إصدارات جديدة - عمرو منير دهب

تبا للرواية


عمرو منير دهبصدر للكاتب السوداني، عمرو منير دهب، كتاب جديد عنوانه "تبا للرواية: عن حظوة فنون الكتابة". الناشر: الدار العربية للعلوم، بيروت، 2017. جاء في خبر صدور الكتاب أنه يتناول "سيطرة الرواية على المشهد الأدبي العربي حالياً"، ويرى الكاتب أن هذه "ظاهرة غير حميدة على المستوى الأدبي والثقافي" وهو "ضد أن ينفرد بحظوة الانتشار واحدٌ من الأجناس الأدبية على حساب غيره بفعل فاعل من المؤثِّرين في الرأي العام الأدبي إيهاماً بأن ذلك الانفراد قدَرٌ لا مناص منه".

تجدر الإشارة إلى أن للكاتب مؤلفات أخرى من بينها: "تواضعوا معشر الكُتاب" (2013)؛ "لا إكراه في الثورة" (2013)؛ "بعض صفاتي السيئة" (2017).

أدناه مقتطف من الكتاب الجديد "تبا للرواية" (ص 11-13).

لولا أن زمن الرواية تقال نكاية في سواها من الأجناس الأدبية لكنت أول المهلِّلين لوصف زماننا هذا رجوعا إلى الأدب على اعتبار ذلك أعلى درجات التكريم لحرفة نالها من التهميش حديثا ما لا تستحق وإن تكن طاقتها على الإصرار لا تزال تدعو إلى الإعجاب.

ولكن المقصود بالإغاظة كان الشعر ابتداء وليس الإنترنت أو السرعة. وبتصاعد الأصوات المردّدة للمقولة، تبيَّن أن الشعر ليس المقصود الوحيد، وإن يكن ديوان العرب هو بالفعل أول المستهدَفين، فقائمة الأجناس الأدبية التي لمزتها المقولة شملت القصة القصيرة، حتى جاء وقت أصبحت فيه المواجهة على هذا الصعيد بين الرواية والقصة القصيرة وليست بين الرواية والشعر، بافتراض أن الأخير قد سُدِّدت إليه الضربة القاضية، فخرّ صريعا، بينما لا تزال القصة عموما، والقصيرة تحديدا، منافسا محتملا ليس من قِبل فصيلة أخرى من المهتمين بالأدب، وإنما من جانب نفس زملاء الصنعة من عشاق السرد من الكُتاب الذين بات أغلبهم يفضِّل أن يرفل في اللقب المهيب "روائي" على أن تتقدَّم اسمه صفة "قاصّ".

ولأن الانتقال من القصة إلى الرواية لا يتطلَّب سوى حمولة إضافية (يسيرة؟) من الزاد، وتدريب (بسيط؟) على النفــَـس الأطول، لم تكن رحلة الانتقال من القصة إلى الرواية عسيرة على معظم من انتوى خوضها من أدباء فنون السرد. ولكن الأغرب أن المغامرة كانت جاذبة حتى لبعض الشعراء من سدنة ديوان العرب القديم، على بُعد ما بين ديوانهم العتيق وبين الفن الأدبي الجديد الذي استعار ثيابه من الغرب وليس من النثر العربي على اختلاف أشكاله بتوالي القرون العربية من الجاهلية وحتى العصر الحديث.

إذا كان الأدب غواية يكاد لا يسلم من اجتراحها أحد في أيٍّ من الأشكال الفنية على سبيل التجريب في البدايات، فإن التنقل بين الأجناس الأدبية أقرب في الغالب إلى الاستعراض منه إلى الاستجابة البريئة لغواية كتابة من أي قبيل، ولا حرج سواءٌ في الاستجابة لغواية الأدب في طور المراهقة الجسدية والفكرية أو في التنقل بين الأجناس الأدبية بغية استعراض العضلات الفنية إذا صحّ أن تلك العضلات مؤهلة بالفعل للنهوض بحمولة أكثر من جنس أدبي. أما الاستجابة لغواية التنقــُّـل مجرّدا بهدف الاحتفاظ بأكبر عدد ممكن من الألقاب الأدبية، ففيه من الحرج ما لا يجب أن يقارَن مع لهفة أدبية بريئة تتحسّس من الخطوات على الطريق الوعر الطويل ما قد يُكتب له النجاح أو يجانبه التوفيق فيعود من حيث أتى بلا ضجيج.

والحال كتلك، لا شك أن من يصدع بالقول "تبّا للرواية" ليس فقط كاتبا مثلي لا تزال الرواية عاجزة عن إغوائه بالكتابة أو المتابعة الجادّة، وإنما إلى ذلك طوائف أخرى من محترفي الأدب والمهتمين به اطِّلاعا وترصُّدا للأخبار. الشعراء ومحبّو الشعر في طليعة الحانقين على الرواية، إلا من رحم الله منهم فكان، بحسب التعبير المصري، صاحب بالين (أو أكثر). وبتعبير أدق، فإن الشعراء وجمهور الشعر هم الخاسر الأكبر في زمن الرواية المزعوم هذا، لا لشيء سوى أن كل ما مضى من زمن العرب الأدبي كان خالصا لفنهم وحده بالسيادة إلى ما يقترب أحيانا من الانفراد.

ولكن القصة القصيرة هي خاسر أكبر آخر، وأرجو أن يجوز التعبير، على اعتبار أنها كانت قاب قوسين أو أدنى من الاستحواذ على الوصف الأدبي لهذا الزمان، ثم أُقصِيت بضربة موجعة وباعثة على الغيظ الشديد في اللحظات الأخيرة التي قرّر فيها القرّاء أن ينحازوا إلى النفــَـس الطويل في عصر السرعة.

JPEG - 16.1 كيلوبايت
غلاف كتاب تبا للرواية
D 26 آب (أغسطس) 2017     A عمرو منير ذهب     C 3 تعليقات

1 مشاركة منتدى

  • مع انني من عشاق القصة القصيرة باللغتن العربية والانكليزية الا انني بدأت اردد (اهلا بالرواية) . عاشق الكلمة لايريد ان يستيقظ والشعر والقصة القصيرة كالمنبه وقت الفجر وانت غارق في احلى احلامك .قارئنا مُتعَب هارب يريد حضنا كبيرا واسعا (كحضن الجدة ) كدفتي رواية لا ككتف عارضة ازياء تتبع ريجيما ( قصة قصرة).كلما زاد الم الواقع زاد حب الاستغراق في شيء ما والرغبة بصداقة قوية عبر ابطال الرواية لا سلام عابر عبر شخوص القصة القصيرة.


    • هذا في صميم ما أصبو إليه من تعليق على "تباً للرواية"، الفكرة ليست في الانجراف وراء موضة الرواية (لا أزال مصراً على أن ظاهرة الرواية كما هي الآن في عالمنا العربي موضة) انسياقاً أو تعنّتاً، وإنما - على سبيل المثال - في بيان أسباب مفارقة عشق الرواية في زمن السرعة. وربما يكون كافياً لدى البعض أن يقول إنني أحبها وكفى، دون أن يزعم أن زمن الرواية هو حتمية تاريخية أدبية، والأجمل أن يتضمن تعليل المفارقة مدخلاً/تصويراً شاعرياً جميلاً كالمفاضلة بين حضن الجدة وكتف عارضة أزياء مهووسة باتباع الحميات الغذائية.

    • التشبيه الاخير رائع ..مع انه لاوجه للمقارنة الا انه يبين وبشدة المفاضلة بين الاثنين .

في العدد نفسه

كلمة العدد الفصلي 6: هبّة القدس 2017

تطوّر دلالة المكان في الشّعر العربيّ الحديث

صلاح الدين الأيوبي في مرآة أمل دنقل الشعرية

الفونيم والمورفيم عند علماء مدرسة براغ

مبادرة خطوات نَحْوَ التَّمَيُّز: إرشادات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  كلمة العدد 100: عود الند تضيء 100 شمعة

2.  على حافة رسمة

3.  تعريف موجز بالمشاركين والمشاركات

4.  العالم الآخر في الأساطير القديمة

5.  دلالات الماء في شعر عبد الكريم الطبال


القائمة البريدية