تسنيم الحبيب - الكويت

مختارات: مقتطف من رواية

أدناه مقتطف من رواية عنوانها "إشراق" للروائية الكويتية تسنيم الحبيب. الرواية نشرت ضمن مجموعة قصصية عنوانها "بوح الندى". الناشر: دار الفراشة، الكويت، 2014.

تحكي صافية

أنا امرأة سيئة؛ أكره أولادي؛ أمقتهم؛ أراهم أغلالا تسحبني لمنصة الجلاد. ثلاثة شياطين وُجدوا لعذاب يمتد ولا ينتهي. لم تدم أمومتي لأي منهم أكثر من عامين، بعدها تتجلى فيهم حقائقهم وتَرُجني في منخل الحسرة فيساقط أملي كله ذبيحا.

يقضون يومهم بعيدا عني، يجتمعون لقتل حيوان صغير خائف أو تحطيم سلعة جار، أو اصطياد فرحة طفل مختلف عنهم، يأتون بعدها إلي. يصرخون في وجهي لجوعهم. أهيئ لهم الطعام لاعنة قالية، فإذا ما شبعوا وهدؤوا ينثر شيء ما من قلبي، لا أستطيع تحديده، رضا على وجه اللحظة، فأقترب منهم باحثة عن أمومتي الضائعة، أو منقبة عن بلسم لجرح غائر فيها، فيحجمون. يرفسون بأرجلهم احتضاناتي وقبلاتي، ينتشي أبوهم/وحشي بذلك. يتحلقون حوله لأقبع في الزاوية مفتتة كرماد نار قدر الطعام.

كيف أفر منهم؟ من يومي السقيم المكتظ بالفراغ؟ من وحدتي وألمي وغُبني الذي يهرس ما يفترض أن يكون أحلى المشاعر؟ من لسعة بقايا ضميري الذي يعاين سخط الجارات المستضعفات اللاتي ينلن من أولادي ما ينلن، لكنهن يغلقن أبوابهن على سخط حبيس، فمن التي تجرؤ أن تشكو أبناء سعد المتـنفّذ؟

تتآكل أمومتي حتى تموت. كم تمنيت أن يموتوا ! ربما أتخلص من عارهم وأحمي أكفهم التي ما صافحت حتى الآن لوثة الدم. كنت أتمنى ذلك فعلا، وأصحو على هذا الخاطر كل صباح، فإذا ما مرضوا هرعت لهم أعللهم بدمعي ورجائي لينسيني ضعفهم في حضرة المرض كل شيء.

* * *

أنا امرأة وحيدة. بلا أسرة حانية تسكب فيها شلالات حنو وتغرد فيها طيور المودة والرحمة، وبلا جارات يحببنها ويألفنها ويقتسمن معها خبز العمر وملحه. بلا إخوة يحطنها، أو أم تنصحها، أو أب يفخر بها. امرأة وحيدة إلا من أثواب الحرير وأساور الذهب، وبيت أبكم موحش بثلاثة مسوخ. ثلاثة ورابعهم كبيرهم الذي أجرى في أوصالهم سحره، ونفث خبثه وقسوته.

لم كنتُ أشعر بذلك منذ صغري؟ لم كنت أستشرف الفشل في كل شيء منذ القدم؟ سؤال ضرب جذوره في أعماقي منذ لا أدري. لم أختلف عنهم/عنهن؟ لم لا أنتمي لأحد؟ منذ طفولتي، كنت أشذ عن أخواتي، أقضي يومي بعيدا عنهن، تصل لأذني ضحكاتهن النابضة بالحياة بينما أقضي يومي في حياكة نسيج فاشل. كنت غريبة عنهن، لا يجتذبني مرحهن الحلو ولا أحاديثهن اللينة، بالكاد أقتسم معهن وجبة الطعام بصمت. تردد أمي: "مابك يا بنت؟ حدثينا".

أمضغ لقمتي بهدوء ثم أرد: "تبخرت الأحاديث من رأسي".

يضحك الجميع، ويقول أبي: "دعوا صافيتي، فإن صمتها حكمة".

