سليم الموسى - الأردن

دعوة للحياة: ح 6


سليم الموسىهل اكتشفت مرة، أن في داخلك رجلين: جبان وبطل. وهل تساءلت مَن مِن هذين الرجلين أنت؟ وغالبا ما تخشى، ولو سرا، أن يسيطر عليك الجبان ويتغلب. إن الأمر في الحقيقة ليس كذلك، فلدى كل منا قوة هائلة من الجلد والصبر والاحتمال، والذخيرة العقلية والقوة العاطفية والقوة الروحية، فاكتشف هذه القوى وركز عليها. ومع ذلك فليس هناك إنسان عاقل يرجو أن يكون متحررا من الخوف تماما إذا شاء أن يعيش، فالخوف ضرورة ملحة لتحضير أنفسنا لمواجهة مشكلات الحياة.

يقول أحد علماء النفس:

"الخوف والبأس نقيضان، ولكن كليهما ضروري لنمو الشخصية، وإن نمو البأس نموا كاملا يتوقف على تجربة الخوف والتغلب عليها، والخوف السليم مفيد، وهو ألم واستعداد مسبق ترياقه البأس، والقدرة على احتمال الألم والتكافؤ معه."

أما الهلع فهو الخوف غير المعقول، هو الجبن حتى فقدان الكرامة، أما الخوف فله وبه كرامة، والشجعان وحدهم هم الذين يستطيعون الخوف.

وقد ورد في إحدى المجلات العسكرية "أن اللحظات الرهيبة قبيل الهجوم، عندما تبدو كل لحظة ساعة كاملة هي اللحظات الأكثر فائدة بالنسبة للجندي، فالخوف هو تحضر الجسم للحركة، فالقلب ينبض أسرع، دافعا الدم بسرعة أكبر إلى جميع أنحاء الجسم، وهكذا تتدفق مادة الأدرنالين والتي هي بمثابة حقنة الطبيعة في الذراع، والمجرى الدموي في الجسم، وتحدث تغييرات في كيمياء جسمك، وتفقدك تعبك، حتى لو كنت في غاية التعب والإعياء."

وإذا استخدمت الخوف بطريقة صحيحة، فإنه يزيد من قوتك وتجلدك، وقد قيل: "إن البطل ليس أشجع من سواه، بل إنه أشجع بضع دقائق أكثر، وبوسعك دائما إن صبرت وتجلدت، أن تصبر هذه الدقائق وتنتصر، ولكن غالبا ما يمنعك "الجبان" فيك من القيام بذلك من أجل نفسك."

والغريب أنك ترى الجبار فيك يجبرك على القيام بذلك من أجل سواك. إن حب إنسان ما غالبا ما يطلق قوة عاطفية غير متوقعة، وإن حب قضية، كالوطن مثلا، قد ألهم الكثيرين أن يكونوا أكثر شجاعة مما يتوهمون، وتمثل دائما بهذه العبـارة:

قرع الخوف الباب، فأجاب الإيمان: "لا أحد هنا".

وخلال قصف ألمانيا للندن بالقنابل المحرقة المدمرة، قرأ الإنجليز النصيحة التي كتبت على أرصفة لندن النهرية: إذا كانت ركبكم تتخاذل، فاركعوا عليها.

وإذا شئت أن تقابل البطل الجبار في روحك، فتذكر أن الشجاعة هي الخوف الذي تلا صلواته. والمعروف كما أشرنا سابقا أن الإنسان يتمتع بقوة خلاقة لا قدرة عقلية لها، تحمل إليه كل ما يتصوره ذهنيا، وإن تصور أشياء حسنة يأتي بأشياء حسنة والعكس صحيح. ويقولون في الأمثال: "شبيه الشيء منجذب إليه." وهذا أمر واقع، فأنت تأخذ في نهاية المطاف ما تعطيه أو تمنحه. وذلك كله يسيطر عليه قانون العقل الكبير الأوحد، وما دام قد وضح أمامك كيف يعمل عقلك حقا، فإنك حتما لن تواصل الخوف من إمكانية حدوث أمر لك، لمعرفتك أن هذه الحالة الذهنية تزيد كثيرا من فرص حدوثه فلا تترك مجالا للحالات الذهنية السيئة أن تسيطر عليك أو تبقى في تفكيرك لحظات مطلقا.

لم يولد أي بشر حتى اليوم، لم يعرف نوعا من أنواع الشعور بالخوف، في سن الطفولة يخدم الخوف غاية مفيدة، لأنه ينمي فينا الشعور بالحذر. والعقل الراشد لم يخلق لكي تسيطر عليه العواطف غير الموجهة، ولم يخلق ليسيطر عليه الخوف.

إلا أن معظمنا عبيد لهذا النوع من الخوف أو ذا ك وعليه فإن أغلب تخوفاتنا هي من عهد الطفولة، وأننا لم ننجح في التغلب على الانطباعات الأولى التي خلفتها. والذي لا تستطيع التغلب عليه في نفسك تخشاه. فبعضنا أقوياء حيث الآخرون ضعفاء، وضعفاء حيث الآخرون أقوياء. وإن بعض المخاوف التي قد لا نهتم بها قد تسمم حياة أناس آخرين، ومخاوف أخرى قد لا تثير اهتمام أحد، قد تكون مصدر رعب كبير بالنسبة إلينا.

إن تجارب الحياة واختباراتها إنما وجدت لتتيح لك أن تواجه نفسك، أي أن تواجه الواقع، ولكن الطبيعة البشرية تحمل كل واحد منا على الاعتراف بنوع من الضعف في نفسه. وبقدر ما تفلت الزمام لنفسك في هذا الصدد، تعظم الضريبة التي ينبغي أن تدفعها لعدم مواجهتك لأخطائك ومداراتك لها، ويصبح من الصعب عليك أن تتخلص منها. وما دام معظم الخوف من ترسبات الطفولة، ولكي تقضي على هذا الخوف ينبغي لك وأنت تعيش لحظاته الذهنية أن ترى نفسك وقد سيطرت على عواطفك، وذلك باستبدال الصور الذهنية التي اختزنها عقلك عن فشلك في الماضي في السيطرة على خوفك، بصورة ذهنية أخرى عن هذا الخوف وقد سيطرت عليه سيطرة تامة.

درب نفسك يوميا، مكررا استعراض الصور الذهنية الجريئة التي واجهت فيها مواقف أذلتك في الماضي، على أساس معرفتك كيف كان يجب أن تواجهها، وبمرور الزمن تكون قد أقمت صرح هيكل ذهني متين، تبقى مخاوفك كلها خارجه. وعندما تسقط طائرة تدريب بالطيار، يصدر له قائده إذا كان سليما وغير مصاب، أمرا بالقفز فورا إلى طائرة أخرى في الحال، لكي يتمكن من إزالة ذكرى سقوطه السابق.

إن القلق خادم الخوف، ومن الطبيعي أن يقلق البشر كما يتنفسون، ولكن القلق وحليفه الخوف يشوهان السعادة، ويجلبان من الأسى والألم أكثر مما تفعله كل العواطف الأخرى مجتمعة. إن القلق يدمر الثقة والحماسة والعزيمة، ويولد التردد والتشويش ويسلب المتعة. فتعلم كيف تسيطر على عواطفك. حاول أن تبدد وتواجه الصور الذهنية للماضي التي حفظتها في عقلك الباطن، وتستبدلها بصور ذهنية أخرى، أنت قادر على مواجهتها. [لا تدع عقلك الباطن يتلقى أفكار القلق والخوف والتوتر والعنف، حتى لا يسبب لك ذلك انهيارا عصبيا قد تدفع فيه الكثير الكثير من صحتك وحياتك.

ولا تقلق أبدا بشأن المستقبل، فإن ذلك يمنعك من الاستمتاع بالحاضر، والحاضر كل ما لديك، والمستقبل فعليا لا يأتي أبدا، فعندما يقبل ما ندعوه مستقبلا يصبح حاضرا، إذ حين يقبل الغد يصبح اليوم. وهكذا، ما لم تبدل الصورة الذهنية الماضية وتشرع في تصور أمور حسنة تصيبك، فإن مستقبلك سيكون كماضيك خلوا من كل بهجة ومليئا بكل مزعج مقلق، والموقف الذهني الصحيح سيرفع عبئا ثقيلا عن جسدك وتفكيرك، وستتمتع بالحياة كما لم يسبق لك أن تمتعت بها من قبل.

كرر دائما الموقف الذهني الصحيح مرة بعد مرة وستنجح بالتأكيد، وتلقي عنك القلق والخوف والتوتر إلى الأبد، وعنده ستعرف المعنى الحقيقي للسعادة والراحة والاطمئنان والتفوق والنجاح.

= = =

مراجع السلسلة منشورة في الحلقة الأولى.

D 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008     A سليم الموسى     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  يوم أرض بنكهة خاصة

2.  التجريب في رواية المتشائل

3.  البديعيات: فن بلاغي يحتاج إلى التأمل

4.  مرافىء السفـــــــر

5.  الكتابة لليافعين: ندوة