فنار عبد الغني - لبنان

قمرنا أحلى


فنار عبد الغنيأضاءت القنديل فهربت بعض خيوط الظلمة. بالكاد رفعت قدميها المتهالكتين وداست بخطى متهامسة في الرقعة الضيقة داخل الشادر. نقلت قدميها المتشققتين بحذر شديد، كانت تخشى استيقاظ أحد الأفواه الجائعة التي تكتظ بها الشوادر والتي أذعنت لسلطان النوم بعد عناء.

خارج الشادر سرحت تنهيدات غير مكتومة، أمسكت بالقنديل ووضعته فوق الحصى. لا شيء جديد تبصره في هذه الظلمات، الشوادر تحيط بها من كل جانب. يصل إلى مسامعها آلاف الأنفاس الهاربة من الشوادر المغلقة، سعال متقطع، ولهاث مخنوق، وتأوهات مكتومة، صرير أمعاء خاوية، وعواء حيوانات لا تقترب منهم، ربما لأنها تدرك بفطرتها أن ما تشتمه ليس سوى عظام بشرية نخرتها النكبة وسوف تبليها وهي حية.

تلتف الأصداء وتتجمع حول نفسها في هذه الرقعة المكدسة بالجائعين والمنهكين والمحاطة بالبلان الطويل والكثيف، وتتصاعد إلى الأعلى وتختلط بأصوات الحيوانات الجائعة الشريدة والضالة، وتمتزج بها، فتصبح كلاً ضائعاً في ظلمات الليل الواسعة والممتدة في الأعالي البعيدة.

يصطدم بصرها في الأعالي البعيدة الحالكة، فتنزل عنقها إلى أسفل قدميها حيث ألقت ببذور البندورة بين الحصى، لقد استطاعت تهريب قطعة البندورة الصغيرة من الأفواه الجائعة، وضعتها في فمها، وأطبقت عليها بشدة، مضغت جلدتها السميكة، وألقت بمائها وبذورها بين الحصى دون أن يراها أحد كما ظنت.

لا يكشف الضوء الباهت عن نمو البندورة، لقد حاولت مرارا زرعها في هذه الأرض المليئة بالعقارب والقوارض، ولكن تجربتها لم تثمر شيئا، وبالرغم من ذلك فهي عازمة على إلقاء بذور البندورة كلما نجحت في الاحتفاظ ببقاياها بين فكيها وتهريبها من الأفواه الجائعة التي تنتظر بزوغ الفجر من أجل إطعامها قبل المضي إلى عملها في قطف الخضار وقطع المسافات الطويلة سيرا على الأقدام ذهابا وإيابا.

في قريتها الطيرة، كانت بيارتها على مقربة من بيتها الطيني، كانت بالكاد تلقي ببذور الثمار والخضار في الأرض، فتنطلق تنمو مسرعة تتسابق فيما بينها فتسبق الزمن. كانت تعجب من قدرتها على النمو، أما هنا فهي لا تستغرب هذا البوار. لا شيء هنا يشبه أي شيء هناك.

"هناك": لا تجرأ هذه الكلمة على الخروج من حلقها والجريان فوق لسانها. أصبحت فلسطين هناك.

لم تُخرج معها في ذلك الليل المشؤوم سوى هذا القنديل الذي لا يفارقها. الليل الذي أخرجوا فيه من قريتهم واستطاعوا سلوك طريق البيارات والهروب من طوق المصفحات والدبابات والقتلة.

هناك في موطنها فلسطين، لا شيء يشبه أي شيء هنا أو في مكان آخر على هذه الأرض. هناك، كل شيء مميز في لونه وشكله وحجمه ورائحته ومذاقه وعمره.

تجلس على الحصى سامحة لدمعتين كبيرتين أن تنحدرا من أعالي مقلتيها وتستبيحان خديها. تشهق شهقة لا حد لطولها، حسبتها قدمت من هناك لتحيي روحها المتعبة.

يأتيها صوت أبو صالح من داخل الشادر:

= أم صالح، وحدي الله.

= والنعم بالله، أنا أتفقد الزرع.

يزحف أبو صالح إلى الخارج، ينقل يديه وقدميه ببطء، ويتابع كلامه:

= أي زرع؟ شو نسيت أنك مش ببيارتك؟ أنت بالكام [المخيم].

= الإنجليز كانوا ببلادنا بالكام، وكان في حواليه زرع.

= لأنهم عملوا معسكراتهم فوق أراضينا المزروعة، هنا أرض بور. افهمي.

= أنت لم تعمل في الزرع. أنت الذي لا...

لم تستطع صبحية إكمال الجملة، سكتت، وحال بينهما صمت موحش ضاعف من وحشة المخيم عليهما.

هو لم يعمل في الزرع، لأنه كان يعمل في ميناء حيفا، ثم ترك عمله وانضم للمقاومين، وأصابه اللصوص المحتلون بعدة رصاصات لا زالت ندباتها في جسده، وآثارها أقعدته عن العمل، وأعجزته عن الحركة بشكل طبيعي.

تمسك بحفنة من التراب، وتقربها من أنفها، ثم تبعدها وتطرحها جانبا وتتنهد:

= رائحة هذا التراب لا تشبه رائحة ترابنا، رائحة تراب مقابرنا أفضل منها.

= رائحة العسكر الفرنسي.

= لقد احترموا أموات العساكر الفرنسيين ودفنوهم في مقبرة جميلة، مزروعة بأجمل الورود، وأحلونا مكان مخلفاتهم.

= هنا لأحد يعرف نفسه، أنا لا اعرف من أكون في هذه الغربة، يقولون عنا إنا لاجئون.

وتأتأت وهي تخرج الكلمة الأخيرة وتابعت:

= في بلادنا، أعرف الأفندي والفلاح والبدوي والباشا والمدني والإنجليزي واليهودي والفدائي، لكن لاجئ، لا أفهم معناها، ولم نسمع بهذه الكلمة قط في فلسطين. هناك، كل شيء أجمل حتى الأسماء والكلمات.

هنا لا تجد حلاوة لأي شيء. كل شيء ألبسته النكبة روحها، فأصبح يتكلم بلسانها، ويتجرع مرارتها.

= يقولون إن هذه الأرض اسمها عين الحلوة. أين الحلاوة فيها؟ منذ أن ألقوا بنا هنا، ونحن لا نتذوق إلا المرارة والشقاء.

تتثاقل المرارة في صدرها وتحشرها وتضيق أنفاسها، ترفع رأسها إلى السماء، فترى القمر الفضي يسبح في السواد. يقول لها زوجها:

= اخفضي فتيلة القنديل فالبدر طالع.

= أي بدر يا رجل؟ حتى قمر هذه البلاد معتم وليس له لون.

= القمر واحد في السماء ويطل على كل البلاد.

= لا القمر ليس واحدا. هذه إشاعة وكذب. قالوا لنا بلادكم لم تعد بلادكم. وأنت تقول القمر واحد، من أين سمعت هذه الخرافات؟ قمر بلادنا كان كبيرا، واسعا، مشعشعا، يملأ الدنيا ضياء، كنا نسير تحت نوره بأمان، نمشي في البيارات، نملأ من العين، نروي الحكايات طوال الطريق، كان وجهه يشيع بالخير، لم يكن صغيرا كهذا القمر المعتم، الجالب للشر. لا تصدقهم يا أبو صالح، كل ما في بلادنا أحلى وكل ما في أرضنا أجمل. وحتى قمرنا المطل الآن فوق الطيرة وحيفا وبحرها هو أحلى الأقمار.

D 23 شباط (فبراير) 2019     A فنار عبد الغني     C 1 تعليقات

1 مشاركة منتدى

كتابة تعليق عام
التعليقات تنشر بعد الاطلاع عليها.

لكي ينشر تعليقك، يجب أن تكتب اسمك وبلدك وعنوانك الإلكتروني. التعليق الجيد يخلق حوارا حول النص أو يساهم فيه. عند التعليق على نصوص الكاتبات ممنوع كتابة أنتي وكنتي ودمتي وابدعتي وما شابه. الصحيح هو: أنت؛ كنت؛ دمت، أحسنت؛ أبدعت.

من أنت؟
نص التعليق

في العدد نفسه

كلمة العدد الفصلي 12: التقدم التقني والبطالة والعولمة الكاذبة

الصوفية في روايتين لغرايبة والقيسي

تجليات الفقد في بيت آسيا لاستبرق أحمد

"خيميائية" الحب والفوضى

كوْرا: قراءة في نصوص من التبت