وهيبة قوية - تونس

للانتظار طيف يفرّ من سجن الأحلام والكلمات

قالت له بهدوء: "أراك متعبا. أنتَ تحتاج إلى كثير من الرّاحة. يمكنك أن تحصل على قسط منها يكفيك. أمّا أنا فسأنتظرك في مكاني، حيث أنا. سأظلّ أراقبك عن بعد، فيدي قاصرة عن أن تمتدّ لتساعدك. ولكنّ بعضَ اللّحظات المحتملة من عمري تمتدّ إليك، فخذها، هي كلّ ما أقدر عليه. بل هو كلّ عمري قد عرّش في حدائقك ليظلّل نومك ويقظتك، أهبُه لك فخذه ولا تردّني خائبة."

لم يُجبها فتابعت حديثها وقد سرت الحماسة في صوتها: " هل تعلم أنّني عندما أتعب لا يزول تعبي إلاّ بقهوة؟! أشربها في هدوء وأغفو بعدها وإن صحوا. أسترخي وأحلم. أحيانا مفتوحة العينين لأَعْلَمَ يقينًا أنّ الصّور من الخيال، حتّى أدمنت الخيال كما أدمنت القهوة.

لا تدمن لا هذه ولا ذاك، ولكن تمتّع بكليهما. فيهما معا أكون أو في أحدهما، سأحتضن تعبك لترتاح. بعدها استفق نشيطا لنتشارك قهوتنا المسائيّة وظِلَّ قمرٍ ونجومًا تتلألأ لكلّ من يطلب الأنس فلا يجده إلاّ في حلم جميل يمرّ به كما الأطياف،كما السّحر، كما لمسة رقيقة تمسح عن جبين الوحدة وحدتها."

لم تلتفت إلى حيث يجلس، ولا نظرت إليه، ولكنّها كانت تراه، صورته كانت منقوشة رسما لا يمّحي، إنه ثابت في العين متغلغل في شغاف القلب. ترتاح كثيرا عندما ترى هذه الصّورة. إنّها تكاد تلمسها في قرارة نفسها حيث تستحمّ بعطر الرّوح ويرعاها نور العين وتعزف لها نبضات قلبها نشوى. إنّها ترى بها جمال الكون وإبداعه.

واصلت حديثها إليه بهدوء وصوتها يخفت شيئا فشيئا خوف إزعاجه في تعبه: "انظر إلى السّماء كيف تحتفل بمن هم وحيدون، تجمعهم تحت ردائها وتوشّحهم بسنا نورٍ نبعُه نجمةٌ تعاني وحدتَها هناك في البعد، وعندما تبكي تشعّ بنور ترسله إلى الأرض يلمع في عيون المستأنسين فيحتمون به ويظنّونه إشعاعَ أنسٍ في حين لم يكن غير دمعة تسكبها النجمة شلاّلا من نور."

نزلت من عينها دمعة، واختنق صوتها، ولكنّ الأمل كان ينسكب في نبراته: "إنْ لم نستطع أن نكون نجمة فلنكن مع النّجمة ولْنعانق في ضوئها أمواجَ بحر يطلب موجُه أن يلاقي بعضُه بعضا، فتتبع فيه الموجةُ الأخرى في وصال لا ينتهي فيه الطلبُ ويعزّ فيه المطلب، مع ذلك لا تموت أمانيه ويواصل في هدوء أو صخب متابعة لحاق موجه على سطحه."

تنفّستْ عميقا تجمع أجراسَ صوتِها. هَمَست إليه: "هل تسمع هديرَ الموج، وصَمْتَ النّجمةِ البعيدة؟ هل ندخل شرفةَ أحلامنا نستأنس في وحدتنا بتدافع الموجة المسافرة ودمعة النّجمة الوضّاءة؟"

لم يجبها. لم تسمع صوته ولا همسه. ولم تجد حولها إلاّ الفراغ. ضحكت من نفسها مثل كلّ مرّة. إنّها وحدها. تكلّم طيفا من خيالٍ ما فتِئ يسكنها ولا يبرح يستقرّ في كيانها ويَصَّعَّدُ إلى فضائها عندما تشكّله الكلمات.

بسطت يدها تخترق الفضاء وهي تهمس: "هيّا أيّها الطّيف! لا تزعج البعيد المُتعَب. هيّا بنا نستأنس معا في وحدتنا تحت سماء شرفة الانتظار. تعال نعود إلى سجن الأحلام نردّد تراتيل الصّمت وبوح الكلمات! "

= = = = =

اقرأ جزئين آخرين في سلسلة للانتظار

1= للانتظار ألوان وربيع وأحلام

2= للانتظار ذاكرة وحياة


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3151318

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC