أشواق مليباري - السعودية

بيت جدي

أمسكت أمي بيدي، وقادتني عبر زقاق ضيق يقود إلى الجبل حيث اصطفت بيوت شعبية متلاصقة، يسند بعضها بعضاً لتبقى صامدة منيعة. وقفنا عند ذلك الباب الحديدي الأزرق، طرق أبي برفق، ففُتح الباب وظهر لنا وجه جدي فابتسمنا جميعنا.

سلم أبي ودخل، دخلنا إثره ففرد جدي ذراعيه، يقبلنا ويشمنا واحداً تلو الآخر، جدي أقوى رجل..هكذا كان يتراءى إليّ، طويل القامة، عريض المنكبين، ولحيته كثيفة، متناسقة، وبيضاء.

بعد دخولنا أطل برأسه إلى الخارج، ثم نظر إلى السماء الملبدة بالغيوم، وعلت وجهه المنير سحابة من التوجس والقلق؛ فقال وهو يغلق الباب :

"ألطف بنا يا أرحم الراحمين".

عجبت لتبدل حاله! فتلبد السماء بالسحب والغيوم مؤشر بالتفاؤل وبشارة بنزول الغيث. الغيث عزيز على نفوس البشر في بلادنا ولا نراه في العام إلا أياما معدودات، فكيف يكون إذاً شراً أو بلاء؟

اعتاد الجلوس بجانب الباب الحديدي على "كرويتة (*). يأكل، يشرب، يقرأ، أو يتكئ ويدخن.

أصواتنا نبهت جدتي، فخرجت من مطبخها تفوح منه روائح طعام شهي، ركضنا إليها، نسلم ونقبل يدها، فتقبل أيدينا الصغيرة، وتحتضننا جميعا، ما أدفأ وأرحم ذلك الحضن!

خرج عمي الأصغر من الغرفة فرحا بقدومنا، سلّم علينا، حملنا ورفعنا عالياً على كتفه الواحد تلو الآخر. عمي نشيطٌ جداً، يكنس البيت، يغسل الأطباق، ينشر الملابس على السطح. خفيف الظل، طيب القلب، وجميل المحيا.

سمحت لنا أمي بالصعود إلى السطح حتى موعد الإفطار، وناولتنا جدتي قطعاً من البطيخ البارد في أيدينا، فرحنا وركضنا حتى الدرج، لكننا صعدنا ببطء وأعيننا تراقب جدي الجالس مقابل الدرج على الكرويتة، رفع عينيه عن مصحفه الصغير، وابتسم لنا. لا أدري كيف اجتمعت هيبته ومحبته في قلوبنا الصغيرة.

في غرفة على السطح سرير خشبي استلقى عليه عمي الأكبر سناً، عاري الصدر، يتصبب عرقاً، أيقظه رنين ضحكاتنا، فسلم علينا وعاد إلى النوم.

عمي طيب جداً وحنون، يلاعبنا ويدللنا، هو الحرفيّ الماهر في البيت، والآلوي الذي يصلح كل شيء، وأعني كل شيء.

خرجنا لنلعب على السطح، مسرحُ طفولتنا، وجنةُ أحلامنا.
قطة جدي نامت على صندوق بتملل وكسل، قطة عجيبة، في إحدى المرات ألقاها ابن عمي الشقي من على السطح فلم تمت. بعدها علمت أن القطة بسبعة أرواح.

هذا السطح كان مدرسة بلا جدران، عليه دبت روح الحياة فينا، بكل ما تعنيه من تفاؤل، ومرح، وبراءة. في أركانه لعبنا، بحجارته بنينا وهدمنا، وخلف صناديقه وخزاناته القديمة اختبأنا.

غابت الشمس خلف الجبل وصدحت المآذن من كل الجهات، لو أنصتنا جيداً لميّزنا صوت مؤذن الحرم المكي، لكننا ركضنا إلى الأسفل مباشرة، إلى سفرة الإفطار، يتصدرها حساء الأرز، وطبق الفول مع خبز الصاج، والأهم بالنسبة لنا شراب التوت البارد.

جلسنا حول جدتي لتطعمنا بيدها، مددنا كؤوسنا لعمي يصب لنا من ذلك الشراب اللذيذ، المحظوظ منّا فقط من كانت تسقط في كأسه قطعة ثلج.

شخص مميز كان يزورنا "على مائدة الإفطار" (*) في تلك الأيام، هو الشيخ الجليل على الطنطاوي رحمه الله، في برنامجه الرمضاني.
مع أنني لم أكن أفقه كثيراً مما يقول، إلا أن لكنته الشامية المحببة، وابتسامته الرحيمة كانت تسعدني فأصغي إليه كما يفعل الآخرون.

أمسك جدي عصاه ووضع الشماغ على عاتقه، وتأهب للخروج، حاولت جدتي أن تثنيه:

"لكنها ليلة السابع والعشرين من رمضان، الحرم مزدحم، إذهب إلى المسجد القريب".

توجه نحو الباب ورد عليها دون أن يلتفت:

"في ذلك الزحام ووسط تلك الجموع الغفيرة، من المؤكد أن هناك مكانا لشخصٍ واحد".

خرج وأغلق الباب خلفه متوجها إلى الحرم المكي الذي لا يبعد عن بيته كثيراً، في ليلةٍ تتسابق إليها الأرواح قبل الأجساد علها تفوز بعبادة ليلةٍ هي خير من ألف شهر، وتنعم بالسلام حتى مطلع الفجر.

عدنا لنلعب على السطح في ضوء مصباح ضعيف، أصوات أئمة المساجد حولنا تطوقنا بأجواء من السكينة والطمأنينة.

ركضت هاربة من أخي وهو يحاول الإمساك بي، اختبأت خلف صندوق خشبي، وبينما كنت انتظره سقطت قطرة ماء على وجنتي، لمستها بأصابعي ورفعت عيني فإذا بأخرى، وثالثة، فهتف قلبي ولساني: "مطر".

واستجابت السماء بمزيد من الغيم والمطر.

هتف إخوتي: "مطر، مطر".

صعدت أمي إلى السطح وتعجبت: "مطر! الحمد لله".

وصعدت جدتي على إثرها متثاقلة، فجلست على أحد الصناديق، ورفعت يدها إلى السماء: "اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق".

جادت السماء بالخير بعد أن أجدبت الأرض ونسيت أشجارها وقع الندى على الأوراق. وبكى الناس فرحاً بقدوم الخير بعد أن أجدبت أرواحهم ونسيت قلوبهم حلاوة الإيمان ولذة القرب ومناجاة الرحمن.

حينما تحول الطلّ إلى وابل أعادتنا أمي إلى الأسفل، وتركتنا نراقب ما يجري عبر النافذة، جدتي كانت تصلي، لكن شيئاً ما كان يشغلها، تقف أمام باب البيت حيناً، وتأتي إلينا فتسألنا إن كان أحدهم قادماً.

عاد أبي من المسجد، ثم أعمامي، وجدتي مازالت مضطربة البال، قلقة الخاطر، لم تكمل صلاتها، ولم تطوِ سجادتها.

رأيت أبي يستند على باب الغرفة، ويشرب كأساً من السوبيا (*):

"أمي لا تقلقي، ربما قرر أن يبقى في الحرم حتى صلاة التهجد، أما المطر فلا خوف منه".

"السيل أعمى يا ولدي".

"البلد أحسن حالاً اليوم، هناك سدود وقنوات لتصريف المياه، فمهما كانت حدة السيل، لن تتكرر تلك الحادثة بإذن الله، أنت ما زلت تذكرين حين غمرت المياه صحن الكعبة".

هزت رأسها ونظرت للبعيد: "مات يومها خلق كثير، تهدمت بعض البيوت، وانجرفت الأمتعة وسيارات نقل الحجيج، قالوا لنا إن المياه وصلت إلى باب الكعبة، فبكينا وابتهلنا إلى الله أن يرحمنا".

حين انتهى السيل وزالت المياه، هرع الرجال إلى الحرم لتنظيفه وإزالة الطين والركام.

ثم ارتسمت على شفتيها شبه ابتسامة:

"أحدهم كان يطوف، وعندما امتلأ الصحن بالماء أكمل طوافه سباحة. بعضهم استعان بدكات خشبية أعدت قواعد حول بئر زمزم، فطاف مستعينا بها".

قفزت من مكاني: "محظوظون أولئك الذين سبحوا في الحرم".

ضحك عمي المستلقي جانباً. نظر إليه أبي، فسكت.

خيم الصمت لحظات خلتها ساعات. عمي يقلب صحيفة، أبي ينظر لساعة الحائط، جدتي مطرقة، تمرر حبات سبحتها بين أناملها وتتنهد.

فجأة، قطع السكون صوت أخي من على النافذة:

"جدي، جدي، إنه قادم".

استبشر أبي وهرع إلى الباب فلحقنا به، بينما رفعت جدتي يديها إلى السماء، وقامت لتكمل صلاتها.

= = = = =

=1= الكرويتة: سرير خشبي له مساند للظهر، مرتفع عن الأرض.

=2= السوبيا: شراب الشعير.

=3= "على مائدة الإفطار": برنامج رمضاني كان يقدمه الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3202835

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC