المهدي كرومي - المغرب

الصرار والنملة

القصة أدناه تعاد كتابتها بصور مختلفة. أدناه تصور الكاتب لهذه القصة الموجهة للصغار.

المهدي كروميالنملة الحكيمة ولدت في بيئة منظمة، يعشق بنوها العمل من أجل تدبير الذات والوقت. التعليم والدراسة والتجربة والخبرة والحكمة، والتأمل والنظر والتبصر والتذكر والتفكر والتدبر، كل هذه الآليات التي تنشط العقل وتثلج الصدر، استفادت منها النملة في تدبير الحياة والمعاش، لقد اطلعت من وحي خبرتها أن السنة ليست على شاكلة واحدة، فيها المواسم التي تساعد على العمل، وفيها المواسم التي تعطل هذه المكنة.

الصرار بطبعه ليس من جنس النمل، لعله من جنس الشيطان الذي خلق من نار، متكبر مغرور يرى بعين واحدة فقط، هو ما في أيدي الآخرين، يحسدهم على ما وهبوه، بدلا من استعمال التدبر والتفكر والتذكر والتبصر والنظر والتأمل، يلجأ إلى المراوغة والإغارة في سبيل الهيمنة على رزق الخلق.

عرفت النملة من خلال تأملها، أن السنة تتضمن فصلين مهمين للغاية، هما فصل الشتاء ببرده القارس، وفصل الصيف بجوه الدافئ، من هذا المنطلق نشأ في حسبانها، أن هناك داخلا وخارجا، فقسمت السنة إلى موسمين مهمين، الموسم الأول تشتغل في الحقول، وفي الموسم الثاني تعكف على تنظيم مخزونها داخل الأقبية، من أجل الحفاظ على طعامها طازجا، وهكذا فعلت.

أما الصرار فحكايته حكاية، اهتمامه في وادي آخر لا يمت إلى هذا العالم من قريب، عالم بعيد في واد سحيق، هو فقط صاحب نكتة ولديه قاموس وحيد، هو قاموس اضحك. حين تخضر الدنيا من حوله، ينسى قسوة الطبيعة في نصفها الأول وقت اشتداد البرد وتساقط الثلوج، كما نسي سقوطه ونهوضه المتكرر في البرد الشديد، في الطرق الزلقة غير المعبدة، وكيف أنه نجا أكثر من مرة بسبب عدم وجود القناطر المناسبة.

في الوقت ذاته سيدة الحكمة، تشمر عن ساق الجد، وتبرز ساعد النبل في وادي النمل، حيث من منازلها خرجت بعض حكم البشر، وتطور علم البشر، في سعيها نظر النظار، وجلس الملوك بجانب الطريق ليحموا بلدا، أو يصمموا مدنا، كانت بنت الحكيمة تشتغل وفقط تشتغل.

أما ابن الصناجة فيعجبه العشب والربيع الأخضر، قرب ساقية أو غدير بارد مصفى، تحت الأشجار قرب الوادي، يقسم وقته بين النوم والغناء، وبعض بعض الوقت يلتهم فيه خبزه وشايه، وأحيانا يبتعد قليلا في قليل، يلتقط حجرا يضرب به ثمرة يأكلها بترابها، ليس له وقت للنظافة ولا وقت للجباية.

الحكيمة بنت الحكيمة ليس لها وقت للحكاية، عمل ثم عمل ثم عمل، صممت خريطة الطريق إلى المعبد الأهم، تختار مناطق الرفادة، تبعث منه طحينها وزيتها. يشهد على ذلك الصغير والكبير، القوي والضعيف، أن عمتنا النملة مجتهدة مقتصدة، لا تبالي بعمل الصرار مهما غنى وطرب، بل تنصحه كلما وجدته في طريقها إلى عملها، تبعث فيه الروح وتجمل له الدأب في قلبه، لعله يوما يحب ويعشق العمل، لأن النملة سيدة الحكمة بامتياز، تعلم علم اليقين أن العمل زينة الرجال والنساء، ينبغي أن يتدرب على ذلك الأطفال من بنين وبنات.

يعرف الرجال والنساء الأقوياء في وقت الأزمة، هل يستطيعون الصبر على تحمل المسؤولية، والقيام بالواجب الملقى على عاتقهم. لكن أي قوة وأي فتوة وأي رجولة، لمن غاب عن وعيه في وقت العمل، يوم الناس كانوا يتحركون وينشطون في ميادين الحياة، من أجل بناء الذات وتعمير الوقت بالمفيد، والحصول على النتائج التي تقي النفس من شرور الزمن، وأذية البشر.

كان الصرار في فصل الشتاء يتضور جوعا، ويبحث عمن يسدي له الصدقة، لعل ألم البطن يسكت عنه، ولعل تأنيب الضمير يخفف عنه، لكن هيهات؛ الفطرة تعطي العظة لمن يسمع ولمن لا يسمع، وتجود بنصائحها ووصاياها، سواء تحققت على أرض الواقع أو لم تتحقق، لأن ذلك من جودها ومن عطائها بتوقيع من خالقها.

فيما النملة بنت الحكيمة، خيمت في محاضنها المصونة، تلتهم طعام الجهد والعرق، وتقص على بنيها قصة نبي الله سليمان عليه السلام وجنده العرمرم. أخذت نفسها بالجد تعتزم مسرحة الذكرى، طلعت المنصة وهي تنادي بأعلى صوتها: "يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ"، فصفق النمل على إتقان الدور، وعلى أمهم الجدة التي كانت شجاعة.

وكان قدر الصرار أن يرتمي بين أيدي سيدته النملة: يا عمتي النملة ليس لي من مفر، سوى أن تجودي بما تستطيعين الجود، أنا جارك الذي ألم به الجوع، في هذا الصقيع والبرد الموجع، أنا الذي غنى وصدح في وقت كان أولى به العمل، وعندما تبين الأمر تزاحم على بابي القدر والحذر، وكان الحكم بينهما جوعي. فما تقولين يا سيدة الحكمة والتدبير، يا سيدة العمل والوقت.

هذه المسلمة الربانية في وقت الشدة ترحم، حين لا يغني حذر من قدر، تجود بالفضل من مالها الذي أعطاها الله تعالى، فقد نصحت يوم تنفع النصيحة، وقد وعظت في وقت ينفع الوعظ. والآن لا يمكن إلا أن تزكي من مالها حتى يطهر، ولا بد أن تتصدق حتى يباركها الرب في الأرض، هي تعرف أن الرقي فكرة وعمل وعطاء.

وشاهد الناس الصرار يحمل على رأسه طعاما من الحنطة، يكفيه لشتاءين؛ فرح بذلك وسر، وتخيل نفسه يجوب شوارع المدينة بصناجته، يتلو مزاميره، ويغني ويطرب. وسرعان ما نسي المهانة والمذلة بوقوفه أمام الأبواب يمد يديه، وهي قادرة على العمل.

أما النملة فكانت تخطط للمصيف التالي. أين تضع فائض السنة؟ وما هي الحقول التي تبدأ بها؟ وما هي الحقول التي تنتهي بها؟ وما هي الشبيبة التي يمكن تدريبها على العمل، وتعد المتمدرسين للسنة المقبلة، والمحلات الجديدة للمواليد الجدد؟ كل هذا في تدبير محكم، يصنعه جميع من بلغ، فلا بطالة في عالم النمل.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3149123

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC