غانية الوناس - الجزائر

طائرة الموت

أمّي التي أحبّ

هل سبق وقلت لك إني أعشقُ إشراقة وجهك كلّ صباح؟ هل سبق وأخبرتكِ بأنكِ النّورُ الذي أهتدِي به؟ لا أذكرُ شيئاً أجمل من صوتكِ العذبِ حين تناديني يا طفلي الصغير.

أنا طفلكِ يا أمّي؛ كبرتُ دون أن أشعر بذلك، ها أنا ذا رجلٌ يضعُ روحه وكل سنواتِ عمره على كفّه ويمضِي إلى حيث لا يعرف، مذ غادرتُ بيتنا وأنا أحاول ألا أبكي كلّما تذكّرتكِ وتذكّرتُ والدي وشقيقي عليّ وسلوَى والقرية وكلّ ما فيها.

أنا رجلٌ والرجال في عُرفنا لا يبكون يا أمّي، لا يبكي أولئك الّذين يرتدون بزّات الشرف ويمضون بأحلامهم إلى حيث لا يدركون، ومع ذلك لا يخافون من شيء. أليس هذا ما كنتِ تقولينه لِي دائما؟

هذا المكانُ مقفرٌ جدا،ً باردٌ جداً، هو جزءٌ من وطنٍ كبيرٍ لا أعرفه جيداً، أحبّه ربّما لكنّي في أعماقي لم أعتده بعد، يذكّرني بالفراق كلّما فتحتُ عيني صباحاً ولم تتكحلا برؤيتك. أعترف لكِ يا أمي بأني لازلتُ طائشاً بعض الشيء، لم أقلع عن التدخين تماماً لكنّي أصلّي وأحاول ألاّ أخلف وعودِي لكِ، سأكونُ رجلاً كما تريدين أن أكون، لكنّي متعبٌ يا أمّي من الحنين إليكم جميعاً، يؤرّقني أن أعيش بعيداً عنكم، أحتاجُ الكثير من الوقتِ لأتعود وسأتعوّد.

تعرفين استلمتُ أول راتبٍ لِي، أحضرتُ لك قطعة قماشٍ رأيتها ستليقُ بكِ كثيراً، أحضرتُ لعليّ الهاتف الذي وعدتهُ به ولوالدي ادّخرتُ بعض المال لأجل الكرسي المتحرك، سأكون بعونِ الله بعد أسابيع قليلة بينكم.

اشتقتُ للجبل، لنبعِ الماء وحقلِ التفاح، اشتقتُ أن أرتمي بحضن السهل وأنسى نفسي هناك، اشتقتُ إلى سلوى كثيراً يا أمّي، لا بدّ أنها تزوركِ كما وعدتني، وقريباً جداً ستصبحُ معكِ بالبيت لتساعدكِ في كلّ شيء، أعرف أنكِ تتوقين لذلك أكثر منّي، أعدكِ أنّي سأحققه لكِ قريباً.

أمّي الغالية، لا أريدُ أن أكتب كثيراً فأشواقِي لجمتُها لحينِ عودتي، سأختصرُ الكلمات هنا فكل هذه المشاعر تفيضُ بِي ولا يتسع لها الورق.

انتظرينِي سأعود قريباً.

كتب سعيد لوالدته أشواقه محملةً بنسيم تلك الصباحات الباردة جداً في الجنوب، تلك الاستفاقات الصباحية التي تذكره ببعده عن عائلته، رائحةُ السجائر التي تخنقه وهو في بداية كل يومٍ محاولاً عبثاً الإقلاع عنها، سجادة الصلاةِ التي يضعها أمام عينيهِ حتّى لا ينسى أن يصلّي، تعليقات بعض رفاقه السخيفة أحياناً، تأنيب الضابط له كلّما تأخر، كلّ ذلك لم يكن يعنيه أبداً فهو كان يعيشُ لأجل شيءٍ محدد.

كان يهذِي باللقاء كشيءٍ عظيمٍ سيحدث له، كان عيداً لا هو أكثر دهشةً وبهجةً من العيد نفسه، كان شوقاً تختلطُ معه كلّ المشاعر فيبتسم ثم يضحك ثم يشرد فينظر إلى السماء ويقول بصوتٍ يسمعه أقرب جالسٍ إليه "إنّي قادم".

سعيد كان شاباً بسيطاً وكما كلّ البسطاء ليس من نصيبهم إلا وظائف بسيطةٌ في الجيش، كأنّ الجيش الذي كان سليلاً وامتداداً لجيش الفلاحين والفقراء الذين أعلنوا عدائهم لفرنسا وعدم الخضوع لها والثورة عليها، فصاروا بعد سنوات قادرين على مجابهة القوة العظمى بإرادتهم الصلبة وعزيمتهم الفريدة وإيمانهم الذي فاق كلّ حدّ، كأنّ قدره أن يبقى دائماً وفياً للفقر والحاجة.

سعيد ترك عائلةً يلوكها الفقر كيفما اتجهت، فكان هو طوق النجاة الوحيد بالنسبة إليهم منذ التحاقه بالجيش.

قال لشقيقه عليّ: "سأذهب من أجلِ أن تكمل أنت دراستك".

سأله عليّ: " ودراستك أنتَ يا سعيد؟"

سعيد: "إنّها ترفٌ وهي ليست من حظّ الجميع، وأنا لم أكن يوماً محظوظاً، عليّ فقط الذهاب لأجلكم جميعاً. أما أنت فادرس وانجح ولا تخيّب ظنّي بك".

ذهب سعيد وفي أفقه يتسع كلّ شيء لأحلام كثيرة جداً، لبيت جديد يبنيه لعائلته عوض ذلك المسكن القديم المتآكلة جدرانه، لهاتف يشتريه لعليّ، لكرسيّ متحرك يستطيع توفيره لوالده المقعد، لمهر سلوى التي ستزين حياته بعد حين، كان يحلم والأحلام في فقه البسطاء في هذا الوطن جريمةٌ لا تغتفر.

تجهّز سعيد للفرح هذه المرة، حمّل حقائبه أشواقاً لا تقاس، عناقاً طويلاً يخبّئه لوالدته، قبلةً يطبعها على جبين والده. أحلامٌ وأحلامٌ وأحلام. استقل الطائرة العسكرية التي ستنقله إلى أقرب مدينة لقريته البعيدة جداً، كان يخطط للقاء الذين يحبّهم لكنّ القدر كان يعدّ له لقاء من نوع آخر. على متن طائرة الموت حلّق بآخر أنفاسه مبتسماً كأنّما يطوّق الحلم بذراعيه.

ها هو وجهُ أمّه يضيءُ كنجمةٍ تهديه إلى حيث الطريق، ها هو والده واقفاً على قدميه يسيرُ ببطءٍ إليه، هذا عليّ بكتبه ودفاتره يناديه، وها ذي سلوى كفراشةٍ من نورٍ تزّف إليه، بيضاء خفيفة كريشةٍ يداعبها نسيم الصّباح، كبرعم وردةٍ تفتّح مع الندى ابتسمت فابتسم معها كلّ شيء.

سعيد يبتسم لأحلامه المغادرة لتوّها فهي ليس لها أن تلامس الواقع أبداً لأنّ هناك ما سيهوي بها نحو قاع الواقع بعد قليل، طائرةُ الموت اختارت أن تتواطأ مع القدر وأن تحلّق على علوٍ منخفضٍ من كلّ الآمال المعلّقة بها. لا وقتَ للحلم يا سعيد؛ هو فقط وقت النزولِ إلى قعرِ النّهاية.

هوى كلّ شيء، كان في الأفق أملٌ كبيرٌ ينتظر لكنّ النّهاية كانتْ أقرب والموتُ كان أقرب، وذلك الحلم الجميلُ صار بعيداً جداً، بعيداً إلى حيثُ لا مكان يبنِي فيه عشّه ليستقرّ.

هوت الطائرة وسط الضّباب الكثيف. لم يعد هناك مجال لرؤية أي شيء، كان أمامها طريق مجهول ونهايتها كانت على قمّة جبل، اصطدمت به. اهتز المكان كلّه لصوت انفجارها، احترقت مقدمتها. شطرت إلى نصفين، احترق كلّ شيء بداخلها. حتى الجثث تفحّمت وغدت أشلاء تملأ المكان.

سعيد في مكانه مكوّم على نفسه، لم يتبّق من وجهه المحترق سوى بقايا ابتسامة غابت وغاب معها كلّ شيء.


تنويه: الرحمة لأرواح ضحايا الطائرة العسكرية التي تحطمت في بالجزائر (2014/2) في ولاية "أم البواقي" شرقي الجزائر، ونجا شخص واحد.

سعيد ليس من بين الضحايا، لكنّ قصتّه قد تشبه قصص الكثيرين ممن ماتوا في الحادث.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3179696

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC