أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 4: 37_47 » العدد 43: 2010/01 » المسار الروائي لمحمد ديب (*)

كريمة الإبراهيمي - الجزائر

المسار الروائي لمحمد ديب (*)


(*) روائي جزائري. كتب بالفرنسية. ولد في تلمسان عام 1920، وتوفي في فرنسا عام 2003.

.

يُعتبر الروائي محمد ديب من أهم الروائيين الجزائريين الذين يكتبون باللغة الفرنسية. فقد عاش هذا الروائي الفترة الاستعمارية للجزائر، وعبر عن معاناة الشعب الجزائري بلغة المستعمر. هذه اللغة التي أكد على أنه كان مدفوعا للتعبير بها. وكان أن كتب مجموعة من الأعمال الروائية لم تخرج عن هذا الإطار.

ولعله من الصعب تحديد رؤية فكرية خاصة بالكاتب نظرا لأسباب كثيرة، أهمها أن الكاتب يظل يتغير ويتطور ولا يستقر على رؤية محددة. ومن هنا فإن الكاتب يتأثر بكل ما يحيط به خاصة تلك الظروف التي يجد نفسه مرتبطا بها، كالظروف التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

ومحمد ديب من الكتاب الذين ارتبط تاريخهم بظروف الجزائر وعلى كل المستويات السابقة الذكر، إذ ولدت أولى أعماله الأدبية في خضم نضال الجزائر.

يتتبع هذا المقال المسيرة الروائية لمحمد ديب لرصد رؤيته الفكرية، انطلاقا مما طرحه في رواياته الكثيرة. وسوف يتناول المقال الروايات التالية:

=1= الدار الكبيرة (La grande maison)

=2= الحريق (L’incendie)

=3= النول (Le métier a tisser)

=4= صيف إفريقي (Un été Africain)

=5= من يتذكر البحر (Qui se souvient de la me)

=6= مسيرة على الضفة المتوحشة (Cours sur la rive sauvage)

=7= رقصة الملك (La danse du roi)

=8= إله في الهمجية (Dieu en barbarie)

=9= سيد القنص (Le maitre de chasse)

محمد ديبكتب محمد ديب في فنون أدبية متنوعة كالرواية والقصة والمسرحية والشعر والمقالة. وكان أن صار من أهم الكتاب العالميين بفضل هذه الأعمال وخاصة منها الروائية.

حين شرع محمد ديب في كتابة الرواية كانت الجزائر تمر بأقسى مراحلها التاريخية وهي مرحلة الاستعمار الفرنسي. وفي خضم هذه الظروف كان لا بد من الكتابة لأجل إيصال صوت الجزائر إلى المستعمر ولو كان ذلك بلغته. وهكذا كانت مرحلة الخمسينات تصويرا لآلام الشعب الجزائري وقسوة الاستعمار، فقد رسم ديب هذه الفترة في رواياته الأولى التي جاءت تحت اسم الثلاثية وهي: الدار الكبيرة والحريق والنول.

الدار الكبيرة (La grande maison)

تُعتبر الرواية الأولى للكاتب، صدرت عن دار لو ساي (Le seuil) عام 1952. وقد أشار الكاتب إلى صعوبة النشر في تلك الفترة الحرجة إذ يقول:" لم يكن ممكنا آنذاك للشباب الجزائري هواة الأدب أن ينشروا كتبا فكان ذلك عالما محرما. وهذا لا يرجع لكوني كاتبا ناشئا بل لكوني جزائريا"(1). والدار الكبيرة هي الجزء الأول من ثلاثية الجزائر وتتناول مجموعة أحداث تدور في دار سبيطار وهي دار كبيرة بمدينة تلمسان تسكنها مجموعة من العائلات الفقيرة، وهذه الدار قد استعملت كمستشفى خلال الحرب العالمية الأولى. وفي هذه الدار تسكن عيني الأرملة التي تتكفل بعائلتها المكونة من عمر الصبي وأختيه عويشة ومريم ووالدتها المقعدة. وعمر هو بطل الثلاثية التي تتناول البؤس الذي تعانيه فئات الشعب الجزائري إبان هذه الفترة. ونلتقي بالبطل الثوري حميد سراج الذي يمثل البدايات الأولى للتفكير الثوري. وتدور أحداثها بين 1933-1939.

الحريق (L’incendie)

هي الجزء الثاني من الثلاثية. وقد صدرت عن نفس الدار عام 1954 أي سنة انطلاق الثورة التحريرية. إذ تنتقل الأحداث إلى خارج تلمسان بإحدى القرى حيث تدخل عالم الفلاحين الذين سلبهم المستعمر أرضهم وصاروا أجراء فيها. وفل ظل هذه الظروف يقررون شن إضراب وقد أحرقت الأكواخ ويكون الصبي عمر شاهدا على هذه الأحداث، ويظهر هنا الوعي الذي بدأ يسري تمهيدا للثورة الكبرى. وقد جرت أحداثها بين 1939-1940.

النول (Le métier a tisser)

هي الجزء الثالث من الثلاثية وقد ظهرت عن نفس الدار عام 1957. وهنا يصبح عمر شابا ويلتحق بمصنع النسيج إذ تجري الأحداث في عالم العمال في هذا المصنع ويزداد كرههم لظلم رؤسائهم المعمرين ومدى الظلم الذي يعانون منه. وقد تناولت هذه الرواية الفترة بين 1941-1942.

صيف إفريقي (Un été Africain)

هي الرواية الرابعة للكاتب، صدرت عام 1959 عن نفس الدار. في هذه الرواية واصل ديب الحديث عن الثورة الجزائرية، إذ قدم لوحة شاملة للجزائر بمختلف فئاتها: مثقفين، فلاحين، موظفين، عمال وموقفها من أحداث الجزائر المتمثلة في العمليات الحربية عبر الوطن دون إهمال الحديث عن واقعها اليومي. إنها الثورة التي مست كل شيء فيقول الكاتب: "لا أحد منا يستطيع أن يغير وحده ما هو كائن"(2). ومنه فإن هذه الرواية قد روت قصة الشعب الجزائري في مرحلة الثورة بأسلوب واقعي يصف الأحداث. وما يُلاحظ على هذه الرواية أن الكاتب قلل من وصف الأحداث بدقة كما فعل في الثلاثية.

مـن يـتــذكر الـبـحــر

(Qui se souvient de la mer)

صدرت هذه الرواية عن نفس الدار عام 1962. ولم تبتعد عن نفس الخط الذي بدأه الكاتب وهو القضية الجزائرية. ولعل المختلف فيها عن الروايات السابقة هو طريقة طرح الموضوع. تقوم الرواية على صراع قوتين: السكان الأصليون المقيمون تحت الأرض والمستعمرون الذين يسكنون بناءات جديدة. بطلة الرواية هي نفيسة زوجة الراوي التي تحمل بداية جديدة لجزائر جديدة.

مسيرة على الضفة المتوحشة (Cours sur la rive sauvage)

كان صدورها عام 1962 عن نفس الدار. فبعد الرواية التي سبقتها حاول ديب أن يقترب من القضايا الإنسانية عموما ليطرح قضايا الخير والحب وغيرها دون أن يبتعد عن الجزائر. تتناول الرواية قصة حب بين ايفان زهار وراضية إذ يحول بينهما أمر فلا يرتبطان. وتبدأ رحلة بحثه عن هذه المرأة. انه بحث ينقذه من العدم، وكلما التقى بهذه المرأة تضيع منه من جديد إلى أن يلتقي بامرأة تشبهها تدعى Héllé وهي امرأة أجنبية وتختلط صورة المرأتين بذهنه، وحين يعرف أن هالة ليست هي راضية يكون قد تعلق بهالة وفات أوان العودة إلى راضية. وتختلط الأشياء في مخيلته: راضية وهالة. الأم/الجزائر، والزوجة/الأجنبية. انه عالم محمد ديب الروائي الذي يقوم على الجزائر بكل ما فيها، انه البحث عن الوطن: تراه المكان الذي نولد فيه أم هو المكان الذي نرتبط به إذ نقيم فيه ونواصل الرحلة.

رقصة الملك (La danse du roi)

عن نفس الدار صدرت الرواية عام 1968. وفي هذه الرواية يعود ديب للحديث عن الوطن مما يؤكد التزامه بالخط الذي سارت عليه أعماله الروائية السابقة. وهنا ينتقل الكاتب إلى الحديث عن الجزائر بعد الاستقلال. فأبطال الرواية عايشوا الثورة واكتشفوا سهولة الحياة أثناء الثورة وتغيرها بعد الاستقلال. وإذا كان العدو بالأمس واضح فإنه اليوم ليس كذلك وصار من الصعب الحصول على السعادة.

تطرح الرواية مشكلة المرأة/المجاهدة التي صعدت الجبال ولكنها تكتشف صعوبة الحياة بعد الاستقلال. فشخصية عرفية المجاهدة التي تلتقي ب رضوان المجاهد أيضا في رواية أحداث تدور حول الذكريات والأحلام، وأثناء رواية هذه الأحداث تتدخل شخصيات أخرى كسليم الذي كان موته نتيجة البرد، وشخصية باسل الذي استشهد أيضا أثناء الثورة بحضور عرفية. ويستحضر رضوان ذكريات طفولته وموت والده وحبه لكريمة ومغامراته البطولية. ويلتقي رضوان وعرفية بالرجل القزم الذي يقودهما لحضور عرض عرائسي ويروي لهما أنه دعي إلى حفل ساهر بالقصر ولم يفتح له الباب فتنكر في زي جميل وفخم ليتمكن من الدخول. وأثناء لقائها بهذا القزم تضربه بقوة في لحظة غضب وهي تصرخ: "الشعب آه الشعب. انه يصلح فقط لأن يموت في الجبال ويشد الحزام. لكن أن يستفيد من الحياة. لا يصلح أبدا. لنستطيع العيش. هل تفهمون؟ القضية بسيطة: السعادة"(3). وأثناء ذلك تقتله فيحكم عليها بالسجن ثم تتهم بالجنون وتقاد إلى مستشفى المجانين.

إله في الهمجية (Dieu en barbarie)

عن نفس الدار أيضا صدرت هذه الرواية عام 1970. وقد أشار كاتبها إلى أنها الجزء الأول من ثلاثية جديدة تناول الجزائر بعد الاستقلال. تقوم الرواية على شخصيات خمس هي برشيق الطبيب المشتاق لرؤية تطور في أذهان الناس، وكمال المحب للنظام والساعي إلى تطبيقه والمتعاون الفرنسي جون ماري ايمار الذي يرى للجزائر مستقبلا زاهرا، وسي عز الله المرتبط بالماضي ارتباطا وثيقا، وحكيم الذي يعتبر شخصية هامة في العمل. تجسد هذه الشخصيات واقع الجزائر بمختلف فئاته بعد الاستقلال. يقول الطبيب برشيق: "ليس للجزائر الاختيار لأن تكون أو لا تكون تحت حماية القوى العظمى، إنها ملزمة بأن تطلب المساعدة فيما لا تستطيع صنعه"(4). فهو يؤمن بالتعاون مع الأجنبي. أما كمال، نائب الوالي، فيواجه بربرية الفلاحين ويريد إدخال الطرق الحضارية. أما حكيم الذي سمى نفسه شحاذ الإله فيرى أن الدين الإسلامي يمكنه من الحصول على ثروة، والمقصود هو الدين الإسلامي الذي يعتمد على القداسة وليس السياسة وهو القادر على إخراج الفلاحين من همجيتهم. إن حكيم يسعى إلى جعل الإنسان يواجه الواقع ليجد مخرجا لنفسه من هذه الوحشية. وهذه الرواية تمثل رؤية الكاتب تجاه التعاون الجزائري/الأجنبي ليؤكد العلاقة بين الطرفين في ليونة.

سيد القنص (Le maitre de chasse)

صدرت الرواية عام 1978 عن دار لوساي وهي الجزء الثاني من الثلاثية الثانية. وفي هذه الرواية نجد شخصيات الرواية السابقة وقد تطورت، فيزداد كمال كبرياء وتجبرا ويزداد حكيم اهتماما بالفلاحين ومساعدتهم.

تطرح هذه الرواية إشكالية مجتمع واحد تتصارع فيه قوتان، وتختلف القوتان كليا من حيث طرح مشاريعها الإصلاحية. فواقع الفلاحين لا يخدمه النظام القائم على البيروقراطية وإصدار القرارات. ويتحدث كمال عن حكيم الذي كانت ضحية هذا الصراع فيقول:" لقد قتل نفسه وهو ذاهب لمواجهة الحقيقة. لقد انكسر لأنه لا يوجد هنا مكان لحقيقتين، ولا في أي مكان آخر"(5). وهكذا تتصدى السلطة للنظام الذي يتزعمه حكيم والذي يخدم الفلاحين ومشاكلهم، ويموت حكيم ولم تتمكن السلطة من الحصول على جثته. لقد قام الفلاحون بإخفاء جثته واعتبروه شهيدا وراحوا يتضرعون إليه بعد أن بنوا له قبة وتحول إلى ولي يحميهم. إن رواية سيد القنص تطرح مصير الجزائر بعد الاستقلال.

لقد طرح محمد ديب في هذه الروايات رؤيته لأوضاع الجزائر أثناء الفترة الاستعمارية وبعد الاستقلال. وهذه الأعمال تؤكد ارتباط الكاتب بما يجري ببلده ومواصلة مسيرته الأدبية. وبهذا فإن محمد ديب يعتبر من الروائيين الجزائريين الذين كتبوا هذا الكم من الروايات والتي شكلت رؤية واحدة. ورغم اللغة الفرنسية التي كتب بها فإن ذلك لم يمنع من طرحها للواقع الجزائري ومحاولة ولوج أعماق الشخصية الجزائرية. وهكذا فإن الروائي محمد ديب ومن خلال هذه الأعمال التي نقلته إلى العالمية سيظل ممثلا للرواية الواقعية الجزائرية، وستظل رواياته أيضا شاهدا على مرحلة هامة من تاريخ الجزائر.

= = =

هوامش

(1) الأطرش، يوسف. المنظور الروائي عند محمد ديب. ص 85.

(2) Un été Africain. p. 35.

(3) La danse du roi. pp. 172-173.

(4) Dieu en barbarie. p. 123.

(5) Le maitre de chasse. p171.

JPEG - 13 كيلوبايت
غلاف: محمد ديب
D 1 كانون الثاني (يناير) 2010     A كريمة الإبراهيمي     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  فتح الأسواق العربية أم اللجوء إلى الترجمة؟

2.  على شرفة الوحدة

3.  مفهوم التناص: المصطلح والإشكالية

4.  هو: نصوص قصيرة

5.  مقارنة