غانية أحمد الوناس - الجزائر

الحياة هنا ممكنة

لا أَقول: الحياة بعيدا هناك حقيقيَّة

وخياليَّةُ الأمكنةْ

بل أقول: الحياة، هنا ممكنةْ

(الشاعر محمود درويش)

غانية الوناس: كاتبة جزائريةمشط أطرافَ شعري الباقية، تلقفها بأصابعك خصلة خصلة، تذكر لونها جيدا، سأغدو بعد أيام بدونه. أحببته دائما بلون أشقر، سأحتفظ به في قلبي وذاكرتي، سأذكر دائما بأني كنتُ ذات يوم جميلة جدا بشعر طويل، وأنت هل ستذكر؟ سميح هل ستذكر ذلك؟ هل ستذكر كل تلك الأشياء الجميلة التي جمعتنا لسنوات مضت؟

أنا آسفة جدا، لأني لن أستطيع منحك ذكريات أخرى، ليس بإمكاني أن أصنع من أجلك فرحا تلمسه بيديك، وتعيشه بروحك وأنفاسك، أنا عاجزة عن كلّ شيء، في داخلي كون من الفراغ الذي يلتهم كل ما ينبض في داخلي، قلبي يوجعني يا سميح، يوجعني إلى الحد الذي يجعلني أفقد حواسي كلّها.

هذا الورم اللعين يجتث روحي من جذورها، يبترني الوجع نصفين، فأغدو كدمى العرائس، أتحرك بفعل خيوط لا يراها أحد، لكني أشعر بها، ألمسها، أتحسس ملمسها الخشن، أبصرها كما أبصرك أمامي، فيؤلمني ذلك أكثر.

أنا أرتجف؛ أترى ذلك؟ يداي تفقدان إحساسهما بالأشياء، سميح أنا على وشك النهاية، أنا عاجزة وآسفة. يقتلني الألم، آسفة جدا.

إن جربت شعور الذهابِ إلى أبعد ما يمكن، ثم تعود فارغا من كلّ شيء، ستفهم لم يصعب علي الوقوف أمام الحاضرِ بشجاعة، استنفذت شجاعتي كلها فيما سبق، والآن أحاول ما بوسعي لأبقي طيف ابتسامتي على شفتي.أهي واضحة هذه الابتسامة الباهتة؟ إني أبذل جهدا عظيما لأبتسم.

ينظر إليها سميح مطولا، كأنه غريق يمسك آخر قشة تعلقت بها أصابعه، يحاول جاهدا أن يبتسم، يحتاج أن يعرف كيف يمكنه أن يساعدها، كيف يوقف الألم؟ كيف ينتزع ذلك الورم بأصابعه ليحرقه، ليلعنه، ليدوسه بقدميه، ليقذف به إلى حيث لا يعود ليسكن جسمها، أو جسم إنسان آخر.

كيف يستطيع أن يعيدها كما كانت، مفعمة بالحياة والأمل والإيمان؟ هي نفسها وداد، التي كانت تزرع الفرح في الأشياء حولها، هي مصدر النور في حياة من عرفوها، كيف نضبت روحها من النور فجأة؟ فغدت حلقة مفرغة من الألم واليأس والظلام.

يشهق سميح بدموع لا يقوى على ردها، يمسك بكفيها بين يديه، يضطرب صوته الغائب وسط الوجع، ترتجف شفتاه وهو يحاول أن يستعيد صوته كاملا: وداد، أنتِ قوية، ولولا ذلك لهزمك المرض منذ البداية، أنتِ لستِ ضعيفة أبدا، أنت قوية بما يكفي لتبتسمي وتضحكي وتغني وترقصي، أنتِ لستِ ضعيفة لتفقدي إحساسكِ بالحياة، فالحياة لا تدير ظهرها إلا لليائسين، وأنتِ تملكين ما يكفي لتنفضي عنكِ غبار اليأس، وتلبسي من جديد وشاح الأمل، الذي طالما طرزتِ فيه من صبركِ وإيمانك.

أرجوكِ قاومي، لأجلنا جميعا، لأجلكِ أنتِ، لأجلِ طيبة.

= طيبة، طفلتي الصغيرة، كيف ستحيا بعيدا عنّي؟ إلهي كيف لطفلة بعمر السنتين أن تُمضي كل حياتها القادمة يتيمة بلا أم؟ كيف أعيش أيامي الأخيرة، وأنا أحاول تخيل شكلها حين تكبر؟ إلهي رحمتك، لم يعد بي قوة لأتحمل أكثر.

= أرجوكِ توقفِي، أنتِ تعذبين نفسكِ، وتقتلين كلّ أمل داخلك، تهدمين جدار الكون فوق رؤوسنا، تجعلين من المستحيل كتلة تكتم أنفاسنا، لا تفعلي ذلك أرجوكِ، حبا بالله لا تفعلي.

= سميح، يا قلبي، أنا لستُ يائسة أبدا، أنا فقط اقتنعت بعدم جدوى المقاومة، أنا في جميع الأحوال أعرف نهايتي جيدا، لا أمل لديّ فلماذا أمنحكما فرحا مؤقتا؟ لماذا أكذب عليكما وعلى نفسي؟ كلانا يدرك أن الموت هو الشيء الوحيد الذي ينتظره المرضى أمثالي، صدقني أنا اقتنعت، وأريدك بالمقابل أن تقتنع معي، أريدك أن تساعدني ليكون الرحيل أقلّ وجعا، أريدك قويا لأجل الأيام القادمة، لأجلِ طيبة، لأجل الحياة التي تنتظركما بدوني، أنت لن تخذلني؛ صحيح؟

يقف سميح إلى النافذة، ينظر إلى البعيد حيث لا أحد يعرف ماذا يمكن أن يحمل القدر مستقبلا، يقف لدقائق يتأمل خيوط الشمس وهي ذابلة، غارقة خلف المدى، تودع المدينة على عجل، كأنها مزهوة بالغياب، وقبل أن تختفي ملامحها بالكامل يستدير إلى وداد، يبتسم إليها، تضحك عيناه الخضراوان، يخرج هاتفه من جيبه، يشغل صوت أغنية يأتي صداها من وجع السنين البعيدة:

أمسى المسا يا غريب وتقفلت الأبواب

صار الغريب يلتجي من باب لباب

أمسى المسا يا غريب وتفتحت الجراح

يا عين لا تدمعي ع اللي جفاني وراح

سافر وخذني معاك بفطر على دقى

بصبر على الجوع ما بصبر على الفرقى

الصبر أخذته معي خبيته بعيوني

ع فراق أهلي يمه بالله لا تلوموني

هل تذكرينها يا وداد؟ إنها ريم البنا. هل تذكرين كم كنتِ تحبينها؟ وكم كانت تسرقك مني؟ ساحرة الصوت هذه مثلك الآن مريضة، تعاني من سرطان الثدي، وتخضع لجلسات علاج كيميائي، إنها تشاطركِ الألم نفسه، تتقاسم معكِ ومع الكثيرين نفس الوجع كل يوم، فقدت شعرها، لكنها لم تفقد يوما ابتسامتها، لا زالت تضحك وتبتسم وتغني، هي عكسكِ ترفض الاستسلام، هي قوية جدا لدرجة أنها تستطيع نشر صورها بدون شعر، تمنح وقتها للآخرين، تتواصل معهم، تساعدهم على تجاوز الألم، هي أيضا تتألم، لا بدّ أن السرطان يحاول هزيمتها كلّ يوم، لكنها ترفض أن تمنحه الفرصة، لا زالت تقاومه، تقاتله بابتسامتها، وستهزمه ذات يوم، صدقيني ستفعل.

هل تعرفين ماذا تقول ريم يا وداد؟ هل تريدين أن تعرفي ماذا تقول؟

"شكرا لهذا الكون على ما أنا عليه الآن، شكرا لأن تجربة سرطان الثدي قوة كامنة لم أكن أحس بها، واكتشفت أني قادرة على ابتكار الأجمل دوما، مهما جارت علي الأيام. إن المرض كامن في القلوب والنفوس لا في الأبدان، وإنّي معافاة القلبِ والنفس والروح".

هل تستطيعين أن تكوني قوية مثلها؟ أرجوكِ فقط حاولي.

تقف وداد على قدميها، تبذل جهدا كبيرا للابتسام، تمشي إليه ثابتة، تتماسك، تصبح أقوى مع كلّ خطوة تخطوها، تقف أمامه تماما، تمسك يديه بقوة، ترفع خصلة شعر نزلت على وجهها الحزين، ترفع عينيها إلى وجهه، دمعة تتسلل هاربة من حزنِ المآقي، تهمس بصوت يحاولُ أن يعلو قليلا:

"سميح انتظرني، سأعود. صدقني سأفعل".


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3310001

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC