هيام ضمرة - الأردن

الجرح المسكون


هيام ضمرةأدخنة كثيفة تخنق محتويات الغرفة الصغيرة الناطقة بالرهبة، ترسم هالات تتخلل سحباً تتعلق بالأشياء المتدلية على الجدران، وأحرف كتاب عتيق انقشع عن صفرته، تآكلت بأضراس الزمن زواياه، يتحول بين شفاه العرّاف إلى كلمات متنافرة، وعبارات تعزف بسذاجتها على أوتار عقول الجهلاء، يفتح عيوناً خالية من أي تعبير، بينما جدران قبيحة تتشرب الضوء المختنق بالدخان وترد بعضه باتجاه السقف.

يغرق صوت الشيخ عرفان الأجش فجأة في مُستنقع مبهم لتتحول الكلمات إلى تمتمات، والتمتمات إلى تشنجات، في حين يتشكل دخان البخور الخانق إلى شجرة تنتصب بين كفيه، تسقط ثمار القهر في خضم الانتظار، وتجرح الأنفاس بالخوف.

ووضحة بهيئة ذلها تتكوم على نفسها، وأنفاسها تكاد تهرب من صدرها، تحدق ببلاهة في وجه الشيخ عرفان الغارق في كثافة لحيته المصبوغة الأطراف، وبقايا ألم يتكسر بين أضلعها، تتلمس مشاعرها شظايا صور مضت، بعد أن بدأت تتحطم على جدران عقلها الثائر. تعابير وجهها ولونه يوحيان بالتلاشي، بينما عيناها تسقطان رذاذاً لاسعاً يجرح كيانها، يمزق ما تبقى من رشدها، يتواصل انهماله على وجع يغرقها بالهذيان.

"أيموت الحب عندما نصبح شجراً بلا ثمر؟"

يعربد هذيانها في فضاء المكان وهي ترفع وجهاً معفراً بالألم.

"لماذا أنا يا رب؟"

ينفجر صوت الشيخ عرفان بحمم التمثيل:

"استغفر الله. استغفر الله. الخطأ مردود، والذنب لمن لا يعلم مغفور بإذن الله."

تتلوى عبارته زاحفة كأفعى ملساء في أنحاء الغرفة قبل أن تستشعرها تلتف ببرودة حول وسطها، تعتصرها سائلاً متقيحاً، يطلق داخلها سرباً من النمل يُخدر أطرافها إلى نهاياتها، وتساؤلاً يمرر مسنناً على عقلها. لماذا إذن عليها أن تحترق وحدها بعبارة العاقر؟

طوقت عيناها وجهه بنظرات جامدة، وهي تطوي شكوكها في جيب اللا وعي، كباحثة عن الأمل يحق لها أن تطرق أبواب الغيبيات، وحتى تصل هذه الأبواب كان عليها أن تغلق على العقل منافذه، لا بل تخنق أنفاسه تماماً.

فقالت والكلمات الموجوعة ترتج على الشفاه المرسومة بعناية ربانية:

"أرجوك يا سيدي ساعدني، أحب زوجي ولا أطيق فكرة أن يركلني خارج حياته."

رد بصوته الأجش وكانت عيناه الجاحظتين تقتحمان ملامحها وتغرزان في وجهها سهم الشكوك:

"توكلي على الله، وستنالين ما تبتغين بإذن واحد أحد."

"أفدني أرجوك، هل بإمكانك مساعدتي؟ الأطباء أجمعوا أن رحم الحياة لدي لم يُخلق ليَبعث الحياة دوناً عن نساء البشر."

ارتجّت الكلمات الأخيرة على شفتيها، فأقحمت وجهها المختنق في كفيها واهتزت ببكاء موجوع.

صرخ باستعراض مزيف:

"هراء. محض هراء. لا شيء يستحيل على الله. إن تلبس الجان لك واضحة معالمه لي تماماً. إنه المانع الحقيقي لديك عن الإنجاب، خسئ الأطباء إنهم لا يعلمون."

"لكنهم..."

قاطعها ليقطع عليها الشكوك:

"صبراً بنيتي. الأمل دوماً موجود والمولى يغدق على عباده دون حساب، فلا يأس مع الأمل والرجاء.

"لكن الأطباء..."

هذه المرة اشتدت وتيرة صوته حدة، وانكمش ما بين حاجبيه:

"ليخسأ الطب ومزاولوه، وهل هم يُنظّرون على قدرة الله وعطائه؟

سكت هو برهة، وسكتت هي معلقه نظراتها في وجهه برجاء. ليعاود صوته الانبعاث هادراً:

"لا تذهبي إليهم، ولا تقصديهم، لقد نجحت أنا مع نساء كثر فشلوا هم معهن، إنهم لا يعرفون قدرة الله وجبروته، ولا يدركون قيمة الأيدي التي وضع الله فيها البركة والخير. لقد منحني الله قوة وعلماً يجعلني أغير سطح هذه البسيطة لو أردت.

