هدى أبو غنيمة - الأردن

أرض وسماء: قراءة

الوعي بقوى الحياة: قراءة في رواية "أرض وسماء" لسحر خليفة

هدى أبو غنيمةليس سرد تجارب الماضي في الرواية الحديثة تأريخا، بل هو استحضار للبعد الإنساني لهذه التجارب، لحاجة الحاضر إليها. ولعلها في الواقعية التسجيلية تعبير عن الوعي بقوى الحياة الكامنة، بين سطور الماضي وامتداد أثرها في الحاضر.

تدخلنا سحر خليفة إلى متاهة روائية يشتبك فيها الماضي بالحاضر، لتقول: إن التجربة الإنسانية تظل حاضرة، وممتدة التأثير حتى لو فشلت في تحقيق أهدافها، فالبقاء في عالم يضج بالصراع والتحديات يتطلب حيوية في مواجهة الواقع بلا أقنعة، كما يتطلب اختراق معنى الظلم والقسوة والشر والوهم والحقيقة برؤية ثاقبة، لمعرفة كيف يقف الإنسان رغم ضعفه عنيدا متكبرا يريد الحرية، ويرفض الخضوع، ويرى عبث المقاومة، وضرورتهما معا.

تفتتح الكاتبة الرواية بجملة لأنطون سعادة (مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي): "اقتتالنا على السماء أفقدنا الأرض". وتتخذ من تجربته الحزبية القومية حدثا رئيسا يشحن الرواية بطاقة لا تخلو من رومانسية ثورية ترتبط ببقية الأحداث وتؤثر فيها. تتجنب الكاتبة تقويمها أيديولوجيا مستحضرة بعدها الإنساني كحلم لرجل شاعر فيلسوف يحلم بعالم فاضل وتوحيد بلاد الشام في زمن كانت فيه بذور الطائفية والتقسيم تنمو وفقا للمخطط المعد لذلك، مما جعله يدفع حياته ثمنا لهذا الحلم (أعدم في عام 1949). ولعل هذه الرؤية الثورية الرومانسية هي سبب فشل حركات التحرر في الحاضر.

لعل سحر خليفة تلتقي مع جبرا إبراهيم جبرا الذي "يرى في الالتزام تبسيط لقضية الأدب، واجتزاء لها لأن قضية الأدب هي قضية الإنسان بكل ما فيه من تعقيد في السلوك والتفكير، والشعور والبواعث والأهداف ولا يخضع للبرامج النظرية" (الحرية والطوفان؛ ص 20). وهو رأي يعبر عن التمرد على القيود المجتمعية والسياسية، والدينية والتراثية والسيكولوجية، وينتصر لحرية الروائي في القول والوعي بالواقع وقوى الحياة الفاعلة فيه.

تسجل الرواية تداعيات الهزائم على الواقع في ظل الاحتلال، وانكسارات الأفراد المهزومين وتشظيهم، وتتطلع إلى جيل جديد ورث المحنة لكنه لا يشبه أسلافه في الرؤية من أجل غد قد يصوغه برؤية جديدة. تحاول الرواية تصوير الحقيقة الإنسانية وهي تجابه بحكم الضرورة الوضع الإنساني، وهي تدفع بالشخصيات بين جدران المتاهة البشرية، متاهة المنافي والحصار وصراع الأديان السياسي وكأنها تقول: ليست الحقيقة كما علمتنا تربيتنا القديمة أن نراها.

وتنزع الرواية هالة البطولة عن الثوار القدامى لتقدمهم أناسا عاديين يبحثون عن خلاصهم الفردي بعد انطفاء الحلم.

ربيع: الشاب الجميل، والفارس المغوار الذي عاد من المنافي عجوزا مهدما مهزوما؛ ونضال: الفتاة التي أحبته وخذلها، ولم يبق لديها سوى فنها ولوحاتها تبحث عن ذاتها في فنها وعن ذاتها في ذاتها.

"القدس غابت والتاريخ هرب منا، والماضي مسؤول عن محنتنا، ولم يبق إلا الحاضر وحصار طال وخذل الحلم بالخلاص الفردي، ذلك الخلاص الذي زادته المنافي التي رحل إليها المناضلون والثوار القدامى تشظيا وضياعا" (أرض وسماء؛ ص 9).

ربيع قاتل مع عبد القادر الحسيني في القسطل، وبعد استشهاد عبد القادر التحق بحزب أنطوان سعادة مع أمين، خال نضال الذي رباها، وجعلها تحس بقيمة ذاتها، وكان ذلك بعد النكبة واختفاء أمها، وموت جدتها واختطاف اليهودية لأبيها. كان الخال حنونا مرهف الحس مليئا بالشعر وبالنخوة، فتبناها واكتشف ميولها الفنية وغذاها.

لكن ربيع وأمثاله هم من قتلوا الحلم، فالتاريخ لم يتغير وربيع لم يتغير. ظل كعادته يجد الأعذار والتبريرات لتخليه عن خال نضال وأنطوان سعادة كما فعل مع نضال.

من أوراق أمين المهملة التي جاءت تبحث عنها ابنته لارا ابنة العشرين والطالبة في الجامعة الأمريكية في بيروت لتستفيد منها في رسالة الماجستير التي تعدها، نعرف تفاصيل الحكاية. تظل الثورات تتوالد، ولعلها تكرر نفس الأخطاء. لكن المستقبل يظل واعدا ما بقيت أجيال تحمل الفكرة وتحلم بالتحرر.

في إحدى القصاصات من أوراق أمين، تقرأ نضال مع لارا ابنة أمين: "نحن أبناء جيل الأربعينيات والخمسينيات ماذا أنجزنا؟ وماذا كانت حصيلتنا؟ كان الحزب هو القوة التي وقفت في وجه الاستعمار والرجعية، وهو الموعود بتحقيق النصر وتحرير فلسطين. هل كنا نحلم وننظر أم كنا نثور فعليا؟" (الرواية؛ ص 460).

"التفتت لارا وسألتني: هل تغير الوضع كثيرا منذ ذاك الوقت؟ لم أجبها لأني خفت أن أحبطها وأزيد من أساها، وهي التي رأت بعينيها ما حل بنا في فلسطين وما يحل الآن في سورية وكذلك مصر. صراع الشؤم على السلطة والطوائف، والأمية والقبلية وربيع الصحراء العربية" (الرواية؛ ص 460).

تطرح الكاتبة بمنطق العصر الليبرالي حلا لأزمة الإنسان العربي الراهنة من خلال شخصية سعد الشاب المقاوم الثائر والمطلوب الذي يمضي أيامه في الجبال والمغارات، سعد الذي ينصحه الخوري أن يقاوم ليبقى حيا ويحاول الخروج من الحصار، ففي زمن الضعف والهزائم من العبث والسذاجة أن تقف وجها لوجه. قاوم بالصبر والتخفي، واجعل من وجهك حرباء وجسدك جذعا وأغصان شجر، ثم استقو فالدنيا سبق.

وبفضل الخوري والملحق في السفارة الكندية، خرج سعد الملاحق إلى الأردن، ومن الأردن إلى كندا، ومن كندا عاد إلى لبنان، ليحتفل بتخريج لارا ودفعتها.

ها هو سعد يركض بكاميرته ليصور يوم تخريج لارا في الجامعة الأمريكية حيث بدأ حلم سعادة. عاد سعد بأفق رؤية جديدة، ويسأل ماذا عنا؟ وماذا عنهم؟ ماذا عن الشباب في نابلس ورام الله وغزة؟ وماذا عن القدس؟ وماذا عن الشباب في يتسهار وكريات شالوم؟ أنا في احتلال وهم مثلي محاصرون بأسلاك الشوك والمعازل ونقاط التفتيش والمدافع بفضل من؟ بفضل كهانا وتعاليمه، وأنا أيضا لي تعاليمي ولو اختلفت الأسماء واللغات وغطاء الرأس واحد.

تقول نضال لربيع: "حمدا لله، هذا الولد ليس مثلك، فيغتم ويجيبها بحقد دفين ولا مثلك" (الرواية؛ ص 486).

قبل سفر سعد، عارضت نضال الفكرة. كانت خائفة من نموذج ربيع: أن يذهب الشاب ويعود عجوزا لا يصلح لشيء، لكن أمه قالت: يا ست نضال، أيهما أفضل أن يبقى هنا بلا تعليم ولا مستقبل أم يذهب هناك ويتعلم ويتجنس، ويعود لنا أقوى وأمنع؟

يصور سعد دخول الخريجين على إيقاع لحن قديم وتوزيع جديد لنشيد "نحن الشباب لنا الغد، ومجده المخلد"، فدمعت عيون واندلع هتاف، ثم ارتفع صوت الجمهور مصاحبا الغناء بصوت هادر: "شعارنا على الزمن، عاش الوطن. بعنا له يوم المحن، أرواحنا بلا ثمن".

التفت ربيع، وهو يغني مع الجمهور، ورغم الشيب وتجاعيده، رأيته يعود إلى ما كان يوم القسطل والجميزة، أيام كنا في صانور مثل العصافير نحلم بالغد، لكن الغد صار فيهم، في هذا الشباب على المسرح والنشيد البديع، وغناء الجمهور مع الكورس.

لكزني ربيع لأغني، فغنيت بخجل، بصوت هامس. وحين ارتفع صوت الجمهور، نسيت خجلي، ورفعت الصوت ولم أدمع (الرواية؛ ص 487).

كلما انتهيت من قراءة رواية طويلة تساءلت: هل الحياة القصيرة التي نحياها بهذا الطول؟ أم أن الفن الروائي ينبهنا إلى أهمية الوعي بأننا في الواقع ربما نحيا الحقيقة اليتيمة؟ حقيقة اليوم الطويل الذي نحياه بكل ذرات دمنا وخلايا أعصابنا، لأنه يومنا الوحيد في حياة بالغة القصر.

= = = = =

(1) جبرا إبراهيم جبرا. الحرية والطوفان: دراسات نقدية . المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط3، 1982.

(2) سحر خليفة. أرض وسماء . دار الآداب، بيروت، 2013.

غلاف رواية أرض وسماء


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3153646

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC