أنت في : الغلاف » الأعداد الفصلية » العدد الفصلي 16: ربيع 2020 » الْعَنَاصِرُ الدِّرَامِيةُ وتَشَكُلاتِها الفَنِّيَة

د. أحمد الصغير - مصر

الْعَنَاصِرُ الدِّرَامِيةُ وتَشَكُلاتِها الفَنِّيَة

قراءة في شعرية مغايرة


أحمد الصغيرتطرح هذه الدراسة بصفة عامة العلاقة الوشيجة بين الشعر والدراما وأثر الدراما في الشعر العربي القديم والحديث، لدى نماذج مختارة في الشعر الجاهلي والأموي والشعر العباسي حتى العصر الحديث.

طرحت الدراسة مفهوم الدراما في الأدبين الأوروبي والعربي، وأثر الدراما في الشعر، وعلاقة الشعر بالدراما، والوقوف على قراءة شعرية مغايرة لأصوات شعرية جديدة يقدمها بيت الشعر بالأقصر تحت إشراف ورؤية دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، بدولة الإمارات العربية المتحدة، ومن هذه الأصوات المتميزة في حقل الشعرية الجديدة الشعراء عبد الرحمن الطويل. أحمد نناوي. أحمد الجميلي. عبد النبي عبَّادي.

وقفتْ الدراسة عند كل شاعر على حدة، من هؤلاء الشعراء الشباب المتميزين، لتطرح أفقا مغايرا لقراءة النص الشعري من خلال تفجيراته الدرامية، ومناطقها الفنية، مستعينا بأدوات الدراما وعناصرها داخل القصيدة العربية منذ مطلع العصر الجاهلي، راصدا تحركات الشعرية الدرامية داخل القصيدة الجديدة، وكأن القصيدة الجديدة لم تنفصل عن واقعها الحي الذي نتجت من خلاله، مخاطبة عقلا نوعيا واعيا بتطورات النصية وعلائقها بالصراع بين الوجود واللاوجود. هكذا تحدثنا القصائد المنتقاة من نصوص الشعراء عن الحياة في شكلها المشتبك مع الواقع الدرامي الأليم.

وقد جاءت هذه الورقة البحثية في قسمين: الأول الجانب النظري، متناولا الحديث عن المنهج الدرامي في قراءة القصيدة العربية عامة، والشعرية الجديدة المغايرة التي انطلقت من رحم القصيدة التراثية. أما الجانب التطبيقي فيعتمد على الكشف عن العناصر الدرامية وتشكلاتها الفنية في قصائد الشعراء الشباب الذين عنيت الدراسة بقراءة نصوصهم الشعرية.

أولا: نظرية الدراما

تعد نظرية الدراما من النظريات الفنية القديمة التي التحمت بالمصير الإنساني، معبرة عن مكنون النفس الإنسانية من خير وشر، وصراع قائم بين الحب والكراهية، وبين وقائع النصر والهزيمة في صورها كافة، ومن ثمَّ فقد أصبح الإنسان العادي، يمتلك شخصية درامية تتجسد في طريقة معالجته لمشكلاته الحياتية التي يجابهها، متحديا كل العقبات التي تحول بينه وبين الحصول على حريته من أجل حياة كريمة تليق بالنفس الإنسانية التي خلقها الله عزو جل، ومن ثم فإن التفكير الإنساني برمته، ما هو إلا تفكير بالدراما أو من خلال الدراما. ونسبق ذلك كله بالحديث عن مفهوم الدراما، وتطوراتها، وأهدافها، وعناصرها في القصيدة العربية.

ثانيا: النشأة والمفهوم

ظهرت الدراما أول ما ظهرت لدى المسرحيين أو كتاب المسرح، وكان ذلك في العصر الإغريقي، فقد كان للدراما مكانة مهمة في نفوس الأدباء والشعراء في ذلك الوقت، وقد أمدتنا المصادر القديمة والحديثة، ومعاجم المصطلحات النقدية، والأدبية بالكثير عن مفهوم الدراما، ونشأتها، وعناصرها، ومناطق قوتها، وضعفها، وتشابكها مع نصوص أخرى، ومعاييرها وأدواتها، وخصائصها المختلفة، ومن ثم فإن الدراما حسب تعريف أرسطو لها هي "محاكاة فعل نبيل تام له طول معلوم بلغة مزودة بألوان من التزيين، تختلف وفقا لاختلاف الأجزاء، وهذه المحاكاة تتم بواسطة أشخاص يفعلون لا بواسطة الحكاية، وتثير الرحمة والخوف، فتؤدى إلى التطهير من هذه الانفعالات"(1).

وقد جاءت معظم المفاهيم الخاصة بالدراما معتمدة على ما قدمه أرسطو في كتابه "فن الشعر"، لأنه أول من كتب عن الدراما وعلاقتها بالإنسان ومحاكاتها للأفعال النبيلة التي تنتج عن الإنسان نفسه، فتنشغل بتطهير العالم من كل زيف وضغينة، منتصرا للحقيقة والمحبة والصدق، ومن ثم، فقد أشار الدكتور محمد حمدي إبراهيم في كتابه "نظرية الدراما" إلى أن: "الدراما (drama) كلمة إغريقية قديمة يرجع اشتقاقها اللغوي إلى الفعل dran الذي كان يعني عند الإغريق (الفعل) أو التصرف أو السلوك الإنساني بوجه خاص. ولقد كانت اللغة الإغريقية التي اشتهرت ولا تزال بغني مترادفاتها ودقة معانيها، واتصافها بالمنطقية والإيحاء الفني والفكري تتضمن كلمات أخرى عديدة ذات معان قريبة من معنى الفعل الآنف الذكر، مثل tyncnaneın الحدث، poiein الصنع أو غير ذلك مما لا علاقة له بالمعنى الذي اتخذته كلمة الدراما، خصوصا منذ عصور ازدهار المسرح الأثيني، ولكن الإغريق لم يختاروا للاستخدام سوى كلمة dran (الفعل) بعينها للدلالة على كل الفنون المتعلقة بالمسرح، حيث تتم المحاكاة عن طريق التمثيل"(2).فجاءت الدراما مرتكزة بشكل كبير على الحركة والفعل والصراع بين الخير والشر، وعليه فإن الدراما إذن تعني الفعل، ولا أقول الحدث ؛ لأن "الفعل صفة لاصقة بالإنسان وحده، ولأن ما يتحكم في الفعل هو الإرادة الإنسانية وحدها أما الحدث فليس بالضرورة من أفعال البشر، ولا ناتجا عن إرادتهم الإنسانية"(3).

