عدلي الهواري

كلمة العدد 98: كيف تقاوم مشروعا استعماريا استيطانيا؟ غزة نموذجا

د. عدلي الهواري ناشر مجلة عود الندللمستشرق الفرنسي، مكسيم رودنسون، كتاب عنوانه "إسرائيل والعرب"[1]، يستعرض فيه جذور الصراع العربي الإسرائيلي، واختيار فلسطين لتكون وطنا قوميا لليهود.

يشير رودنسون في كتابه إلى أن معاداة اليهود في أوروبا (معاداة السامية) أدت إلى نشوء ردود فعل في أوساطهم شملت نشوء حركة قومية سياسية، الصهيونية. وقد ألف ثيودور هرتزل، الذي يعتبر مؤسس الحركة الصهيونية، كتابا عنوانه "دولة يهودية" [2] في عام 1896 (ص 12).

أرادت الحركة القومية الناشئة أن تجد وطنا لليهود. وكانت هناك عدة احتمالات من بينها الأرجنتين. ولكن الخيار الذي اصبح مفضلا هو فلسطين، وأمكن حشد الرأي حوله نتيجة عوامل منها حماس اليهود المتدينين، والنصوص التوراتية (ص 12).

ويشير رودنسون إلى أن فلسطين كانت في فترة نشوء الحركة القومية اليهودية مقاطعة عربية تابعة للإمبراطورية العثمانية. ولكنه يقول إن هذا في حد ذاته لم يكن عقبة كأداء في وجه تحقيق الغاية. ويعزو السبب إلى إنه في ذلك الوقت، أي في مطلع القرن العشرين (1900)، "لم تكن للمشاريع الاستعمارية الهالة غير المواتية التي تحيط بها اليوم" (ص 12).

ويشرح رودنسون أن الشعوب التي اعتبرت متخلفة في ذلك الوقت كان تواجه بما يعتبر "التقدم والحضارة، حتى لو كانت كلفة ذلك التشريد، أو الإخضاع إلى حد ما" (ص 12). وليس من دواعي الدهشة، كما يشرح رودنسون، أن المشروع الصهيوني، "الذي نشأت جذوره في أوروبا، لم يظهر اهتماما يذكر بمصير سكان المنطقة التي كانت ذات يوم أرض الميعاد" (ص 12).

ويضيف رودنسون أنه حسبما كان معتادا في تلك الأيام، فإن "الاستراتيجية الوحيدة التي تم التفكير فيها هي عقد تحالف مع قوة [دولة كبرى] أو مجموعة من القوى مقابل خدمات قد يكون المستوطنون المستقبليون في موقع يمكنهم من تقديمها" (ص 12).

ويذكر رودنسون أن "رواد الصهيونية السياسية" كانوا يستخدمون "دون كوابح" مصطلحي "الاستعمار" و"المستعمرة". ويقتطف من كتاب هيرتزل قوله عن فلسطين: "يجب أن نشكل هناك جزءا من سور واق لأوروبا مقابل آسيا، وموقعا متقدما للحضارة مقابل الهمجية" (ص ص 12-13).

الحقائق التي يسردها رودنسون، الملخصة أعلاه، لا تزال تحكم الموقف الإسرائيلي المدعوم من الدول الغربية عموما. ولذا يجب ألا ينسى أحد أن ما جرى لفلسطين وشعبها ويجري فيها مشروع استيطاني لم يتوقف منذ أن بدأ وحتى اليوم. يتغير الخطاب الصهيوني قليلا تبعا لمتطلبات كل مرحلة زمنية، ولكن المشروع لا يزال استيطانيا.

مشاريع الاستيطان الأوروبية شملت القارتين الأميركيتين وأستراليا وأفريقيا. في الولايات المتحدة الأميركية وأستراليا، تعرض السكان الأصليون إلى الإبادة، وهم الآن أقليات. ولا يقدم أو يؤخر شيئا ظهور مبادرات في السنوات الأخيرة تهدف إلى الاعتراف بالظلم التاريخي الذي وقع عليهم، فالواقع الآن مطابق لغايات المشاريع الاستيطانية.

وإذا لم ينجح المشروع الاستيطاني في تحويل السكان الأصليين إلى أقلية عبر الإبادة، يفرض المستوطنون حكم أقلية وافدة على السكان الأصليين. زيمبابوي التي سميت روديسيا حكمتها أقلية بيضاء إلى أن نجحت حركات المقاومة في هزيمة المشروع في أواخر السبعينيات. وحكم الأقلية البيضاء والتفرقة العنصرية استمر في جنوب أفريقيا حتى أوائل التسعينيات. وساهم في إنهائه حملة مقاطعة عالمية، ولكن يجب ألا ينسى أن نيلسون مانديلا لم يكتف بالمقاومة السلمية. والمشروع الفرنسي الاستيطاني في الجزائر دام أكثر من مئة وثلاثين سنة، وقدم الجزائريون مليون شهيد أو أكثر قبل التمكن من هزيمته.

إلى أي مدى نجح المشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين؟ لا شك في أنه نجح إلى حد كبير، وهذا ليس مستغربا لعدم تكافؤ ميزان القوى بين طرفي المشروع الاستيطاني: الطرف الفلسطيني، الضحية المستهدفة، والطرف المعتدي ممثلا بالحركة الصهيونية والدول المؤيدة لها.

ولكن لا شك أيضا في أن مقاومة الشعب الفلسطيني، بمختلف أشكالها، لم تمكّن المشروع الصهيوني الاستيطاني من النجاح إلى الحد المرغوب، ولا بالسرعة المرغوبة. ولذلك، الواقع يشير إلى أن مقاومة الشعب الفلسطيني منذ بداية المشروع الاستيطاني لم تكن بدون جدوى. والعكس صحيح، فعندما تم التخلي عن المقاومة نتيجة اتفاق أوسلو عام 1993، لم يعد أمام مواصلة التمدد الاستيطاني موانع تفشله أو تجبره على التراجع أو الانحسار، بل توسع بسرعة، وبدأت المدن والبلدات الفلسطينية تتحول إلى مناطق معزولة (غيتوهات).

ولو قدر لهذا المشروع الاستيطاني تحقيق النجاح الكامل بعد عشر سنوات أو عشرين سنة، فكل ما عانت منه الشعوب الأصلية من فقر وتهميش وعزلة وتدهور المستويات التعليمية والصحية وغير ذلك سيكون ايضا من نصيب الشعب الفلسطيني. وبعد أن تكتمل سيطرة المشروع الإستيطاني على فلسطين والفلسطينيين، لن يكون مستبعدا تصور ظهور مبادرات في إسرائيل على غرار بعض المبادرات في أستراليا أو الولايات المتحدة التي صارت تعتبر ما كان يسمى "هنديا أحمر" أميركيا أصليا.

ولكن "صحوة الضمير" المتأخرة، إن حدثت، لن تقدم أو تؤخر في واقع من يتبقى من الشعب الفلسطيني على أرضه، مثلما لم تغير شيئا في واقع المواطنين الأصليين في أماكن أخرى. وسيكون الاهتمام بهم كعنصر من عناصر الجذب السياحي لإسرائيل، كأن يتم تشجيع الفلسطينيين على تشكيل فرق دبكة لتقديم العروض في الحفلات التي تقام للأفواج السياحية، وتشجيعهم على ممارسة الحرف التي تنتج قطعا تذكارية تباع للسائحين. هذا هو المصير الذي ينتظر الفلسطينيين في حال تخليهم عن المقاومة بأشكالها المختلفة.

لحسن حظ الشعب الفلسطيني، وشعوب العالم الثالث عامة، أن هناك جزءا لا يقبل الاستسلام للواقع، ويقاوم بما يتوفر من إمكانيات، وبعد مرور فترة من الزمن، تقصر أو تطول، يتحقق الانتصار للطرف الذي يكون الأضعف في البداية.

في عام 1967، هزم الجيش الإسرائيلي ثلاثة جيوش عربية خلال أقل من أسبوع، واحتل المزيد من الأراضي العربية. ولكن كان هناك من رفض الاستسلام للواقع المحبط، فظهرت بعد الهزيمة بفترة قصيرة المقاومة الفلسطينية بإمكانيات ضعيفة. وخلال أقل من عام تعرض الجيش الإسرائيلي إلى هزيمة على أرض الكرامة في غور الأردن الشرقي، وانتشر بعدها التأييد للمقاومة الفلسطينية كانتشار النار في الهشيم.

يمكن لمن يريد أن يسفه الآراء التي تتحدث عن جدوى مقاومة عدو قوي، ولكن من يريد أن يرى الأمور بواقعية لا يمكنه عدم الاعتراف بأن إسرائيل تواجه صعوبة متزايدة في حسم معاركها العسكرية، فبعدما كانت تنتصر على مجموعة جيوش في وقت واحد على أكثر من جبهة، لم تعد قادرة على حسم معركة مع حركة مقاومة تعمل في بيئة غير مواتية في لبنان أو فلسطين. وهي تعمد إلى إنزال خسائر كبيرة في صفوف المدنيين، وهذا متوافق مع عقلية أصحاب المشاريع الاستيطانية. ولكن يزداد وضوحا الآن أن منطق استخدام القوة وصل بعد تكراره مرات عديدة إلى طريق مسدود، وجدواه كأسلوب لحمل الجماهير على الانفضاض عن المقاومة يدحضه الواقع عند شن كل عدوان رغم الخسائر البشرية الكبيرة والدمار الواسع.

وبالنسبة لقطاع غزة، يسجل له تصديه لثلاثة اعتداءات كبرى خلال خمس سنوات، وأنه خال من المستوطنات. ورغم أنه محاصر برا وبحرا جوا، وصغر مساحته الجغرافية، تمكنت قوى المقاومة المتمركزة فيه من تطوير قدراتها، ففي عام 2008/2009، كان إنجازها مقتصرا على الصمود وامتصاص العدوان. وفي عام 2012، تطورت القدرات إلى حد الرد بصواريخ متوسطة المدى. أما في عام 2014، فقد تمكنت من استخدام عدد كبير من الصواريخ وتوجيهها إلى أي مكان في فلسطين.

وأعود إلى ما نقلته عن رودنسون لأضيف أن المقتطفات أعلاه تفسر أيضا الدعم الإعلامي والسياسي لإسرائيل ومشروعها الاستيطاني، فالمشاريع الاستيطانية اعتمدت على تزييف الحقائق، وكان من ضمن تبريراتها الوعود الإلهية وتخلف السكان الأصليين، أو أن الإنسان الأوروبي يحمل رسالة لتحضير "المتخلفين" في المناطق الأخرى من العالم. ولذا لا عجب أن يعتبر الساسة والإعلام في الغرب إسرائيل تدافع عن نفسها، بينما الحقيقة هي أن الشعب الفلسطيني هو المعتدى عليه ويدافع عن نفسه منذ أن استهدفه المشروع الاستعماري الاستيطاني.

ومع أن رودنسون يقول إن النظرة إلى المشاريع الاستعمارية لم تعد كما كانت في الماضي، إلا أن هذا القول يفتقر إلى الدقة، خاصة إذا نظرنا إلى تدخل الدول الغربية مجتمعة أو منفردة في دول كأفغانستان والعراق ومالي، ونشوء تيار في الولايات المتحدة، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، يدعو إلى هيمنة أميركية لقرن آخر [3]. وكما ذكرت أعلاه، يتغير الخطاب السياسي والإعلامي حسب متطلبات المرحلة، ولكن الجوهر لم يتغير جذريا بعد.

= = = =

مراجع

[1] Rodinson, M. 1968. Israel and the Arabs. trans. by Michael Perl and Brian Pearce. 2nd ed. New York: Penguin Books.

[2] Hertzel, T. 1896. A Jewish State, London.

[3] Project for the New American Century. 2000. Rebuilding America’s Defenses: Strategy, Forces and Resources For a New Century. Washington, DC.


غزة نصب الجندي المجهول

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3147719

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC