ربـا الـنـاصـر - الأردن

الـمـهـرج

قصة للصغار


بحركاته البهلوانية شد الأنظار نحوه. وبشعره الأخضر المصفف كغيوم الصيف، وأنفه الأحمر الكبير استخرج ضحكاتهم التي سكنت قاع بطونهم لفترة طويلة. كان الأطفال أكثر المستمتعين بعرض المهرج وملابسه الواسعة، المزركشة بألوان الطيف. فقد كان يمشي على حبل رفيع مثبت على عمودين شاهقين، فإن نظر خلسة نحو جمهوره، بدوا له كدوائر، تعلوها عيونهم المكحولة كخيوط سوداء، تنظر نحوه بكل شغف.

مشى بكل رشاقة مجتازا هذا الحبل، بالغا نهايته. عندها علا التصفيق في أجواء الخيمة كسقوط الأحجار في حضن الوادي. معلنا بذلك انتهاء فقرات الحفل لهذه الليلة. غادر الجميع الخيمة ليتوجه بعدها المهرج نحو غرفته؛ يغير ملابسه الواسعة، كاشفا في حينها عن قد نحيل يشير إلى أن صاحبه قد بلغ الثلاثين من العمر. لبس بعدها ثيابه المعتادة – بنطاله البني وقميصه الأزرق – وتوجه بعدها نحو بيته الصغير المبني من القش، يغطيه سقف من الصفيح، يتدلى منه سراج ينير مساحة صغيرة من المنزل. كان الجو مغبرا قليلا ومطبقا للأنفاس في داخل الغرفة مما دفعه لفتح النافذة قليلا، ثم استلقى على سريره، مراقبا لحركة السراج المهتز يمنة ويسرة بفعل الرياح في الخارج.

ظل يراقب السراج حتى استقر ساكنا بضوئه الخافت، فتظهر بعض الفراشات تحوم حول السراج. كان الوقت يمضي ببطء في داخل الغرفة، مثيرا الملل في نفسه، حتى غلبه النعاس ونام ملأ جفنيه.

استيقظ في وقت مبكر على هديل الحمام المعشش أمام شباكه، والأمل ينصب من عينيه مثلما ينصب الشلال الهادر. ثم خرج للتنزه قليلا في الحقل المجاور، تقودانه قدماه بدون تحديد لوجهته، حتى وقف أمام شجرة كبيرة، كانت أوراقها تتساقط على الأرض كالريش الناعم لكنها بمجرد لمسها لسطح الأرض تتحول إلى طيور بيض ذات منقار أحمر تغرد بصوت مجروح كاد أن يخترق سكون المكان.

تملك الفضول عقل المهرج، فاقترب من الشجرة وهو يتساءل: "أيعقل أن تكون هذه الشجرة سحرية كما يرد في القصص الغابرة والأساطير؟" لذا حاول لمس جذعها، لكن شيئا لم يحدث، فقام بهزها لعلها تسقط ذهبا أو ما شابه. لكنها لم تسقط شيئا مكتفية بإظهار شقوق على سطح الأرض امتدت منها حتى استقرت على مرمى ذراع من حيث يقف المهرج، مكونة حفرة سطحية، أشعلت بذلك نار الحماسة في صدره ورجحت كفة اليقين في أن هذه الحفرة تحوي كنزا دفينا. وفعلا فكر في إحضار معول من بيته واستجماع كل قواه.

وبغمضة عين كان معوله يشق الأرض بحماسة وفضول حتى ضربت جسما صلبا، علم أنه صندوق الكنز، فتحه والدهشة تلبس وجهه لحقيقة ما يرى: لقد كان الصندوق فارغا. عندها اشتعل المهرج غيظا لسوء حظه، فرمى المعول عاليا حتى ارتطم بالشجرة، فيسقط على الأرض غصن، يشع من طرفه المكسور بريق يكاد يعمي عيني المهرج من شدته، فتقدم المهرج نحوه وهو يحجب هذا الضوء عن عينيه بكلتي يديه، لقد تحققت الرؤية هذه المرة، فجن من الفرح عندما مسك الغصن المكسور وهو يزيل اللحاء عنه.

أمسك بمعوله وبدأ يقطع الأغصان، حتى وصل إلى علو مرتفع وتحته أكوام من الأغصان المتراكمة، كان يقطع وبريق الطمع يشع من عينيه، فكان يخاطب نفسه بانتشاء: "عليّ قطع أكبر عدد من الأغصان، فهذه فرصة ذهبية لن تعوض أبدا."

إنها فرصة لن تعوض لمهرج فقير، أحلامه متواضعة لا تتعدى التنعم بطعام والحظي بسعادة الناس. وصل إلى منتصف الشجرة على مقربة من غصن تتفرع منه أغصان ماسية، وبمجرد المحاولة من الوصول إليها، زلت قدمه عن الموضع الصحيح وسقط كحجر شارد من أعلى الشجرة، مستقرا على الأرض كشظايا من البلور المكسور، فيتحول فجأة إلى طير أبيض مماثل لهم، غير أنه كان يصرخ من شدة القهر، يرفض أن يكون طائرا، فصاح بنبرة يشوبها التوسل: "أنا مهرج ولست طائرا. أنا مهرج ولست طائرا."

ظل يردد عبارته حتى ضجت الطيور منه، وأوقعته على الأرض مغمى عليه. أفاق بعدها ليجد نفسه في بيته الصغير، مستلقيا على سريره، كان ينظر في أرجاء الغرفة بشفتين مرتعشتين والدهشة تلبسه. وما هي لحظات حتى هدأت نفسه وتجلت الحقيقة، فكل ما سلف كان مجرد حلم. نعم مجرد حلم لكنه كان كفيلا بتعليمه درسا لن ينساه.

نهض من سريره، وأطل من نافذته. كان جميع زملائه نياما، فقد كان الوقت باكرا. ثم نظر صوب مكان الشجرة السحرية فيجد مكانها أكوام من القش المتراكمة فوق بعضها بعضا. فضرب جبينه بيده ضاحكا وتوجه بعدها ليتناول إفطاره مبتدئا يومه كمهرج، مهرج ولا شيء سوى ذلك.

D 1 آذار (مارس) 2008     A ربا الناصر     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  مفهوم الأدب والأديب عند الرافعي-ج2

2.  الديموقراطية والإسلام: توافق أم تعارض؟

3.  رسالة إلى جــنـيــن

4.  عن لوحة الغلاف

5.  مبادرة خطوات نَحْوَ التَّمَيُّز