخرى بين وضع اللسان في قاع الفم وارتفاع مؤخرته نحو سقف الحنك، بحيث تحدث الضمة الخالصة، أوضاع كثيرة تحدث عنها حركات متعددة، أبرزها في أذهاننا صوت الضمة [O] الممالة"(63).

لم تغب هذه الفكرة عن القدامى، إذ تنبهوا إلى حقيقة الحركات الناتجة عن تقارب حركتين أصليتين، حيث ينحى بالفتحة "نحو الكسرة والضمة، وفي الكسرة أن ينحى بها نحو الضمة، وفي الضمة أن ينحى بها نحو الكسرة ... ولم يجز في واحدة من الكسرة ولا الضمة أن ينحى بها نحو الفتحة"(64). والعلة في ذلك "أن الفتحة أول الحركات وأدخلها في الحلق، والكسرة بعدها والضمة بعد الكسرة، فإذا بدأت بالفتحة وتصعدت تطلب صدر الفم والشفتين اجتازت في مرورها لمخرج الياء والواو فجاز أن تشمها شيئا من الكسرة أو الضمة لتطرقها إياها، ولو تكلفت أن تشم الكسرة أو الضمة رائحة من الفتحة لاحتجت إلى الرجوع إلى أول الحلق، فكان في ذلك انتقاض عادة الصوت بتراجعه إلى ورائه، وتركه التقدم إلى صدر الفم والنفوذ بين الشفتين فلما كان في إشمام الكسرة أو الضمة رائحة الفتحة هذا الانقلاب والنقض، ترك ذلك فلم يتكلف البتة"(65).

لكن ما يؤخذ على علماء العربية القدامى أنهم نظروا للحركات القصير على أنها زوائد "فوضعوا الألف والواو والياء في الأصول، ووضعوا الحركات في الزوائد، ولم يشيروا إلى وحدة الألف والواو والياء في حالة المد المحض وأصوات المد القصيرة في الوظيفة اللغوية، بل ذهبوا إلى القول بسكون أصوات المد الطويلة، إذ هي متألفة عندهم من الألف والواو والياء في حالة السكون سبق كل منها بحركة من جنسه وكأن ما يحدث من تأثير لهذا الصوت في الصامت الذي يسبقه في أثناء التأليف بينهما إنما يرجع إلى تلك الحركة المجانسة"(66)، هذا ما جعلهم في تفسيرهم لبعض مظاهر الإعلال، يرون أن حذف الصائت الطويل يكون بسبب التقاء الساكنين، وكأن الصائت الطويل حرف يتحرك بالسكون، مثلا:

يقُول (الواو إشباع لحركة الضمة)؛ لم يقُلْ (حذف الساكن الأول -الواو- وترك الثاني -لْ- للتخفيف)، مع أن الواو في حد ذاتها حركة فكيف يمكن أن تتحرك بالسكون؟ فهي في حقيقتها البنائية محسوبة علة جهاز (spectograph) بـ (600 cps) حركات مكثفة (صوئت)، والحركة لا يمكن أن توصف بالسكون؟"(67).

يضيف أحد المحدثين قائلا: "ولكن المشكل يتجلى في نحو: قال. هل القاف حرف ساكن؟ أم هل هو حرف متحرك؟ ولكون الألف حرفا عندهم وهو ساكن قالوا إن القاف هنا متحرك وهكذا جاء قولهم بالفتحة قبل الألف منجيا حرفين ساكنين، ولو قالوا إن الألف ليست حرفا وإنما هي حركة القاف وهي حركة طويلة لكان ذلك المخلص الصوتي الصحيح لهم"(68).

هذه الفكرة لا نجدها عند الفارابي بدليل قوله: "وأما المصوتات القصير فإنها لا تمتد مع النغم ما دامت على قصرها، فإذا ساوقت النغمة امتدت بينها وبين الطويلة. وكل حرف غير مصوت أتبع بمصوت قصير قرن به فإنه يسمى المقطع القصير، والعرب يسمونه الحرف المتحرك، من قبل أنهم يسمون المصوتات القصيرة حركات. وكل حرف لم يتبع بمصوت أصلا وهو يمكن أن يقرن به فإنهم يسمونه الحرف الساكن"(69)، فالفارابي عندما تكلم على الحركة والسكون في الحرف، استعمل كلمة الحرف الساكن، والحرف المتحرك، ولكنه "لم يكن يرى أصوات المد الثلاثة حروفا بمعنى الحرف الذي يمكن أن يتحرك يسكن، بل هي عنده مصوتات طويلة لا تختلف عن الحركات إلا في كون هذه الثانية مصوتات قصيرة"(70).

وعليه أخرج الفارابي المصوتات الطويلة من مفهوم الحرف الذي يمكن أن يتحرك ويسكن، وهي خطوة مهمة، على تعبير حد المحدثين، كونها حولت "مفهوم الحروف إلى مفهوم الحركات"(71).

ففي موضع آخر يقول الفارابي: "فمتى اتفق في الألحان الفارغة النغم فبدئ بحروف غير مصوتة أردفت بمصوتات طويلة، فإن النغمة الفارغة التي تبتدئ مع غير المصوِّت تمتد مقترنة بالمصوت الطويل الذي هو رديف غير المصوت، ومتى كان الذي ردفه مصوتا قصيرا فإن النغمة التي تبتدئ من غير المصوت إذا أردنا أن نمدها فلا بد من تطويل الحرف القصير، فيصير ذلك الحرف القصير كأنه طويل"(72).

وعلى هذا خالف الفارابي اللغويين القدامى فيما ذهبوا إليه، مخرجا بذلك حروف المد من الحرفية إلى الحركات وإن لم يسمها حركات طويلة "فالحرف الساكن عنده إما أن يقرن به مصوت قصير وإما أن يقرن به مصوت طويل، ولم نر في مذهبه اقتران الحرف الساكن بمصوت قصير يليه مصوت طويل كما كان عليه تصور علماء العربية حين جعلوا المصوتات الطويلة حروفا ساكنة فأشكل عليهم القاف في مثل قال ونحوه أهو متحرك أم ساكن"(73)، وعلى هذا فكلمة "بَابْ" مثلا تتكون من: صامت (حرف غير مصوت: الباء)، ومصوت طويل هو الألف (ا)، ثم الصامت الأخير (ب) ب + ا ( ً ) + ب.

ومما سبق يمكن القول إن الفارابي خالف علماء العربية فيما ذهبوا إليه، ففي قوله: "وأما المصوتات القصيرة فإنها لا تمتد مع النغم ما دامت على قصرها فإذا ساوقت النغمة امتدت حتى لا يفرق بينها وبين الطويلة" ما يدل على أنه فكرته هي نفسها التي ذهب إليها المحدثون في دراساتهم، "فهو لم يقل: "امتدت فنشأ من بعدها حرف حركتها"."(74).

وفي خضم حديثه عن المقاطع في اللغة العربية أيضا ما يدعم تلك الفكرة، فنجده يقول مثلاُ: "وحروف القول غير المصوتة إما أن تردف بمصوتات قصيرة، وإما أن تكون ساكنة وإما أن تردف بمصوتات طويلة"(75)، ومثله أيضا قوله: "وإن لم يردفه مصوت طويل وردفته حركة فينبغي أن تمتد الحركة حتى تصير مصوتا طويلا ثم تُمدّ مع النغمة"(76)، وغيرها كثيرة مبثوثة في كتابه الضخم، والتي قررت جميعا "أمرا واحدا هو أن المصوت القصير إذا مدّ به الصوت صار هو مصوتا طويلا وهذا ينفي وجود مصوت قصير قبل المصوت الطويل، وبه يتقدم الفارابي على الدرس الصوتي الحديث بما بينهما من قرون"(77).

والغرض من هذا التفصيل عند الفارابي ليس من باب المفاضلة بينه وبين علماء العربية القدامى، بل تأكيد فكرة تناول القدامى على اختلاف مشاربهم، للصوائت بنوعيها، إلا أن هناك منهم من قارب معطيات الدرس الصوتي الحديث، ومنهم من أصاب.

ويبقى القول إن القدامى بما توافر لديهم من حس مرهف وذكاء، قد فصلوا بين أصوات اللغة العربية، معالجين كل فرع على حدة، وأما أن كانوا أعطوا لأولوية للصوامت، فذاك لا يعني أنهم أغفلوا الصوائت بنوعيها، بل إنهم عالجوا الكثير في حقله، كحديثهم عن مخارجها، وصفتها، واختلاف درجات تباينها، ووضوحها.

= = = = =

الإحالات

(44) أبحاث في أصوات العربية، أحمد حسام الدين النعيمي، دار الشؤون الثقافية العامة، آفاق عربية، بغداد، العراق، ط1، 1998، ص86.

(45) كتاب الموسيقى الكبير، الفارابي، تحقيق غطاس عبد الملك خشبة، القاهرة، ص1072.

(46) كتاب الموسيقى الكبير، ص1075.

(47) الرعاية لتجويد القراءة، مكي بن أبي طالب، تحقيق أحمد حسن فرحات، الأردن، ط2، 1984، ص108-109.

(48) التعريف في اختلاف الرواة عن نافع، الداني، تحقيق التهامي الراجي الهاشمي، المغرب، 1982، ص261.

(49) الرعاية، ص109.

(50) أبحاث في أصوات العربية، ص96.

(51) الكتاب، 2/283.

(52) أبحاث في أصوات العربية، ص96-97.

(53) الرعاية، ص101.

(54) المصدر نفسه، ص101-102.

(55) المصدر نفسه، ص101-102.

(56) المصدر نفسه، ص101-102.

(57) المحكم في نقط المصاحف، أبو عمرو الداني، تحقيق عزة حسن، دمشق، 1960، ص3.

(58) المصدر نفسه، ص7.

(59) سر صناعة الإعراب، 1/19.

(60) ورد معنا في العنصر السابق مخارج أصوات المد و اللين كما أتى بها ابن جني.

(61) سر صناع الإعراب، 1/17-18.

(62) المدخل إلى علم اللغة، و مناهج البحث اللغوي، رمضان عبد التواب، مكتبة الخانجي بالقاهرة، دار الرافعي بالرياض، ط1، 1403هـ-1983، ص92.

(63) المرجع نفسه، ص93.

(64) سر صناعة الإعراب، 1/52.

(65) سر صناعة الإعراب، 1/53-54.

(66) في الأصوات اللغوية، غالب فاضل المطلبي، ص93.

(67) علم اللسانيات الحديثة، عبد القادر عبد الجليل، دار صفاء للنشر و التوزيع، عمان، الأردن، ط1، 1422هـ-2002، ص460.

(68) أبحاث في أصوات العربية 99.

(69) كتاب الموسيقى الكبير، ص1077.

(70) أبحاث في أصوات العربية، ص98.

(71) المرجع نفسه، ص99.

(72) كتاب الموسيقى الكبير، ص1098.

(73) أبحاث في أصوات العربية، ص101.

(74) المرجع نفسه، ص102.

(75) كتاب الموسيقى الكبير، ص1097.

(76) المصدر نفسه، ص1114.

(77) أبحاث في أصوات العربية، ص103.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3224415

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC