عبد الرحمان بردادي - الجزائر

ملخص كتاب في نظرية النقد لعبد الملك مرتاض

قدم هذا التلخيص ونوقش في جامعة جيلالي ليابس، سيدي بلعباس، الجزائر، في إطار مشروع خطوات نحو التميز

عبد الرحمن بردادييعتبر هذا الكتاب موسوعة نقدية فريدة، ويظهر على غلافه رسم تشقق في أرضية خرجت من بينها نظرية النقد، وأعلنت عن كيانها. ونلاحظ أيضا وجود زخرفات معمارية إسلامية يتوسطها عدد من الصلبان، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على التمازج الثقافي، والتلاقح الفكري الذي يحيل إلى عالمية النقد وشمولية نظريته.

قسم مرتاض كتابه إلى ثمانية فصول، وزعها بترتيب زمني واضح، من لدن ابن سلام الجمحي، وإشكالية الانتحال، وابن قتيبة أول الشكلانيين، مرورا بالنقد المنهجي وخلفيات السياق الفلسفية إلى وهم النسق، وسلطة البناء النصي، وانتهاء بتعددية القراءة أو ما يعرف بنقد النقد.

القراءة والكتابة، النقد،والمستحيل: تقديم أثار به الكاتب قريحة القارئ من خلال الغوص به في فلسفة القراءة وتعقيداتها. فكأن الكتابة والقراءة وجهان لعملة واحدة، ذلك أن الكتابة في أكثر أوجهها لا تعتبر إلا قراءات متعددة أيا كان مشربها.

الفصل الأول: النقد والنقاد، الماهية والمفهوم

تحدث الكاتب في هذا الفصل عن ماهية النقد وجوهره ليرجع قارئه إلى سنين خلت وصراع فكري ولى. هل النقد علم أم فن؟ سؤال لا زال جوابه محل نقاش عند بعض المتخصصين، في حين أن بعضهم الآخر اعتبر المسألة قد قتلت بحثا، وأن النقد علم في علميته وفن في فنيته ومتاخمته للإبداع الأدبي.

نمر بعد ذلك إلى النقد في الثقافة الغربية الذي بدأت مسيرته تقريبا عام 1580 للميلاد باستعمال أول مصطلح يحيل إلى كلمة "نقد"، ألا وهو le critique عند سكاليني ومن بعده la critique بصيغة المؤنث، وكانت دلالته حينئذ تشير إلى فن الحكم l’art de juger الذي لم يكن يخرج من دائرة الاستحسان والاستهجان الكلاسيكي في الحكم النقدي، ليبقى مفهوم النقد القديم راسخا حتى أواخر القرن الثامن عشر.

بعد ذلك يشير ألبارت تيبودي إشارة مهمة باستحالة تحديد مفهوم متأصل للنقد. فيعتبر وجود النقد شيئا معتمدا على النقاد. وعليه فلا وجود للنقد عنده بل هناك نقاد فقط. بعد ذلك شهد العالم الحرب العالمية الأولى، حيث تميزت هذه الفترة بظهور ثلة من النقاد وبعض من اللغويين الذين ساهموا في إنجاز ف. دو سوسير، الذي قلب الفكر اللغوي في أوربا رأسا على عقب، من خلال محاضراته التي فتحت باب الاجتهاد أمام أجيال وأفراد لحقت من بعده، كالشكلانيين الروس، وجاك ديريدا، وميشال فوكو، وشارل بالي، وآخرين.

النقد أسير ثلاث إشكاليات: أو بالأحرى تحت ثلاثة أهواء، هاته الأهواء التي أصبحت تلاحق النقد ويلاحقها، تلاهثه ويلاهثها، هي نزعة الفن تارة والعلم تارة أخرى. أما الثالثة فهي الاحترافية التي لا تعدو حسب الكاتب إلا أن تكون ثرثرة، أو مظهرا من السفسطة الفارغة، لأن الناقد فيها لا يكون عمله فنيا فيعتبر، ولا علميا فيعمم ولا يندثر.

من خلال هذه الإشارات النقدية، وجب علينا أن نعترف بسبق العرب وإنجازاتهم النقدية، ومن أول وهلة في هذا الفصل نجد بالبند العريض الأسس الكبرى للنظرية النقدية لدى ابن سلام الجمحي، والذي يعتبر كتابه - طبقات الشعراء - إنجازا نقديا يميل إلى العلمية أو المنهجية نسبيا، وقد تقدم كتابَ الطبقات مقدمةٌ فريدة من نوعها، وضع فيها الجمحي أسسا كبرى لصفات الناقد الحق كالتجربة والتحقيق ثم القدرة على التمييز بين النصوص وإمكانية تفسير الظاهرة وتعليل أسبابها كالنحل مثلا.