ومن ثم فإن العناصر الدرامية داخل القصيدة الشعرية ترتكز على مجموعة من الأحداث التي يصنعها الشاعر/الإنسان، ولا يتدخل في صنعها، وعليه فإنَّ الدكتور محمد حمدي إبراهيم أشار إلى أن الدراما "في حقيقتها هي التعبير الفني عن فعل، أو موقف إنساني، وبدون هذا الفعل لا تكون هناك دراما؛ لأن الدراما هي التعبير المسرحي للسلوك البشري الناتج عن الفكر، لأنه لا يمكن أن تكون ثمة دراما ؛ لتقرأ فقط، لكن الدراما هي دائما للتمثيل وينبغي أن يكون هذا الشرط موجودا باستمرار في ذهن مؤلفها، فالدراما تعبير واقعي، لأنه يحاكي سلوك إنسان يحيا معه المؤلف، ويتغلغل في أعماقه بالقدر الذي يمكنه من معرفته معرفة واقعية، وأيضا الدراما هي تعبير فني جماعي؛ لأنه يستوعب المؤلف والممثل والموسيقي والراقص والمنشد والفنان التشكيلي معا من أجل إخراجه إلى حيز الوجود" (4).

فالدراما إذن تعتمد على العمل الجماعي بشكل لافت، ولا تعتمد بشكل كبير على الفردية في عملية خلقها الفني، ومن ثم فقد أشار أرسطو في كتابه "فن الشعر" إلى أن الدراما هي المحاكاة الفعلية التي تطرح هموم الواقع المعيش الذي يعيش داخله الإنسان. ولهذا فإن الدراما ترتكز على مجموعة من السمات والأدوات والتقنيات الفنية (إن جاز التعبير) التي تتجسد داخل النص الشعري، أو النثري المسرحي، أو السينمائي، ومن أهم هذه التقنيات، هو الصراع الدرامي المغلَّف بالتفكير المتعدد الذي يحمل أكثر من اتجاه أو زاوية فكرية، ويعزز هذا الرأي أستاذنا عز الدين إسماعيل (رحمه الله) في قوله: "إن الدراما تعنى في بساطة، وإيجاز الصراع في أي شكل من أشكاله، والتفكير الدرامي هو ذلك اللون من التفكير الذى لا يسير في اتجاه واحد"(5).

نخلص من كلام عز الدين إسماعيل إلى أن الدراما في جوهرها الفني، والدلالي تتجسد في بنية الصراع المغلف بالتفكير الدرامي الذي لا يتخذ منطقا مستقيما، وإنما يرتكن إلى مجموعة من المناطق الفنية داخل النص الشعري بعامة، والقصيدة الحديثة بصفة خاصة، متعددة الشكول الفنية والمعرفية التي تمتح من منابع الذات الإنسانية، فقد ارتبطت حركاتها بحركة الذات، ومن ثم أصبحت تلج في نفوس العوالم المحيطة بنا في كل زمان ومكان.

تعتمد القصيدة العربية على الأدوات الدرامية بشكل واسع؛ لأنها ترتكز على الحركة المستمرة، والتحول والانتقال من مكان لمكان آخر بشكل دائم ملتحمة بالتناقض الإنساني، (الحزن، الحب، الكراهية)، وما دامت القصيدة لا تسير في اتجاه واحد، فإنها بذلك تكتسب نوعًا من الحيوية والحركة وتكون "موضوعية إلى حد بعيد حتى عندما يكون المعبر عنه موقفا أو شعوراً ذاتياً صرفاً"(6)، منتقلا من الغنائية إلى الدرامية في عملية الكتابة الشعرية، فيقوم الفعل الكتابي باستدعاء معجم درامي تستند عليه القصيدة في بنائها.

كان نتيجة ذلك أن اتجهت القصيدة إلى الإطار الدرامي. "وإذا قلنا إن الدراما هي روح الحكاية، فإنه ينبغي علينا القول بأن الصراع هو روح الدراما" (7). وفي حقيقة الأمر إن الصراع يمثل الجسد الذي يحتوي الدراما، وهو عنصر مهم في بنيتها التي ستنتقل للشعر فيما بعد، فتصبح القصيدة أكثر استخداما للصراع النصي داخل القصيدة الشعرية الواحدة أو مجموعة من النصوص الشعرية.

ثالثا: وظيفة الدراما

إن الدراما في نظرنا ما هي إلا رؤية فنية قد يرتكز عليها الشاعر لإبانة جانب من جوانب النص الشعري، مما يجعل النص الشعري نصا منفتحا على غيره من النصوص الأخرى كالقصة والرواية والمسرح والسينما، وغيرها من الفنون.

لا شك أن الدراما قد انتقلت إلى اللغة العربية لفظا لا معنى، كما ترى ذلك مصادر دراستها. ومع أن معناها اليوناني هو الفعل إلا أن استعمالها كعنوان لنوع معين من الفن جعلها إحدى الكلمات التي يصعب تفسيرها أو شرحها في بعض كلمات أو جمل.

فالدراما نوع من أنواع الفن الأدبي ارتبطت من حيث اللغة بالمسرح والرواية والقصة، واختلفت عنها في تصوير الواقع وتجسيد الحدث وتكثيف العقدة، وهذا ما يتفق مع طرح فرجينيا وولف مرة في حديثها عن الرواية: "إنها امتداد لكلامنا عن الناس، فبوسعنا أن نعتبر الدراما لكونها إجمالا مظهرا أعنف من الرواية، وامتدادا لكلامنا عن الفضائح، فالدراما فن مسرحي قد يأخذ شكل الشعر بوزنه وقافيته أو قد يتحرر من هذين القيدين حيث يأخذ شكل النثر والنثر المرسل"(8).

تقوم القصيد الدرامية على شبكة من العلاقات بين الحدث والشخوص والصور المفردة والصور العامة، فتنبض جميعا نبضا دراميا واحدا وتصبح صورها ذات علاقات نسيجية فكل صورة مرتبطة بما يقابلها وبما بعدها ارتباطا عضويا، والتعبير الدرامي هو أعلى صورة من صور التعبير الأدبي.

ويشير عز الدين إسماعيل إلى أن: "الدراما تعني في بساطة وإيجاز الصراع والتفكير الدرامي الذي لا يسير في اتجاه واحد، وإنما يأخذ دائما في الاعتبار أن كل فكرة تقابلها فكرة، فإذا كانت الدراما تعني الصراع، فإنما تعني في الوقت نفسه الحركة من موقف إلى موقف، ومن فعل قائم بذاته داخل حركة النص الشعري نفسه"، وهذا ما أشار إليه في قوله: "إن الشعر العربي قد أخذ يتطور في القرن العشرين تطورا ملحوظا نحو المنهج الدرامي. وليس هذا يعني كتابة الأعمال الدرامية الشعرية كمسرحيات شوقي، لأن المسرحية عملية درامية بالضرورة سواء أكتبت شعرا أم نثرا، وإنما يعني تطور القصيدة من الغنائية إلى القصيدة الفكرية التي تتمثل في القصيدة الدرامية" (9)، فتصبح القصيدة اليومية درامية بالأساس، لأنها تخلت عن جانبها الغنائي الذاتي، وانطلقت بقوتها الفنية وصراعاتها اليومية إلى الدراما، والتعبير عن تغيرات إنسانية كبيرة، كانت قد حدثت في مطلع الألفية الجديدة منذ عام 2000 وحتى اللحظة الراهنة (2019).

رابعا: ملامح درامية في الشعر القديم

إن الذي لا شك أن هناك علاقة وطيدة بين الشعر والدراما منذ أن عرفت الإنسانية الشعر بشتى أنواعه، لأنه يعبر عن آلام الناس وذواتهم وآمالهم، وصراعاتهم، وأحزانهم وأفراحهم، وقلقهم، ومعاناتهم الإنسانية، ومن ثم فقد حفل الشعر العربي في عصوره الأدبية كافة بمناطق درامية كثيرة، تفتقَتْ عنها أنماط الذات الإنسانية التي طرحت نفسها بقوة لدى الشعراء القدامى في العصر الجاهلي، الإسلامي، الأموي، العباسي، حتى العصر الحديث، ومن ثم فقد كان لزاما على الباحث أن يطرح لظاهرة الدراما وتقنياتها في البناء الشعري القديم في شكل موجز بسيط مجتزءا بعض النصوص التراثية، مشيرا إلى مناطق الدرامية فيها، قبل قراءة القصائد الحديثة التي نحن بصددها، وذلك من خلال نصوص الشعر العربي القديم، وبخاصة لدى امرئ القيس في معلقته "قفا نبك" فيقول:

"ويَوْم عقرتُ للعذارى مطيتي = = فيا عجبا من رحلها المتحملِ

فظل العذارى يرتمين بلحمها = = وشحم كهداب الدمقس المفتلِ

ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة = = فقالت: لك الويلات! إنك مرجلِي

تقول وقد مال الغبيط بنا معا = =: عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزلِ

فقلت لها: سيري، وأرخي زمامه = = ولا تبعديني من جناك المعلل"(10).

من الملاحظ في المقطع السابق من معلقة امرئ القيس أن الشاعر اتكأ على الحوار الدرامي المباشر بينه وبين عشيقته عنيزة، وهي ابنة عمه، وقيلَ هو لقب لها واسمها فاطمة، وقيل بل اسمها عنيزة وفاطمة غيرها. ويعتمد الحوار على فعل الحركة الدرامية من خلال استخدام الأفعال الحركية في القصيدة مثل: عقرت، يرتمين، دخلت، فقالت، تقول، سيري، أرخي، لا تبعديني. كما نلاحظ أيضا قدرة الشاعر على تصوير الإحساس الشعري عن طريق الدراما الإنسانية المتجسدة في حواره السابق داخل النص مع ذكر المكان، والحدث، والزمن في وقت واحد، مهيئا للمتلقي الدخول في عالم النص الشعري من خلال البنية الدرامية التي اتكأ عليها امرئ القيس نفسه، ومن ثم يصبح هذا الحوار الذي فطن إليه الشاعر امرؤ القيس بمثابة البناء الدرامي في المعلقة الطويلة كي يقوم بمسرحة النص الشعري رابطا الحس الإنساني بالمكاني والزماني، مصورا حالة العاشق بالمعشوق. ويقول امرؤ القيس في المعلقة نفسها:

ويوما على ظهر الكثيب تعذَرتْ = = علىَّ، وآلت حلفةً لم تحلّلِ.

أفاطم مهلا بعض هذا التدلل = = وإنْ كنت قد أزمعت صرمي فأجملِي.

أغرك مني أنَّ حبك قاتلي = = وأنك مهما تأمري القلب يفعل.

وإنْ تك قد ساءتك مني خليقة = = فسُلي ثيابي من ثيابك تنسلِ.

وما ذرفت عيناك إلا لتضربي = = بسهميك في أعشار قلب مقتّل (11).

يومئ المقطع الفائت من معلقة امرئ القيس إلى تقنية الصراع الدرامي بينه وبين محبوبته فاطمة، كما تجلى العشق الملتهب بين البطل/الشاعر امرئ القيس، والأنثى بطل النص (فاطمة)، من خلال الحوار الدرامي بينه وبينها، وهو حوار درامي متخيل، يصف الشاعر فيه صورته الحزينة، مجسدا من خلال روحه الذات الشاعرة/التي تمتلك سرد التفاصيل الخاصة بها من خلال خوضه في تجارب حب سابقة مع محبوبات كثيرات كان قد فتن بهن. وإن دل هذا الحديث، فإنما يدل على الغرور الكاذب الذي لحق بالذات الشاعرة في وصفها لما حدث من قبل.

يمثل الحوار الدرامي في النص مركزا مهما في بنية الصراع القائم بين الراوي/الشاعر والمخاطب/المحبوبة، ونخلص من هذا كله إلى أن امرأ القيس استخدم الحوار الدرامي بشكل فني دراماتيكي، مما أدى بنا إلى إدخاله ضمن قصيدة الدراما الشعرية الحديثة على الرغم من يقيننا أن الشاعر لم يتعمد الانشغال بالتقنيات الدرامية في زمنه.

كما نلاحظ أيضا بروز عناصر الدرامية في شعر المتنبي وذلك في قصيدته (وا حرَّ قلباه) مخاطبا مولاه وصديقه سيف الدولة الحمداني في قوله:

وا حرَّ قلباهُ ممن قلبُه شبمُ = = ومنْ بجسمي وحالي عِنَدَهُ شَقَمُ.

ما لي أُكَتّم حبّاً قد برى جسدي = = وتدعي حب سيف الدولة الأمم.

إن كان يجمعنا حب لغرتهِ = = فليت أنا بقدر الحبّ نقتسمُ.

يا أعدل الناس إلا في معاملتي = = فيك الخصامُ، وأنت الخصمُ والحكمُ.

أعيذها نظرات منك صائبة = = أن تحسبَ الشحمَ فيمن شحمه ورمُ.

هذا عتابك إلا أنه مقةٌ قد = = ضمن الدر إلا أنه كلمٌ(12).

تجلى في المقطع السابق من قصيدة (وا حرَّ قلباه) لأبي الطيب المتنبي ارتكازه على الحوار المباشر، والعتاب الصادق بينه وبين سيف الدولة الحمداني الذي تأثر بكلام الوشاة الذين يكيدون حقدا وكراهية للمتنبي محاولين بذلك إشعال لهيب الفتنة والضغينة بين الصديقين الشاعر والأمير.

ارتكز المتنبي أيضا على صياغة خطابا شعريا دراميا مكتمل الأركان، بحيث يتكون الخطاب من مُخَاطِب، ونص، ومُخَاطَب ورِسَالة (دلالة)، داخل النص الشعري، مما يشي أن الشاعر يريد أن يصنع حوار خارجيا مع سيف الدولة من جهة، وحوارا داخليا مع ذاته من جهة أخرى، ليخاطبها، ويهدأ من روعها وقلقها ويرضي غرورها، بسب مكائد الوشاة ودسائسهم الخفية.

وقد تجسد الصراع الدرامي أيضا بين المتنبي، وهؤلاء الوشاة من ناحية، وسيف الدولة والمتنبي من ناحية أخرى (أعني بالوشاة هنا، هم مجموعة من الحاسدين الذين يكيدون للمتنبي، فقاموا بتدبير بعض الأكاذيب ضد المتنبي حتى تفسد الصداقة، والعلاقة بين المتنبي وسيف الدولة). تتجلى الدراما في القصيدة الفائتة من خلال اللغة الدرامية التي اعتمد عليها الشاعر من خلال استخدامه لمجموعة من المفردات اللغوية التي تصل من خلالها الرسالة (رسالة العتاب من المتنبي إلى سيف الدولة)،

ويبرز أيضا الحوار الدرامي في شعر عمر بن أبي ربيعة، فيقول:

حَدَّثْ حَديثَ فتاةِ حَيَّ مَرَّةً = = بالجِزعِ بَيْنَ أَذاخِر وحَرَاءِ

قَالَتْ لجَارَتِهَا (عِشاءً) إذْ رَأَتْ = = نَزَهَ المكانِ وَغَيْبَةَ الأعْداءِ

في رَوْضَةٍ يَّممْنَهَا مَوْلِيّةٍ = = مَيْثَاءَ رَابِيةٍ بُعيدَ سَماءِ

في ظِلِّ دَانية الغصون وريقة = = نبتت بأبطح طيب الثرياء

قالت لجارتها: انظري ها من أولي = = وتأمَّلي مَنْ راكب الأدْماء

قالت أبو الخطاب أعرف زيه = = وركوبه لا شك غير مراء(13).

من الملاحظ في الحوار الفائت، الذي بدأ به الشاعر عمر بن أبي ربيعة قصيدته الشعرية، أن الحوار يرتكز على عملية سردية شعرية من خلال استنطاق الشخصيات الرئيسية في النص، مرتبطا بحديث الفتاة وجارتها، والحوار الذي يدور عن الشاعر ومن الشاعر نفسه الملقب بابن الخطاب، وقد كان يتمنى عمر مقابلة الفتاة فقد تحققت أمنيته بغير تعب، ولا نصب ونال ما أراد منهما. وكانت الفتاة تتمنى أيضا أن ترى عمر بن أبي ربيعة الشاعر الذي شغل النساء قديما وحديثا من خلال شعره، وحكاياته الغرامية.

وينتقل عمر بن أبي ربيعة إلى وصف المكان الذي جمع بينه وبين الفتاتين اللتين عندما اقترب منهما ألقيا التحية على استحياء. ونرصد هنا ظاهرة الحوار الدرامي داخل القصيدة العربية، وبخاصة لدى الشاعر عمر بن أبي ربيعة الذي احتفى كثيرا ببعض العناصر الدرامية داخل نصوصه الشعرية، منها الحوار الشعري والقصة الشعرية والملحمة الرومانسية.

وقد تجلى المكان الشعري داخل النص العربي القديم، بصورة واسعة، مما يشي بدلالات متعددة وغنية، ومن هذه الدلالات الحبكة الدرامية التي ارتكز عليها الشاعر في تشكيل الحوار الشعري/الدرامي متنقلا بعباراته الدالة من حركية إلى حركية شعرية أخرى، وكأننا نشاهد عملا فنيا شعريا/مسرحيا، مشغولا بوصف الحوار الهامس بين فتاتين في خدرهما، تتهامسان عن وصول العاشق عمر بن أبي ربيعة، واصفا المكان الشعري نفسه وصورة العشق في حديث العاشقتين. وامتزج النوعان الأدبيان، الشعر والمسرح، لإنتاج قصيدة درامية شعرية، ارتكزت في بنائها المعماري على التقنيات الدرامية المتنوعة التي خرجت من رحم الدراما المسرحية نفسها كالحوار والصراع النفسي، والسرد المسرحي المفارق.

* * *

القسم الثاني: عناصر درامية في شعرية مغايرة

كان للدراما أثرٌ كبيرٌ في بنية النص الشعري العربي القديم والحديث، ففي العصور القديمة وبخاصة في الحضارات اليونانية القديمة كانت الدراما هي فن الشعر، وكان الشعر هو الوجه الآخر للدراما.

تجلت الدراما أيضا في بنية النص الشعري القديم، بدءا من العصر الجاهلي كما ذكرنا في علاقة الشعر بالدراما، فقد احتفى الشاعر القديم ببنية الحوار الدرامي، والوصف، والغزل، والبكاء على الأطلال التي تركها المحبون، والفخر، والهجاء والمديح وغيرها من فنون الشعر القديمة، لما للعرب من مآثر وحروب ومناقب، اقتضت الحاجة لتسجيلها عن طريق الشعر، فقد حفظت لنا الذاكرة الشعرية الكثير من انتصارات العرب، ومناقبهم وملاحمهم، وبطولاتهم المتعددة.

وجل هذه النصوص القديمة لم تخلُ من مسحة فلسفية درامية ذات طابع مائز، وقد لاحظنا ذلك في شعر امرئ القيس من العصر الجاهلي، وعمر ابن أبي ربيعة في العصر الإسلامي، والعصر الأموي، وأبو الطيب المتنبي في العصر العباسي، ومن ثم فقد كان للدراما أثرٌ جليٌ في عملية بناء النص الشعري من خلال الاعتماد على بعض التقنيات الدرامية كما ذكرنا من قبل.

وقد تجلت النزعة الدرامية بشكل كبير في القصيدة العربية الحديثة، فقد احتفى الشعر العربي الحديث بالتقنيات الدرامية في بناء النص الشعري، وقد تجلى ذلك الطرح الفني في قصائد الشعراء الشباب، وهم: عبد الرحمن الطويل، أحمد الجميلي. أحمد نناوي. عبد النبي عبَّادي.

أولا: الشاعر عبد الرحمن الطويل

الزمن الدرامي في قصيدة "سِفْرٌ لم يكن"

طرح الشاعر عبد الرحمن الطويل في مجموعته الشعرية "مجموعة المعبد" قصائد شعرية يطغى عليها الشكل العمودي في كتابة الشعر، وهذا الشكل يمنحنا دلالات مهمة وتأويلات عدة، وتساؤلات كثيرة، حول الشكل الكتابي للقصيدة العربية التي كتبها الطويل. وفي ظني أن الشاعر أراد أن يكون نفسه امتدادا للشعراء القدامى الذين تحدثت عنهم الدراسة في البداية أمثال امرئ القيس بن حجر الكندي، والمتنبي، وعمر بن أبي ربيعة، وغيرهم. ولاحظتُ أنه ينسج على نسجهم ويسير على منوالهم، محتذيا خطوهم في الشكل الشعري، واللغة، والصورة الشعرية، والإيقاعات الموسيقية الحزينة التي تحمل داخلها أحزان درامية واسعة، وثمة اختلاف بين في الرؤية الشعرية التي يتحدث من خلالها الشاعر الطويل، فيقول في مطلع ديوانه في قصيدة بعنوان "سفر لم يكن":

"تلكَ البيوتُ وما فيها سِوى الزمنِ

ونحنُ، ما نحنُ! أرواحٌ مِن الدِّمَنِ

والسائرونَ على الأشواكِ في طُرق ال

أشواقِ بعد اجتياز اليأس والحَزَنِ

والراكبونَ إلى الآمال غاربةً

ذيلَ البُراقِ بظهرٍ غيرِ مُتَّزن

والراقدون رجاءَ الناس والصُّبُر ال

مُستمسكونَ بعهد الله في المحن

ونحنُ، ما نحن! أبطالُ الرواية وال

كُتّابُ والقارئوها، حقُّها العلني

ورأسُها الطَّرِبُ الزاهي بنشوتِهِ

مِن كاس قهوتِها من بُنّها اليمني

وطبعةٌ صدرَت منها وكررها

ثباتُنا وجهَ ما نلقى مِن الفتنِ

وما نبالي، وما نُلقي الرجاءَ به

فلا نُبالي بعينِ المُعرضِ الفَطِن

يرى، فيحذفُ مِن سطر المُنى كَلِمًا

يُضل إعرابُها المعنى عن السَّننِ

فلا يعودُ إليها وهْو ممتلئٌ

بها اشتهاءً وإسلامًا إلى الوهَن

وما نبالي، وهذا الليلُ يُثقلُنا

يَحولُنا بذراعيهِ عن الوسَنِ

يمُدُّ رجليْهِ في أحلامِنا صلفًا

فلا نُجَرجرُ منها غيرَ ممتهَن

أنا نُحاولُ أعمارًا فيُعجزُنا

أن نُبرم الصلح بين الروح والبدن "

ينسج الشاعر عبد الرحمن الطويل قصيدته على أرضية تراثية واسعة، فيختار أن يكون صورة جديدة للشاعر العربي القديم متأملا ذاته من ناحية والواقع الذي يعيش فيه من ناحية أخرى، فنلاحظ استخدامه لتراكيب شعرية خالدة عبر الزمن ورحلة الشاعر في الحياة، فينطلق من خلال هذه الزمنية الواسعة لاستدعاء كل ما يسكن الذات من جراح وألم، فيستدعي أصوات امرئ القيس وطرفة بن العبد وأحمد شوقي. هذه الأصوات تجلت بشكل كبير في القصيدة الفائتة، فيخاطب الزمن الليل الوسن. الروح البدن. أعمارا. نجرجر. الوهن. السنن).

إن جل هذه المفردات الشعرية التي خرجت من سياقها المعجمي لتدخل في سياق شعري يمنحها حياة جديدة، فتصبح رمزا لافتا في بناء النص الشعري عند الطويل، بل تصير ذات خصوصية في استخدامها داخل النص، فالليل الذي يتحدث عنه الشاعر هو ليل امرئ القيس الطويل المنهك الذي لا يريد أن ينتهي، فيقول امرؤ القيس في معلقته:

"وليلٍ كموجِ البحرِ أرخَى سدولَه = =عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي

فقلت له لما تمطى بصلبه = = وأردف أعجازا وناء بكلكلِ

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي = = بصبح، وما الإصباح منك بأمثلِ".

يبدو صوت امرئ القيس واضحا في قصيدة عبد الرحمن الطويل، فقرينة الليل هي الأيقونة التي تدور حولها معلقة امرئ القيس وقصيدة "سفر لم يكن" للشاعر عبد الرحمن الطويل فيقول:

وما نبالي، وهذا الليلُ يُثقلُنا = = يَحولُنا بذراعيهِ عن الوسَنِ

فيصف الليل أنه ليل ثقيل، فلا تستطيع الذات النوم، فيلفها بذراعه مبتعدا بها عن الراحة والهدوء، بل يثقلها بالتفكير والهموم والأرق الذي لا ينتهي.

إن ليل الشاعر عبد الرحمن الطويل هو ابن من أبناء ليل امرئ القيس، وصراعه الدرامي بينه وبين الليل الذي لن تتوقف حركته الصاخبة. كما ارتبط هذا الليل باليأس والحزن، كما جاء في القصيدة، فتمثل هذه الرموز الدرامية مدخلا من مداخل القراءة لشعر عبد الرحمن الطويل، وقد تجلى صوت شوقي أيضا في استخدامه لمفردة المستمسكون فيقول:

والراقدون رجاءَ الناس والصُّبُر = = المُستمسكونَ بعهد الله في المحن

نلاحظ العلاقة بين الرجاء والصبر والتمسك بعهد الله، في المحن. هذا البناء الفني الذي يدخل في القراءة الدرامية يدل على استدعاء الشاعر لروح الزمن الدرامي الذي ارتبط بالمحن والصبر والرجاء. هذه الأيقونات الثلاث تصبح رموزا لأبعاد درامية واضحة في قراءة النص الشعري.

ويتجلى صوت أحمد شوقي في عبارة المستمسكون، التي وردت في همزية شوقي في مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم فيقول شوقي:

ولد الهدى فالكائنات ضياء = = وفم الزمان تبسم وثناء
...
الاشتراكيون أنت إمامهم = = لولا دعاوي القوم والغلواء

تبدو صورة شوقي الدرامية جلية في نصوص عبد الرحمن مقلد الشعرية، لما ينسجه من تراكيب شعرية ذات ملامح تراثية مهمة، تمنح النص خلودا فنيا، وجسرا ممتدا بين الراهن والسابق القديم.

ويطرح الطويل في قصيدته صورة الأعمار التي يفقدها الإنسان في سبيل الوصول إلى هدف نبيل يراه ذا قيمة في الحياة فيقول مثلا:

أنَّا نُحاولُ أعمارًا فيُعجزُنا = = أن نُبرم الصلح بين الروح والبدن

فعندما تعجز الروح عن الصلح بين الروح والبدن، فتصبح إذن الذات في مأزق إنساني لافت من خلال التناقض بين أهداف الروح وأهداف البدن، بين النقاء وصفاء الروح وبين شهوات الجسد التي تقف على شكلها النقيض مع صفاء الروح ومحبتها.

ثانيا: الشاعر عبد النبي عبَّادي

يقف الشاعر عبد النبي عبَّادي في منطقة مغايرة تجمع ما بين القصائد العمودية والقصائد الحرة، فيضع عنوانا لافتا لديوانه "قصائد ومقاطع"، هي ليست مقاطع، بل قصائد قصيرة اعتمد فيها الشاعر على الشكل الشعري المعروف بالشعر الحر/القصيدة الواقعية. وفي حقيقة الأمر لاحظتُ تمكن الشاعر من امتلاك أدواته الشعرية في كتابة القصيدة الجديدة التي تعتمد على التفعيلة، وعلى مستوى عال من النضج الفني، وعليه، فقد لجأت إلى الاجتزاء في انتقاء قصيدتين من الديوان المخطوط، لقراءتهما من منظور درامي، يكشف عن طرائق الدرامية وعناصرها الفنية في الكتابة الشعرية عند عبد النبي عبَّادي، فيقول:

"بمُحاذاة الجُرح

ربّتْ على كتف الزمانِ قليلا

واهنأ بحُلمٍ لن يدومَ طويلا

سرُّ الحياةِ وضوحُها وغموضُنا

ترضى الحياةُ ونرفضُ التأويلا

ونقولُ أنّا لا نُحبّ جراحنا

والجرحُ صارَ إلى الحياةِ دليلا

لا وردَ في الماوردِ كيف تُطيقُهُ؟!

والدّمعُ صارَ على الضفاف نخيلا

لا إخوة حيرى كإخوةِ "يوسُفٍ"

يرعون ذئبكَ كي تصير "جميلا"!

روما لقيصر، طعنةٌ في قلبهِ

تسقي "بروتس" قاتلا وقتيلا

صمتُ الجنود مشى بحكمة خندقٍ

ولفيلقِ الأحزان صار عميلا

لا تُعطِني نايا يهشُّ صبابتي

ويدقّ في جسدي النحيل عويلا

بل أعطني أرضا بحجم هزيمتي

وهويةً بِكرا تقولُ دمي لا ".

يمتلك الشاعر عبد النبي عبَّادي ملامح درامية متنوعة داخل قصيدته السابقة، بل تتشكل هذه الملامح عبر نصوص ديوانه الأول الذي يحاول فيه أن يستدعي قصص الدراما من القرآن الكريم، فنلاحظ قصة النبي يوسف عليه السلام في إشارة نصية إلى أحداثها الدرامية وصراع الخير والشر والحب والكراهية الذي تحاول القصيدة أن تقوله، فيبدو الشاعر مشغولا باستقطاب الذات إلى مناطق ذات شحونات لغوية معينة، ليتشكل عنها معجمه الشعري (الجرح. الزمان. الحلم. الدمع. الناي. عويلا. أرضا. حجم هزيمتي هوية. بكرا).

يصبح المعجم الشعري/الدرامي غنيا بمفرداته وتراكيبه في نصوص الشاعر عبد النبي عبادي، لما لها من سطوة نصية في الحضور، فتصبح عناصر الدرامية حاضرة بقوة داخل القصيدة، فهي عوامل بنائية تقوم عليها القصيدة، فنلاحظ الصراع الدرامي في استدعاء القصص القرآنية من خلال قصة النبي يوسف (عليه السلام) مع أخوته وبكاء النبي يعقوب على غيابه وكراهية أخوته له. وصراع الحب والكراهية، والصدق والكذب، والخير والشر، والجمال والقبح. ويقول أيضا في قصيدة أخرى بعنوان (إشارة):

"لا المَلَكُوتُ يَخْشَعُ مِنْ بُكَاءِ العَارِفِينَ

وَلا الأفْرَاسُ تَنْهَضُ فِي رُخَامِ اللّيلِ!

كَمَا أنّي

أُفَضّلُ

أَنْ أَكونَ أنَا أنَا

لا رِيحَ تَخْمِشُ جَبْهَتِي

وَلا أَيْقُونَةُ الذّكْرَى تَحكّ الصّمْتَ

فِي رُوحِي،

فَأَرْتَعِدُ

تُلَوّحُ لِيْ،

وَتُدْنِينِيْ

وَتُوصِدُ بَابَ دَهْشَتِهَا

وَتَأْتِينِي

وَحينَ أَغَارُ مِنْ نَفْسِي

تُدَثّرُنِي،

وَتَبْتَعِدُ!"

يكشف النص الشعري عند عبد النبي عبادي عن انتقال الصراع الدرامي من صورته الخارجية إلى منطقة الصراع الداخلي الذي تحاول الذات أن تنتصر على نفسها، فكيف للذات الشاعرة التي نسجها الشاعر في القصيدة أن تنتصر على العالم المتناقض الذي يحمل نبوءات الضغينة والعنف في إطار زمني واحد، فنلاحظ امتزاج الصوفي بالدرامي في مطلع القصيدة:

لا المَلَكُوتُ يَخْشَعُ مِنْ بُكَاءِ العَارِفِينَ،
وَلا الأفْرَاسُ تَنْهَضُ فِي رُخَامِ اللّيلِ

فاستدعاء بكاء العارفين من المتصوفة، مع أحزان الليل، ينتج عن هذا الامتزاج الفني صورة الحزن الدرامي في عيون العارفين من أهل التصوف، كما أن دال "العارفين" يحمل اكتنازا معرفيا، وروحيا في الوقت نفسه، فإن هؤلاء العارفين من أهل الله، هم الذين تركوا شهوات الدنيا باحثين عن الحب الإلهي، زاهدين في كل شيء دنيوي، باحثين عن حضور الله في ملكوته.

كما اتكأ الشاعر المتميز عبد النبي عبادي على استدعاء أيقونة (الذكرى). هذه الذكريات التي يعيش فيها الشاعر، فترتبط "الذكرى" بدوال مركزية في النص (روحي. الصمت. أرتعد. تدثرني. تبتعد)، فتصبح الذكرى هي الحياة الحاضرة في إشارة إلى الماضي، وكأن الحضر هو الماضي الذي نعيش فيه بأرواحنا، والحاضر الحي هو الذي تعيش داخله الأجساد فقط.

وعليه فقد استخدم الشاعر عبد النبي عبادي تقنيات لافتة في بناء قصائده من خلال الحس الدرامي المتجذر (السرد الحكائي القصير والصراع الحزين، والحاضر في مقابل الماضي والحنين إلى العيش بداخله). كما استخدم أفعال متحركة نوعية داخل القصائد منها (يخشع. ينهض. أرتعد. تأتيني. تدثرني. تبتعد. توصد).

ثالثا: الشاعر أحمد الجميلي

يقدم الشاعر أحمد الجميلي في ديوانه "على حافة النهر" مجموعة من القصائد السردية التي انشغلت بتفكيك أحداث نصية متنوعة داخل القصيدة الواحدة، حيث جاءت قصائده طويلة، وذات مقاطع متناسبة فيما بينها، فيقول في قصيدة بعنوان: "طفلٌ جنوبي":

"كَمَا يمرُّ الرّضَا .. لو عابرٌ طَرَقَهْ

دَلَّى حكاياهُ حتَّى أَعشَبتْ طُرُقَهْ

تقاسمتهُ

قِلَاعُ الحِبْرِ — سيرتَهُ —

لكي يبعثرَ في أعتابِهَا عَبَقَهْ

طِفلٌ على مدخلِ الأنهارِ مُنعكسٌ

في صورةِ الماءِ أَرخَى للسَّمَا حَدَقَهْ ".

يتناول الشاعر في قصيدته طفل جنوبي ملامح الشعرية الدرامية، وأعني الحديث بالدراما عن صورة الطفل الجنوبي، هذه الصورة التي يتشكل من خلالها سيرة الطفل الحزينة التي يرصد الشاعر من أنفاسها حالات الحزن التي تؤثر في ذاته، بل إن الأحلام التي يمتلكها صارت مبددة وواهية في ظل الإهمال الواقع على حياة الطفل في الجنوب، فقد أخذته صورة الماء الأسطورية التي تعكس ملامحه، وكأن صورة السماء المعكوسة في الماء، تجمع بين متاهة الحلم وغيابه، ويقول أيضا في قصيدة أخرى بعنوان "نقوشُ الْعَارِف بالحزنِ":

"حدَّثتُ أَحزَاني فقلتُ لها: قِفِيْ

إِنِّي اكتفيتُ، أَلَا بِرَبِّكِ فَاكْتَفِيْ

صَاولْتُ كَمْ صَاولْتُ

أَعرِفُ سَاحَتِي

والفجرُ أَعرِفُهُ يَجِيءُ وَيَختَفِيْ

مُنذُ ابتكارِ النور فوقَ عمامتي

حَتَّى انزواءِ الظِّلِ خَلْفَ تَخَوّفِيْ

وَأَنَا عَلى مَرْمَى البَصيرةِ وَاقفٌ

مَنْ يَرْصُدُ الأشياءَ غَيرَ تَوَقُّفِيْ ".

إن حديث الشاعر أحمد الجميلي حديث يحمل حزنا غائرا في النفس البشرية، فهو لا يتحدث عن حزنه الفردي الخاص به، بقدر حديثه عن أحزان عامة أصيبت بها النفس البشرية، فقد أنتج هذا الحزن أبعادا متنوعة لصور درامية في القصيدة الشعرية عند الجميلي، فبدت وكأنها لوحة تقطر حزنا وألما وصراعا نفسيا متأرجحا بين صورة العالم الخارجي، ووقعه على نفس الشاعر، فترتكز القصيدة على عناصر درامية متنوعه تجمع ما بين قطبين متجاذبين أو متناقضين في الوقت نفسه، فتجمع القصيدة ما بين (النور، والظلام، الحزن والفرح، الخوف والشجاعة، الانزواء والامتزاج بروح الحقيقة الغائبة) في استخدام أفعال متحركة تعتمد على التوتر الدرامي (يجيء. يختفي. يرصد توقفي).

هذه الدوال المركزية في النص الشعري تومئ إلى استدعاء صورة الحزن التي تسيطر على حياة الشاعر، وعلاقتها بالرغبة الملحة على استنطاق الحياة والخروج بها من أحزانها. كما تكشف لغة الشاعر عن صورة المفارقة الدرامية من خلال اللفظ نفسه، أعني اللفظ ونقيضه، فينتج عنها مشاهد متناقضة تحمل قرائن وعلائق فنية داخل النص الشعري، فحركة الفجر التي تتأرجح بين الظهور والاختفاء والحضور والغياب، هي حركة درامية تحمل توترا فنيا في العلائق اللغوية بعضها ببعض.

رابعا الشاعر أحمد نناوي

يطرح الشاعر أحمد نناوي في ديوانه الذي جاء بلا عنوان، فهو عبارة عن مجموعة من القصائد الطويلة التي اعتمد فيها الشاعر على الحكاية الدرامية، مستخدما لغة شعرية ذات وجوه شعرية متعددة، فتبدو اللغة عند نناوي لغة بسيطة من خلال الضمائر الذاتية التي تقترب من ضمائر المتكلم، فينتج عنها سردا غنائيا حزينا. وتجلى ذلك في قصيدته بعنوان "لِطفُولة أُخرَى يَعُودُ" فيقول:

"لِلْحُزنِ أُغنِيةٌ

وَليْ نَايَاتُهُ

وَلنا مَعًا بَيْتٌ

بَكَتْ عَتبَاتُهُ

وَقَفَتْ عَلَى العَتَبَاتِ

رُوحُ طُفُولَةٍ تَحبُو

إلى زَمَنٍ مَضَتْ سَنَواتُهُ

قَدْ مَسَّهَا أمَلٌ،

يرَاوِدُ حُلمَهَا".

تصبح صورة/دال الحزن الذي يستهل به الشاعر قصيدته، واقعا مفارقا من خلال أغنية الحزن، وهي تقع في دائرة المفارقة الدرامية التي تصور الحزن أنه يغني لنفسه، كما أن للنايات جراحاتها في نفس الشاعر، فيجمع الشاعر بينه وبين الحزن في مشهد مفارق على المستوى الفني والدلالي، فيستخدم دوالا ذات محددات لغوية هادفة مثل (بكت. وقفت. تحبو. مسَّها. مضت. يراود).

جل هذه الدوال المعجمية الخاصة بسياق النص، منحها النص نفسه حضورا رمزيا وحركة مغايرة في الكتابة وأثرها على المتلقي، وينتج عن ذلك سؤال مهم: هل تتحقق الآمال من خلال الحزن؟ وما مدى القيمة التي يتركها الحزن في روح المتلقي نفسه؟ إن الحزن هو الشيء الوحيد الصادق في هذه الحياة، فيمكن للذات أن تحزن على نفسها حزنا داخليا، تبكي بكاء حارا على إخفاقها في أمر ما، لكنها لا تنجرف في مبالغة الأحزان وجراحاتها، بل تحاول أن تضع أسبابا لهذا الحزن، وأسباب الإخفاق. ويقول الشاعر في مقطع آخر من القصيدة نفسها:

"وَالحُلمُ طِفْلٌ رَاوَدَتهُ وَفَاتُهُ

فَبَكَى عَلَيهِ الدَّهرُ

وَقتَ غِيَابِهِ

وَنعَتْهُ في صُحفِ الغِيَابِ دَوَاتُهُ

مَاذا هُنَاكَ؟

هُنَاكَ حُزنٌ كامِنٌ

مَا بيْنَ قَبْرَينِ اسْتَقَرَّتْ ذَاتُهُ ".

يطرح الشاعر أحمد نناوي في المقطع السابق صورة أخرى للحلم، فيمنحنا النص الشعري صورة الحلم الذي تراوده الوفاة عن نفسه، فعندما تموت الأحلام الطفولية البريئة، فيبكي الدهر على فقدان الأحلام وغيابها، وقد نتج عن غياب الحلم الإنساني، مشاهد درامية حزينة، فتطل صورة الحزن جريحة لانهيار الأحلام، وتمزقها، فاستقرت الأحلام في مقابر الموتى. إن الرمز الفني الذي اتكأ عليه الشاعر أحمد نناوي اتخذ من الحلم أيقونة لموت الحياة نفسها، لأن الإنسان عندما تموت أحلامه، نذير بموته هو، فتصبح الحياة بلا جدوى. ويصبح العدم هو السيد الوحيد في هذه الحياة الحزينة.

خاتمة بما توصل إليه البحث من نتائج

= طرح البحث مجموعة من الفروض البحثية، ليختبرها من خلال قراءة القصيدة العربية القديمة، وعني بالبحث عن ظاهرة القصيدة الدرامية وعناصرها في الشعر القديم، وتوصل البحث إلى أن هذه الظاهرة متجذرة في الشعر القديم وذات ملامح فنية راسخة.

= اعتمد الشاعر عبد الرحمن الطويل على بنى زمنية درامية في قصائده الشعرية، متأثرا بالشعراء العرب القدامى، مستدعيا أصوات شعرية (امرئ القيس. طرفة بن العبد أحمد شوقي).

= جاءت قصائد الشاعر عبد النبي عبَّادي، مشحونة بدلالات مركزية، أخرجت القصيدة من دلالتها المعجمية إلى دلالاتها الفنية عبر سياق شعري لافت.

= توصل البحث إلى أن عناصر الدراما وتشكلاتها الفنية داخل النص الشعري ذات أثر واضح في عملية بناء النص، ومن هذه العناصر: الصراع الدرامي والحوار والمفارقة والبناء النقيض في سياق واحد.

= = =

الهوامش

(1) أرسطو: فن الشعر، ترجمة وتحقيق عبد الرحمن بدوي، دار النهضة المصرية، 1953، ص 18.

(2) محمد حمدي إبراهيم: نظرية الدراما الإغريقية، الشركة المصرية العالمية للنشر لونجمان القاهرة، 1994، ص 7-8.

(3) السابق، ص 1012.

(4) السابق، ص 14-15.

(5) عز الدين إسماعيل: الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، ص 279. دار الفكر العربي، ط 3، القاهرة 1995.

(6) السابق، ص 280.

(7) عبد الفتاح عثمان، بناء الرواية، ص 82. مكتبة الشباب. د.ت.

(8) س. و. داوسن: الدراما والدرامية، ترجمة جعفر صادق الخليلي، دار عويدات للنشر، بيروت 1992.

(9) عز الدين إسماعيل: الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية ص 279، مرجع سابق.

(10) السابق ص 282.
(11) الزوزني: شرح المعلقات السبع الطوال، ضبط نصوصه وعلق على حواشيه، عمر فاروق الطباع، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، د.ت، ص 59.

(12) السابق، ص 60.

(13) أبو الطيب المتنبي: الديوان، دار بيروت للطباعة والنشر ص 331-332، بيروت، 1983.

(14) عمر بن أبي ربيعة: الديوان، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1996، ص 32-33.

(15) هربرت ريد: طبيعة الشعر، ترجمة عيسى علي العاكوب، وزارة الثقافة، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1997، ص 64.

D 29 شباط (فبراير) 2020     A أحمد الصغير     C 1 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  ملف: مقتطف: اقتصاد الاحتلال

2.  كهنة الشعر : عبد القادر الجنابي

3.  الحقيبة

4.  دلالات الماء في شعر عبد الكريم الطبال

5.  كلمة العدد الفصلي 15: الكتب والقصص الصوتية: هل هي بديل مناسب للقراءة؟


القائمة البريدية