أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 3: 25-36 » العدد 27: 2008/08 » الهروب إلى المطر

بقادي الحاج أحمد - السعودية

الهروب إلى المطر


بقادي الحاج أحمدلا يصطحب معه أحد. يذهب إلى هناك وحده. فقط يحمل خنجره المعقوف. في تلك الأيام كانت الموضة عند الشباب تربية الشعر الكثيف ووضع الخلال عليه، ولبس البنطلونات العريضة - الشارلستون.

عند حضور أدروب من الشرق إلى الخرطوم، وجد الشباب يسرحون الشعر على طريقة الهيبز، ويضعون الخلال الخشبي عليه، أشبه بحال شرق السودان. قال أدروب:

"ناس خرتوم يا دوووب بقو رجال."

صغيرا كان هو في تلك الأيام على أن يخوض في عالم المرأة، صغيرا على أن يبحث عنها أبعد من حدود الحب الأول. لو لم يكن يمتلك من الجرأة وحب المغامرة والفحولة القدر الكبير، ما كان ليبحث عنها وعما تخبئه تحتها التنانير، هنالك في الحي المحظور.

امره فتاة أثيوبية. مع قصر قامتها، تكبره قليلا في السن. ممتلئة الجسم. الحوار بينهم معدوم أو قليل، بسبب اللغة، وبسببه هو. هو السبب الأعظم، كان دائما مستعجلا، مثل الذي يؤجر عجلة ليذهب بها مشوار "قايم سداري." كأنه في سباق. يعيد الدراجة مباشرة بعد انتهاء المشوار.

كانت امره على العكس منه. تتمهل، وتستبقيه إلى أطول مدة. تفتح للحوار منافذ:

"أنت ما يجي ليه؟"

"أنا ساكن بعيد."

"أنت ليه شيل دا؟" تشير إلى الخنجر الذي يضعه على خاصرته تحت القميص، خلف حزام البنطلون.

"عشان أنا ساكن في مكان خطر." (عاكسا الوضع).

"أنا جيب شراب؟ بيرة انشا؟ (بيرة أثيوبية).

"لا. أنا ما يشرب."

"حرية. شيكان (مشروبات غازيه محلية) ما يشرب؟" وتضحك.

محاولات امره الداعية للصحبة وتعميق العلاقة إلى أكثر من عابرة كانت عكس خططه التي تقضى بألا يكرر زيارته إلى المكان نفسه، لأنه لا يريد أن يشاهد وهو يمارس التسكع في مجتمع الصعإلىك والصعلوكات.

امره، مع صغر سنها وجمالها الذي "يشحتف" الروح، كانت تمتلك من الحرفية القدر الكبير. لها القدرة والدراية على إدارة حوار جسد متناغم. نجحت في التحول من شريك سلبي، إلى شريك إيجابي، غير مختون، ويمتلك روح المبادرة وإدارة الحوار واستنطاق الشريك.

كان حوارها أو محاورتها مثل الون والتو [واحد-اثنين] في كرة القدم. نجحت أن تجعل من لقاء صاحبنا العابر، راكب العجلة "القايم سدارى"، إلى لقاء لا ينسى بانتهاء وقته، بل يترك عصفورة صغيرة تنقـر على شباك الذاكرة مع مرور الأيام، ليعود مره أخرى ومرات.

اللقاء عند التقديم له جيدا، والتمهل مع التجاوب الهادئ، يكون تعبيرا صادقا وبليغا عن الحب أعمق من الكلمات.

كان إلىوم يوم خريف. السماء انتشرت فيها السحب وغطتها. رذاذ المطر يغازل الأرض من حين إلى حين. "الشكشاكه" كانت عقاب مطر. والمطر مطرا دقاقا.

لم يستطع أن يمكث أو يرقد أو يفعل أي شيء غير الخروج من البيت والذهاب للجماعة. (لازم يمشي إلىوم ويشوف امره).

ارتدى ملابسه. وضع الخنجر على خاصرته تحت القميص، خلف الحزام. خلل شعره جيدا. تعطر. نظر إلى هندامه في مرآة الدولاب الكبيرة أكثر من مرة. تمايل راقصا مع نفسه وابتسم لها. خرج قاصدا موقف الباص المؤدي إلى سوق أم درمان. تحاشى الجميع وتسلل إلى الباص، الذي انطلق وسط نسائم الجو الخريفي البديع وعطره الفواح متجها نحو الجنوب.

شوقه الىوم لامره لا يعادله شيء. فاق الدعاش والندى طلاوة. كيف لرطوبة الدعاش والندى أن تشعل تلك النار التي لم تترك له صفحة يرقد عليها؟

تشاءم بأنه لن يجدها، طالما الشوق أتاه إلىوم كله دفعة واحدة. إنه الشوق الذي يعصر القلب عصرا ليطلق سراح الآهات. وكأن له نابضا يختلج، وجناحا يفرفر. ولكن لا الاختلاج ولا الفرفرة توصلان إلى ديار الحبيب.

فكر أكثر من مره في أن يعود من تلقاء نفسه، بدلا من العودة مجبرا، لكنه أصر على المواصلة لعله ينجح في مسعاه. في هذا الجو الخريفي، اللقاء مع امره له شأن آخر.

وصل الباص إلى السوق. نزل في المحطة الوسطى. قصد الحي سيرا على الأقدام، يحاذر في المشي على الطريق المبتل المليء ببرك الماء. طفحت المجاري وبالوعات المطاعم بروائح نتنة كريهة. منطقة السوق تحتاج إلى نقطة ماء واحده تسقط من السماء لتمتلئ الشوارع بالماء، وتطفح المجاري بالروائح الحامضة كلها.

واصل سيره تارة يمشى بجانب الحائط، وتارة أخرى ينط ويراوغ البرك الصغيرة، وخيال امره "ينطط زي الكورة" أمامه لا يفارق ناظريه. اقترب من الحي وأزقته الضيقة التي تمتلئ ببرك المياه الراكدة من غير مطر. أصبح المشي صعبا بعد المطر، وزاد الطين بلة بعد أن بدأت السماء ترعد وتنذر بهطول المطر الغزير من جديد. اشتد خفقان قلبه. فكر في الرجوع من حيث أتى. يحدث نفسه:

"ملعون أبوها نزوة دى."

إذا هطلت الأمطار بغزاره فإن المواصلات سوف تتوقف وتنعدم، ويكون حاله مثل حال من علق في المستنقع.

"ياخي ارجع وتعال مرة أخرى، أو تعال بكره، تكون ما في مطرة ولا حاجة. لا. لا يمكن أن يرجع."

وصل نقطة متقدمة. كان الشارع شبه خال. اقترب من الباب. اشتد خفقان قلبه، صدره يعلو ويهبط، حلقه جاف، وهو يقدم رجلا ويؤخر رجلا في تردد وخوف، يبحث عن ريقه ليرطب حلقه الجاف، لا يجد. عطشان والماء من فوقه ومن تحته. ارتفعت حرارة جسمه. انتشرت حوله رائحة البخور والبن المقلي.

وجد الباب مفتوحا، مواربا. أطل منه، كن مجموعة في الفناء تحلقن في دائرة يجلسن على بنابر (مقاعد صغيرة). كانت هي بينهن موجودة، يجلس معهن رجل. ركز نظرته الحذرة عليه. كان الرجل أكبر منه سنا، قصير القامة، داكن السمرة، كان يبدو كالزبون، هكذا طمئن نفسه. إلا انه لم يأمن جانبه تماما.

كان دائم الحذر عندما يحضر إلى هنا. رغم الصحبة القوية التي بينه وبين الخنجر، الذي لا يفارقه أبدا في هذه الزيارات، إلا أنه أيضا كان يتخذ تكتيك تصنيف من يجد ويصادف هنا من الرجال، المكان كان مرتع للناشلين والمجرمين بجميع أنواعهم، نظرته كانت دائما لا تخيب في تجنب الاحتكاك مع زوار المستنقع.

قامت امره من بينهن ورحبت به: "أهلا. تفـدل. تفـدل."

قادته إلى الغرفة ذات الإضاءة المعتمة التي يعرفها جيدا.

"وينك؟ أنت تولت ما جيته."

"كنت مشغول شوية."

جلست قليلا وخرجت لتحضر الماء.

على غير عادته تمهل هذه المرة، استلقى على السرير في انتظار عودتها من الخارج، التوتر يلفه ويلف المكان، لم يشعر بالارتياح لرؤية الرجل الجالس في الخارج.

سمع صوت ضرب، وصياح امرأة. صوت الرجل يقول:

"دا أرجل مني يا ...؟"

صوت ضرب. صياح امرأة تبكي. تقترب من باب الغرفة. صوت امرأة أخرى تقول:

"امسكيها ما تخليها تدخل عليهو. بتجيب لينا مشكلة. المصيبة دي."

صوت بكاء المرأة يبتعد من باب الغرفة ويختفي.

قام من السرير. عرف الآن أن الرجل يضرب امره. بدأ الدم يغلى في رأسه، فكر في الخروج من الغرفة وضربه كما ضربها. استعاد المشهد وهو داخل، هذا الشخص أكبر منه سنا، لو اشتبك معه في معركة هو الخاسر أكيد، لا يريد أن يضرب مثل صديقته، لم يتعود الدخول في معركة إذا لم يتأكد من الفوز، في هذه الحالة لا بد من الاستعانة برفيقه: الخنجر.

يأخذه ويطلع بره، ويدخل بيهو في بطنه. لا ما أطلع ليهو. إلى الآن لم يسألني. أحسن حاجه انتظر في الداخل، أفاجأه عندما يدخل الغرفة بالخنجر. هكذا وضع الخطة. اخذ موقعا بجوار الباب في انتظار الداخل، ممسكا بالخنجر. سمع صوت امرأة يقترب من الباب وهي تقول:

"عليك الله يا خوي. نحن ما دايرين مشاكل."

دخلت المرأة. كانت امرأة أخرى غير امره. كبيرة في سنها. يبدو أنها صاحبة البيت.

قالت له: "عليك الله أمشي، نحن ما دايرين مشاكل."

أخفي الخنجر سريعا وقال لها: "ولا أنا بتاع مشاكل."

قالت: "آآي، أنت ما غلتان. غلتانه الملعونة دى. ما كان تدخلك، في الوقت ال رفضت فيهو الراجل دا. دا كان دايرها من قبيل انتو. كان المفروض تعتذر ليك أنت كمان. المهم هسع اطلع امشي ما تسوى لينا مشكلة."

قال: "لكن ليه يضربها؟ ما دايرها هو. ما يضربها. يضربها ليه؟ أنا ما بخليهو."

قالت: "عليك الله امشي ما تبقى زيو. دا سكران وبتاع مشاكل. امشي. امشي عليك الله."

بعد التفكير لبره قال لها: "أنا حا أمشي لكن بشرط إذا لقيت ابن ال (...) دا بره ما بخليهو، إذا سألني أو ما سألني ما بخليهو. هو ما بيعرف أنا منو؟ أنا البحر المعكر."

قالت: "خالاص. خالاص يا خوي. خالاص ما حتلقاهو بره. نحن وديناهو بيت تاني."

خرج، وانهمر المطر غزيرا. بدأ رحلة العودة، ومحاورة السقوط في برك مياه الأزقة الضيقة أثناء الهروب من المطر.

D 1 آب (أغسطس) 2008     A بقادي الحاج أحمد     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  عود الند في الصحافة

2.  بنية السرد في رواية "عفان بن نومان"

3.  أنفاس الذاكرة: العالية: تاريخ وآثار وحنين

4.  كانوا يضحكون كالموج

5.  عود الند: تحديث برمجي