شكلانية ابن قتيبة: هوالرجل الذي ذكر إنجازه النقدي في الموسوعة الأدبية العالمية، فهو الذي خالف من سبقه فجعل حكمه النقدي عادلا لا يقدم متقدما بشعره ولا يؤخر متأخرا، ومنه فقد وضع ابن قتيبة عامل الزمن جانبا مخالفا لابن سلام، فاحتكم إلى الجمال الفني و الجودة الشعرية؛ لذلك وسم بالشكلانية.

هذه الآراء التي جاءت في كتاب الشعر والشعراء كانت قريبة إلى مفاهيم الحداثة، حيث أن ابن قتيبة تعامل مع النصوص لا مع أصحابها، بل ذهب إلى القول بأن من الشعر من يظل حديثا حتى لو مضى عليه قرون طويلة. فالمدار إذن، على الموهبة والعبقرية، لا على تقدم الزمن، وسلفية العهد.

الفصل الثاني: الصراع بين النقد القديم والحديث

عبد الملك مرتاضتناول مرتاض الكثير من القضايا الحديثة كماهية النقد التي لطالما تغنى بها في كتابه هذا، وبالأخص عن النقد الحديث والقديم وأزلية الصراع بينهما بذكره للمعارك النقدية والأدبية منذ أزمنة عديدة كالمتنبي وخصومه قديما، والرافعي مع طه حسين حديثا. الصراع الأدبي الذي كانت أبرز مواضيعه هي النقد القديم في العصر الحديث.

نقد الموقفين أو التركيب المنهجي، نقطة تطرق لها الكاتب بشيء من الإطناب، فتحدث عن خدمة السياق للنسق في كثير من المراحل التي تمر بها التجربة النقدية، لذلك وجب على النقاد المعاصرين ألا ينغمسوا في سياق النص من جهة، و ألا يطوفوا حول النسق وحده دون الالتفات لغيره.

الفصل الثالث: النقد الجديد بين التحليل والقراءة

في هذا الفصل تطرق الكاتب إلى مفهوم القراءة أولا ثم التحليل ثانيا، مما جعله يتذكر ويذكرنا معه بقراءات علمائنا المتقدمين التي أسموها شروحا، وقد استحسن ذلك، بحكم أن الشرح لا يرتقي إلى مستوى القراءة، وفي الوقت نفسه لا ترتقي هي إليه، وتفسير ذلك أن لكل منهجه وأسلوبه وربما هدفه، بل وزاويته الخاصة.

إن للقراءة الحديثة طرقا عجيبة تحيل إلى فلسفات متعددة وأساليب فهم عتيدة أو جديدة، لذلك نجد القراءات المتعددة للنص الواحد، تختلف تأويلاتها وتحليلاتها باختلاف مذاهبها ومشاربها كالقراءة النفسية والتاريخية التي تختلف تمام الاختلاف عن القراءة البنيوية أو السيميائية.

بأي أداة و من أي منطلق؟ هل للنقد من ماهية؟ بأي منهج؟ أسئلة جاءت في نهاية الفصل لتعطي الإشكالية رونقها الذي يكمن أولا في سببية نزوعنا إلى الخارج للإتيان بالمعرفة النقدية في الغياب المؤسف للذات الناقدة في كثير من الأحايين والأوقات. فأي أداة تمكننا الخروج بالنقد إلى ساحة الاجتهاد ومن أي منطلق؟ وهل هناك نظرية مسلمة واحدة يمكن الاستنامة إليها؟ والانطلاق منها للاجتهاد؟ أم سيظل الناقد يكتب أسفارا نقدية جامعة لكل المناهج من أجل نص واحد، فتجعل المتلقي حيرانَ أسفا.

الفصل الثالث: النقد والخلفيات الفلسفية

لقد أخذ الحديث عن الفلسفة وتأثيرها في هذا الفصل حيزا كبيرا، بيد أن المناهج النقدية الحديثة وحتى القديمة - على المدى المتوسط - تكمن منابع مشاربها في مذاهب فلسفية مختلفة كالوجودية والماركسية والنفعية البراغماتية. وأخيرا - وليس آخرا - التقويضية الديريدية [نسبة إلى جاك ديريدا]. وعالج الكاتب في هذا الفصل مفهوم الكتابة لدى الفلاسفة وتعصب بعضهم للكلام المنطوق على الكلام المكتوب.

الفصل الرابع: النقد الاجتماعي في ضوء النزعة الماركسية

في هذا الفصل نجد اجتهادا كبيرا من طرف الكاتب الذي أبى إلا أن يذكر كل صغيرة وكبيرة تخص النقد الاجتماعي، فقد تطرق إلى الأصول الماركسية من جهة والتأثيرات التينية من جهة أخرى، ثم يمر بعد ذلك إلى إشكالية طرحها هو بنفسه، تكمن في قوله: هل النقد الاجتماعي أم علم اجتماع الأدب؟

لكن السؤال الأكبر الذي يثار في نظر الكاتب بخصوص اجتماعية الأدب وسوسيولوجيته هو: بأي أداة يفهم علماء الاجتماع الأدب؟ وبأي الإجراءات يدرسونه؟ وهل بوسع كل الناس أن يغترفوا من علم الاجتماع - الذي حتى عجز عن حل مشاكله - ليدلوا بدلائهم في علم خطير كالأدب؟

كان الجواب عن هذه الأسئلة من الكاتب متوقعا، فبحكم سليقته النقدية استطاع أن يميز بين علم اجتماع الأدب - الذي يعتبر حكرا على الجماعة عند الماركسيين - والنقد الاجتماعي الذي يظن الكاتب أنه الأقرب إلى المنطق وإلى التجسيد الفعلي في العملية النقدية. وإذا كان بعضهم يزعم أن للأدب فرعا في علم الاجتماع، فإن هذه الفكرة تعتبر مغالطة للرأي العام، والطبقة المثقفة خاصة. وإذا تركنا الأدب، والجمل بما حمل، سيصير الفلاح ناقدا حسب الكاتب.

الفصل الخامس: النقد ونزعة التحليل النفسي

نحت مرتاض مصطلح "التحلفسي" بمزج كلمتي "التحليل" و"النفسي"، الذي يعتبر فرويد رائدا له بامتياز. تكمن غاية هذا المبحث العلمي في دراسة النفس البشرية وما يكتنفها من الداخل أو الخارج، أما من الناحية الأدبية فيحاول التحليل النفسي أن يتيح للناقد أو المتلقي - بنسبة أقل - فهم الإبداع على أنه كشف لرغبات جنسية أو عقد نفسية، إلى آخره.

لقد تطرق الكاتب من خلال حديثه عن التحلفسي إلى الأسس الكبرى لهذه النظرية التي لا تعدوا حسب أحد النقاد الفرنسيين المعاصرين إلا أن تكون هراء أو عبثا بعقول الآخرين، وتكمن ماهية التحليل النفسي وقيمته في أسسه التي نلخصها في:

=1= أن التحلفسي يعتبر نظرية للحياة النفسية أساسها اللاوعي، و ميدان اشتغالها مكبوتات النفس البشرية.

=2= أن لهذه النظرية منهجا يبحث بعمق في أي مجال تكون النفس البشرية حاضرة فيه، كالأدب مثلا.

=3= أن التحلفسي لا يعتبر حبرا على ورق، بل هو علم متطور يصل حتى إلى العلاج والمتابعة النفسية.

من خلال هذه الأسس نجد الكاتب قد فتح لنفسه بابا مقفلا منسيا، ألا وهو علاقة التحليل النفسي بالنزعات المتاخمة الأخرى، كالنقد الجديد واللسانيات في أبرز صورها. ثم نجد الكاتب قد عرج إلى الحديث عن هيبوليت تين ونزعته العنصرية وفرويد وما قيل عنه.

في نهاية الفصل قام مرتاض بنقد النظرية التحلفسية التي يفتقد روادها إلى منهجية التحليل اللغوي وفهمه. فهل نستطيع إسقاط حالة نفسية متعبة مهترئة تغوص أبجدياتها في هذيان على سكان العالم كله؟ وهل نستطيع أن نحكم على مبدع قال "مجنون أنا" بالجنون؟ وإذا حكمنا عليه فعلا، فهل يكون جنونا حقيقيا أو إبداعيا عبقريا؟ كل هذه الأسئلة لم تجب عنها التحلفسية إلى حد الساعة.

الفصل السادس: علاقة النقد باللغة واللسانيات

عالج الكاتب في هذا الفصل مفهوم الكتابة الأدبية بين اللغة واللسان بالإضافة إلى العلاقة الوطيدة التي تجمع النقد الأدبي بعلم اللسان، والتي تتجلى في الجوانب اللغوية للنقد وحاجته الكبيرة - كذلك - لفلسفة اللسانيات الجديدة وما نتج عنها كفكرة النسق والسياق. وقد تطرق مرتاض إلى ثلاث عوامل أساسية لها علاقة وطيدة في ما بينها، ألا وهي اللغة والنقد الأدبي والأسلوب، هذه العوامل التي لا يمكن الاستغناء عنها أثناء مزاولة العملية النقدية.

الفصل السابع: النقد البنوي والتمرد على القيم

ومن دون مقدمات ارتجالية أو تاريخية تطرق الكاتب إلى إشكالية مصطلح البنيوية، والذي اعتبره مغالطة يجب محوها وبيان المصطلح الصحيح - ألا وهو البنوية -، ووجوب إظهاره، وتسويقه بين الأكاديميين وغيرهم.

بعد أن مر بنا الكاتب عبر الأبعاد اللغوية، ومصطلح البنوية، وتعقيداته، ها هو يعرج بنا إلى الخلفيات التاريخية للبنوية ومن بينها ظهور الرواية الجديدة في فرنسا خاصة ثم إلى رفض التاريخ وإقصاء الإنسان من القالب اللغوي الذي فقد جماليته بإبعاد قلبه النابض.

البنوية التي قتلت الإنسان كما قتلت الإله ونزعت إلى الشكلانية - بعد أن كسرت الصليب - وتمردت على القيم، تعدت إلى أكثر من ذلك برفضها لأكبر التيارات النقدية الأخرى، كالاجتماعية الماركسية، واللانسونية، مع رائدها لانسون الذي طبق منهج التاريخ المقارن على الأعمال الأدبية.

الفصل الثامن: في نقد النقد

كانت من عادة النقاد العرب المعاصرين أن يطلقوا على سابقة meta مصطلح (المابعد) أو (الماوراء) مما استهجنه الكاتب، بحكم أن المصطلح لا يخلو من الغموض وأن ضبطه يعد إشكالية وقع فيها الكثير من الباحثين.

بعد الحديث عن المصطلح (نقد النقد)، توجه الكاتب إلى نقد النقد عند العرب وتجربة علي بن عبد العزيز الجرجاني التي تجلت في دفاعه عن المتنبي وشعره بحكم وجود توارد للخواطر بين الشعراء، وأن اللغة مشتركة بين الأدباء يغترفون منها كما شاؤوا، وهو نقد للنقد الذي كان شائعا بين النقاد الأوائل الذين اتهموا المتنبي بالسلب والإغارة على أشعار غيره، وبأنواع السرقات كلها. ويمكننا اعتبار علي بن عبد العزيز من أوائل المتفطنين لفكرة التناص في الشعر العربي.

إلى طه حسين، الآن، و تجربة نقد النقد عنده، والتي تجلت في عدة مقالات كتبها ومن بينها "يوناني فلا يقرأ" التي كانت موجهة سهامها إلى عبد العظيم أنيس، ومحمود أمين العالم، وصحيفة "المصري" التي تنشر لهما، وفي السجال الفكري بينه وبين كل من العقاد ومحمود شاكر.

أما عن الضفة الأخرى من المتوسط - أي أوروبا - فقد كان لها من نقد النقد نصيب. كذلك تجلى حسب الكاتب في مقالات رولان بارط ومنها (النقدان الاثنان) و(ما النقد)، اللذان ينضويان تحت مظلة نقد النقد، كما تحدث الكاتب عن كتابات بارط في المقال الأول، والذي استهدف فيه النقد الجامعي والنقد الأيديولوجي، و بين أهمية كل واحد منهما.

واعتبر مرتاض الناقد تزيفتان طودوروف من أوائل من اصطنع مصطلح "نقد النقد"، ومنحه الإطار المنهجي في كتاب (نقد النقد)، الذي تناول فيه الكثير من القضايا في صورة مدارس وأعلام، ففي الفصل الأول كان للشكلانية الروسية حصة الأسد من نقد طودوروف، و من خلال الشكلانيين يأخذك إلى اللغة الشعرية، ثم إلى شعر الملاحم، وصولا إلى بارط، وإيان وات، وختاما بالنقد الحواري. كل هذه القضايا مثلت نقد طودوروف، ورؤيته الأدبية؛ لتكون هذه الكتابات زخما معرفيا متصدرا، و وصولا متقدما إلى يابسة نقد النقد.

= = =

مرتاض، عبد الملك. في نظريَّة النَّقد: متابعة لأهم المدارس النقدية المعاصرة ورصد لنظرياتها. الجزائر: دار هومه، 2005. 264 صفحة.

غلاف كتاب عبد الملك مرتاض

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3423906

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC