عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » الأعداد الفصلية » العدد الفصلي 9: صيف 2018 » خال من الكافيين

طه بونيني - الجزائر

خال من الكافيين


طه بونينيعزمتُ قبل رمضان هذه السنة أن أتوصَّل إلى حيلةٍ تُنسيني إدمان الكافيين. وها قد تكشّفت ليلة الشكّ عن هلال الصوم، ولا تفصِلُني عن الشهر المبارك إلّا ساعات. فانحسر فكري كلُّه في تلك الساعات الأولى في العمل، الخالية من الكافيين.

والحلّ الوحيد المُتاح هو برمجة عقلي الباطن. سمعتُ هذا القول فأصررتُ على تطبيقه: "تخيّل نفسك تُبلي بلاء حسنا، وسوف تفعل ذلك حقّا".

جلستُ بجانب ابني صلاح الدين، الذي كان يُركِّب المكعّبات ليصنع بها بُرجا عاليا، وقد كان هادئا على غير عادته، فعرفتُ أنّ الفرصة لا تُعوّض. أطفأت التلفاز وبدأتُ جلسةَ البرمجة.

رحتُ أتخيل كُلَّ ما سيجري بالترتيب: "أستيقِظ صباحا على السابعة، وبعد ذلك بمدة قصيرة، أنطلقُ بسيارتي نحو العمل الذي يبعُد مسافة نصف ساعة عن البيت. قبل ذلك أقوم بنَفْي الفنجان الذي لا يزال في حامل الأكواب إلى مكان ما في صندوق السيارة. أُمضي الرحلة مُستبشرا، أستمع للراديو في الطريق، وبين الوقت والآخر أشاهدُ الشمس وهي ترتقي سُلّم السماء بنشاط، فتُلهِمُني بالروح الإيجابية.

أصلُ إلى العمل على الثامنة صباحا. أدخلُ المكتب فتُقابلني تلك الحكمة التي ألصقتُها على خزانة الأرشيف: (الأطباء ثلاثة: الابتسامة، الهدوء والحِمية)، فأَبتسِم".

لحدّ الآن لا يزال خيالي يتّجه نحو صباح جميل خالٍ من الكافيين. عليّ أن أجتاز عقبة الساعات الأولى بنجاح، ثمّ عقبة منتصف النهار إلى ما بعد الزوال، فنحنُ في العمل، لا يجدُر بنا مغادرة المكتب في رمضان قبل السادسة مساء.

تخيّلتُ ساعات العمل الأولى وهي تمرّ بسلاسة، رغم الصخب الذي راح يتصاعد. لقد كان ابني يحاول إخراجي من جلسة البرمجة، لأفتح له التلفاز. المسكين فكّكَ البرج العالي، وراح يقذف بمكعباته يمنة ويسرة، فقد مَلَّ من التركيب وحان وقت التفكيك.

كانت قد دقّت الساعة الواحدة زوالا عندما فاجأتني إحدى المكعبات، وقد كانت سوداء حسبما أتذكّر، فضربة المكعّب الأسود الكبير لا يصعُبُ تمييزها. رغم ذلك لم أفتح عينيّ، بل جسستُ بيدي آلة التحكم بالتلفاز وفتحتُه سريعا اتّقاء ضربة جوية ثانية.

وجدتُ خيالي قد سرح، وسَبِقَني إلى وقتِ يُقارب العصر. لقد كان نفس الجوّ الكئيب الذي قد خزّنه عقلي اللّاواعي، يُخيّم من جديد. يبدو الرواقُ، حيثُ تنتشر مكاتب الزملاء، هادئا عاتما. فالمجالس لا تحلو عندما تخلو من الكافيين، والعياذ بالله منه.

لم أتمّكن من العودة إلى جلسة الخيال، فالصخب قد علا. ساعة الزوال أو النعاس، تلك التي ضاع فيها الخيال، هي ساعة يتذكّرها عقلي الباطن فتُصيبه بالمرارة. للأسف لم أستطع برمجته على أن يظفر بنقاط ما بعد الظهيرة.

تسحّرتُ باكرا ونويتُ صياما. رجوتُ الله سلاما لا هُياما ولا نِياما. وفي الحُلم تمثّلَ الصوم رجلا زارني في المكتب ... (إلى آخر الحلم).

في صباح أوّل يوم صوم، مرّ كلّ شيء كما أردت. ورُحتُ أحصِدُ نقاط الظفر في الساعات الأولى. تغلّبتُ فيها (أنا صائم هذا العام)، على (أنا صائم العام الفائت) بفارق واضح.

وجاء الوقت المنشود، وقتُ الظهيرة. وخَفَتَ الصوتُ بين المكاتب، وانقطع الهمس، واستحالت أنوار الصباح ظلالا، وألقى النعاس على الرواق أغلالا، على الجفون والعقول، فتحرَّرَت هواجسُ العام الفائت كاسحة.

ثمّ سمعتُ صوتَ أذان الظهر، وتذكّرتُ بعض الخيالات من حلم البارحة. فقد زارني رجل نحيف، استشعرتُ رغم هزاله، قوّة في قبضته حين صافحني. ورغم الثوب الزاهد الباهت، فقد بدَت طلعتُه صافية نقيّة. أتذكّر أنّه قال لي في الحلم: "هل أنت صائم؟". كنتُ أهُمُّ بالجواب: "طبعا"، ثمّ تنازلتُ درجة، فالثقة قد خانتني. فاكتفيتُ بـ: "نعم". فقال لي: "توضّأ وعندما تعود ستجدُ وصفة الدواء لمُدمني القهوة".

خرجتُ من المكتب لأتوضّأ، فإذا بالرواق المُظلم يُشرق. عندما عُدتُ كان الرجل قد اختفى. ووجدتُ الرسالة الآتية: "بعد التشخيص، أنت لا تشكو من عِلّة، لكنّي أنصحك أن تتّخذ خصما أقوى من فنجان قهوة".

فهمتُ عنه. فخصمي لم يكن أبدا فنجان القهوة، وإنّما من يحمل الفنجان، أنا.

D 26 أيار (مايو) 2018     A طه بونيني     C 2 تعليقات

1 مشاركة منتدى

  • روعة .احببتها .
    دوما نكتشف جديدا .ان الخصم غالبا هو انا لا الآخر .الهزيمة تبدأ من ذاتي و النصر يبدا بفكرة في مخيلتي .
    ولكن ماذا لوكان الخصم اقوى من فنجان قهوة تقهر به نفسك و تمنعها عنه فتنتصر؟ماذا لوكان رب عمل متطلب وغير شاكر وزميل متذمر و زميلة تتفنن في نسج ملاحم وقصص درامية؟ كيف ستبرمج اذنيكعلى عدم السماع و نفسك على تقبل ظلم الاخر ؟
    ليت الدنيا كلها فنجان قهوة نستغني عنه.


    • شكرا على مرورك الجميل.

      مشاكل الحياة كثيرة، وبعض الأمثلة التي ذكرتِها، يعيشُها الكثيرون، ,اكثر منها...لكن عيبُنا أنّنا نرضخ للواقع المرّ، بل الادهى والامر أنّنا نختلق أوهاما نصدّقها.أوهامٌ تعبث بعقولنا وتغلفنا بالسلبية كلية، فنصبح أمام هذا الضعف، بلا حول ولا قوة. بينما يكمن الحلّ في أكثر الاحيان، قريبا منّا، بل في أنفسنا، وفي عقولنا. وما طغيان فنجان القهوة إلا وهم ورمز...
      تحياتي إليك.