قالت وسط نحيبها واهتزاز روحها المعفرة باليأس:

"لا أريد تغييراً لسطح البسيطة. أريد ابنا. أريد أمومة. أريد هوية أنثويتي لا غير."

"لا تخشي شيئاً، سيكون ولدك في حجرك قبل اكتمال العام بإذن الله."

برغم ما اجتاح روحها من سقم، تمتمت بعبارة مأسورة بالعجز وهي تلغي عقلها على أبواب الغيب.

رحماك إلهي، قد أُلغي عقلي لو استشعرت الأمل، وقد أُخدر حواسي لو تراءى لي بصيص نور.

التمعت عيناه بالخبث فجأة وهو يقترب منها بأنفاسه الكريهة، مطوقاً كتفيها بأيدٍ وحشية.

"الجان تعمل وفق ثمن. فهل أنت مستعدة لتلبية طلباتها؟"

"لن أوفر مالاً أو حلالاً لأجل أن أصبح أماً ولو لمرة واحدة."

عادت وضحة إلى دارها مع تداعي كبريائها المزيف، تخفي سرها في قعر ذاتها ورغبة جامحة للخلاص تكاد تُجهش بالبكاء أعماقها.

"لماذا اخترتني إلهي لهذا العذاب؟ لماذا تنثر أشلاء روحي على رغبة تنالها الكثيرات بيسر ودون تكَسّر؟"

تبتلع حرقة جوفها وهي تعاود الاستغفار وتعلق نظرات كسيرة على جمود الحائط. كانت تتحرك بلا هوادة في أرجاء البيت، تذرَعُ ممراته كالتائهة جيئة وذهاباً، تعيد ترتيب ذات الزوايا مراراً وتكراراً، كأنما روحها تدور في غُربة الخوف بلا كوابح وشتاتها يأكل وعيها.

"أتراه فعلاً العرّاف قادر على أن يُنهي هوية عقمي؟"

تعود إلى حركتها التالية. تعدّ خطوات هناك وتنثر مسحوقاً، وتمد خيوطاً هنا وتعقدها، وتدفع قصاصات ورق بين حواشي ملابس زوجها، وأخرى بين ملابسها. ترش رذاذاً لمنقوع أعشاب على عتبة دارها، تتمتم بأدعية رجاء أن لا تبقي لأشواقها رعشة انتظار، وقد باتت أعصابها كالمتلفع كفن النزق.

كان داخلها يتصلب كحجر الصوان، شديد البرودة والصلادة. مضطرة هي أن تؤمن بما لا تؤمن به، وأن تتبنى ما هو ضد مدركات عقلها، فما ظنت أن منطقها يمكنه أن يلبس لبوس الجاهلين أبداً. لليأس قدرة عجيبة على إلغاء العقل وتدمير المنطق.

إنما طلبات الشيخ العرّاف أرهقت ميزانيتها، وحاصرتها في دائرة من البحث والتنقيب لا يبدو أنها سوف تنتهي منها، طلبات تعجيزية تشترط النوع وتفصّل الكمية وتحدد العلامات الفارقة، وأعاجيب من الأخلاط مضطرة أن تشربها أو تزدردها، تثير في نفسها التقزز وفي معدتها الثورة، وحماتها لا تنفك تؤكد لها أن قدرة هذا العرّاف (هائلة)، وأفعاله تكاد تكون من الخوارق غير الطبيعية، وما من امرأة عاقر لجأت إليه إلا وتخلى عنها شؤم عقمها.

عبارات حماتها الملغومة تقدح في كيانها، تملؤها ذلاً وانكساراً، وانصراف زوجها عنها يكاد يطفئ أصداء أمنها على أنات بؤسها، يحيرها صمته، ويقتلها شروده واستغراقه في متابعة كل ما يبث عبر التلفاز، انطفأ بينهما وهج الحوار، باتت عبارات الحب بينهما هي الأخرى مطفأة.

تعود إليها ذاكرة ذلك اليوم، حين طلب إليها العراف أن تكشف عن بطنها بحضور حماتها، جزعت لطلبه وأبدت رفضاً قاطعاً، إلا أن حماتها هونت عليها ذلك، وذكرتها أن زوجها فقد حدود صبره معها، وأن لهفته لأصوات صغار تنكُثُ صمت حياته يجعله مُستعداً لاتخاذ قرار الزواج من جديد.

راح العرّاف يدلك بطنها بزيتٍ أزكمت رائحته أنفها، يتمتم تارة بتعاويذ، وأخرى بآيات مقتطعة من بعض السور. لاحظت وضحة أن أطراف أنامله تقترب من حدود ثدييها، وبحركة تلقائية سريعة مدت ساعدها تحت صدرها تبني حاجزا يوفر عليه خبث مقاصده، تململت تهم بالنهوض منهية علاجاً يثير شكوكها، وحين عبرت بذلك لحماتها انفجرت الأخرى بها غاضبة، اتهمتها بالمبالغة وعدم الجدية وأنذرتها بالعاقبة التي تنتظرها، فاستكانت مرغمة عند حافة قبر يأسها، تعاود برمجة عقلها على أصداء اللا منطق، علّ الحياة تستفيق لها من رمس الغيب، كيف لها أن تنال ثقة حماتها ورضا زوجها ما لم تؤمن بذلك.

ذات يوم وقد كثر ترددهما على ذات المدعي، وارتفعت حصيلة الطلبات، همس العرّاف بفحيح تخابُثه في غفلةٍ عن حماتها:

"المرة القادمة عليك أن تأتي وحدك."

لفتها غيمة دهشة جمدت حدقتيها على نظرة تساؤل: "لم... لماذا؟"

أطلق باتجاهها نظرة نارية أجفلتها، فارتعدت فرائصها.

"الجان ترفض الظهور في حضور حماتك، وتُعلق أمر شفائك إلى حين ابتعادها."

"إنما ذلك محال. محال."

"فكري جيداً إن أردت نتيجة موفقة."

"ماذا تقصد؟"

وهو يمسح براحة يده على رأسها تخابثاً، ونظراته تدق إزميل الخوف في نفسها.

"المهم الطاعة والسرية والالتزام بالحضور وحدك."

انتفضت بانتفاض شكوكها، تفكفكت هواجسها على توقعات خبائثه، فقالت:

"ماذا تعني؟"

"إنها مقتضيات عملية إخراج الجان من جسدك. إن جسدك محتل ويجب أن يُحرر من مُحتليه، ونُطلق فيه الخصوبة للإنجاب."

انتفضت بقشعريرة الإنكار. تراجعت بسخطها وهي تنزع نظرات جشعه بتقزز عن جلدها، وكامل جسدها يرتجف اشمئزازاً. تدفق الرفض جلياً داخلها، لم يكن عليها أن تواصل خنق وعيها أكثر من ذلك، أن تعيش بلا هوية أفضل لها من أن تعيش بلا ضمير، بهوية مزورة وسياط الحقيقة تجلدها حتى لحدها.

تكومت على نفسها كجنية نحل حلمها في خرائب ذاتها المكبوتة. ابتلعت صديد جرحها، وكتمت صرخة ألمها في أعماق تلك الذات، مكتفية بزفرة حرى ترقأ بها تكاثر الالتهاب وهي تجمع بقاياها على عجل قبل أن يعربد غضبها على نفسها، فماذا لو أن كلٌ جمع شتات نفسه واستعاد رباطة جأشه قبل أن تناله رياح النوى وعفيرها، لتقتلعه كما خرائب الصفيح.

لا تدري كيف نفذ الوهن إلى نفسها ورضخت للوهم، فما أضعف النفس أمام شعور العجز، هي منافذ الشيطان الأولى، وها هي تختبر لحظة عودة الوعي وتقبل ما تقسمه الأقدار.

فهمت جارتها عبارتها الملتوية بخبث أو بغباء:

"أضعت فرصة قد لا تعوض."

رمقتها بعيون مستنكرة، وبقايا ندم يطفو على سطح كيانها وعيناها هذه المرة تطلق دميعات الاستغفار من قلب فاض بالتوبة، فقالت:

"إذا كان الميلاد والموت هما قدرا الإنسان وما بينهما رحلة حياة، فالأجدر أن نحياها بما يرضي الله ويوافق العقل والمنطق، فلماذا تكوينا التفاصيل والحياة ملأى بتباشيرها من كل صنف ولون؟"

وقفت هذه المرة أمام زوجها، وروح امرأة قوية تعرش متلألئة داخلها، ناصعة في صفائها، خالية تماما من الندوب، فما عاد شيء يؤرقها. لماذا تقف عند حدود المفقودات والحياة تمنح الصابرين أشكال السعادة بسخاء؟ أسندت كفها على كتفه وودها ينساب هيناً في مآقيها، نثرت نظراتها طويلاً على وجهه لتقرأ فصول ذاته المرتقبة.

كان ما يزال يقف على قارعة انتظاره الكليل وقد تداعى لونه على دكونة متعسفة، لكنها كانت مصرة على أن تمسك زمام التحكم بالمشهد الأخير. صلبت نظراتها داخل دائرة السواد في عينيه، ثم أخرجت جوهر أعماقها بكلمات جلية وحاسمة:

"عدنان، ها أنا ذا أمامك أقر بعقمي وتصحر رحمي، لكن قلبي سيظل يتدفق بسعة النهر المفترش أرض عمري. فهل تُراك عاجز عن الخوض في صحراء قدري؟

D 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008     A هيام ضمرة     C 0 تعليقات