كنت أنتشي بذلك حتى أكاد أصدقه، جذلة بإطراء أبي وإعجابه الذي لم يستمر، بل استحال لسخط بزواجي من سعد. هل كان يدرك أبي سر صمتي وعزوفي عن مشاركتهم الحديث/الحياة؟ هل أدركته أنا؟ لَم لمْ أكن آلف ولا أؤلف؟ لم كنت أراني كائنا عُلويا أجد في التماهي مع الغير تلوثا وقذارة، وإن كان الغير هذا أقرب الناس إلي؟

لست أدري من أكون. لست أدري من أنا. هل أنا كائن عُلوي حكيم فعلا؟ أم وحش لم يولد في الوطن الذي يرسم وحشيته؟ غابت المفاهيم والمشاعر وربضت في قبو روحي فلا هي تتحرر ولا هي تحررني. وسكنت الأسئلة حنجرة الصمت، الصمت الذي امتد حتى اليوم.

عجيب أمري. في السابق كنت أغلفني بصمتي متدللة، باختيار يملأ مساماتي زهوا، وبضحكة انتصار وحدها تجاذبني حديث النفس حينما يرخي الليل سدوله وأتوسد ذاتي وألتحف بها. اليوم الأمر مختلف، فالصرخات تعاندني، تمج حنجرتي وتهز قضبانها لأحكي، لأخبر أبويّ في زياراتي النادرة عن طقوس المعاناة التي أعيشها. لكن خوفي عليهما يجبرني على ابتلاع كل الحروف، حتى تتضخم حنجرتي فأعود لبيتي/قبري، وأتقيؤها بكاء.

مم أخاف؟ هل أخاف أن أصبح مثل جارتنا المطلقة التي تقضي نهارها ببكاء أطلالها البائتة؟ هل أخشى من وحدة أحياها فعلا؟
هل يبهظني فقد الحرير والدر؟ تنطفئ الأسئلة وتتوهج الحقيقة الموجعة، المريعة، وأخاف فقط، فعلا عليهما. على تجاعيد وجهيهما، على شيب رأسيهما من سطوة زوج لن يتورع عن فعل أي شيئ لأذاهما. فلأكن ابنة بارة لمرة وحيدة في حياتي، ولأبتلع موسى الصرخات وأدمى وحيدة.

* * *

أنا امرأة خائبة. لا أنجح في شيء أبدا. لا أحصد إلا خيبة في أثر خيبة تمد لسانها لي، وتسخر ببرود مني، فأغلي بغضب يأكلني من الداخل، ويقبحني من الخارج، ويقطر هذا القبح لأرى به كل صورة، وأتذوقه في كل طعم، وأستنشقه في كل رائحة.

فشلت كإبنة. لم أكن أتواصل مع أمي ولا أبي، وما شعرت في سني حياتي الفتية أني أنتمي لهما، لم أشرع نوافذ البوح لأمي مرة كما تفعل لداتي من الفتيات، ولم أحرر سراح عاطفة أبوية تجاه أبي. نعم أحببت أن أظهر أمامهما وأمام الجميع بمظهر البارة التي لم أكنها أبدا، لكن تلك المسافات الشاسعة بيننا لم تتقلص يوما.

فشلت كأخت معتادة ولا أقول كأخت حنون تتقاسم مع إخوتها ألذ لحظات الطفولة وأمتع لحظات الصبا. كنت المنعزلة دائما، الكبيرة أبدا، المنشغلة بما لا أعرف ولا يعرفون، وما همني ذلك أبدا، ارتفعت عنه في سماء الاكتفاء دخانا ينقشع مع سعال الحقيقة، لكن صورة واحدة كانت تزعجني. تزعجني دون ألم، عندما كانت المصادفة توقعني في موقع أنظر فيه إلى تبادل أسرار الأخوات بخفوت وبدائرة سرية تندس فيها بسمة مخبئة لا أنال منها شيئا.

واليوم أفشل، كما هو المتوقع، كأم وزوجة، عناكب الفشل تبني بيوتها حولي فألتصق فريسة للغبن الذاتي، والانزعاج والألم. لم يا ترى يلسعنا صوت الضمير بعد هذا العمر؟ لماذا تتجلى فينا النواقص لنبحث عن ترميم الذات؟ وهل ينفعنا اليوم هذا؟ الآن نعم، أنا أتمنى أن أشاطر والدي مشاعري المحررة، وأطلق خيول الحب الأخوي بصهيل جامح، لكن حواجز تفوق قامتي الضئيلة بأضعاف مضاعفة تمنعني.

= = =

غلاف كتاب تسنيم الحبيب

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3303810

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC