عبد الكريم عليان - فلسطين

الفلسفة في قصائد النثر في غزة

الموضوع أدناه مقتطف من ورقة قدمت في مؤتمر قصيدة النثر الذي عقد في غزة في شهر شباط/فبرابر 2014.

عبد الكريم عليانلعل الكتّاب جميعا يقفون حائرين أمام السؤال الأهم في حياتهم، وهو: لمن نكتب، إذا لم نجد قراء؟ وربما في غزة تظهر هذه الصورة أكثر من أي مكان آخر نتيجة للظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها المجتمع الغزّي منذ ردح طويل من الزمن. لكن ماذا لو عكسنا السؤال ليصبح: ماذا تكتبون كي نقرأ؟ هو نفسه كان سؤال النقاد في أواخر القرن الماضي، حيث اتهم الفن بأنه يمر في أزمة، وينساق لنزعة "اللاأنسنة"، ويحرق وراءه كل الجسور التي تربطه بعالم البشر.

لكن العكس هو الصحيح تماما، فما يسمى أزمة الفن هو في الواقع فن الأزمة. والخطأ يكمن في بث ونشر براهين زائفة، حيث تكون الفجوة القائمة بين الفنان والجمهور هي الدليل على "لاأنسنة" الفن، أي أن الجمهور خضع للاأنسنة وليس الفنان؛ فالجمهور صار مجموعة كائنات كفّت أن تكون بشرا، بل مواد نمطية خلقها التعليم القياسي، ومحشورة في المكاتب والمصانع، وتثيرها كل يوم الأخبار المعلنة والتي تبثها في العالم المراكز الإلكترونية. وبالطبع هذه الكائنات شوهتها وشيأتها الفضائيات الإعلامية وما شابهها من المواقع بما تبثه من أخبار وفنون سوقية.

أما الفنان، وكذلك الكاتب المبدع، فهو وحيد بحكم الواقع، ومن خلال عجزه عن التكيف ونزعته التمردية وجنونه، وقد حافظ على الخصلة الإنسانية الأكثر قيمة.

هدف هذه الدراسة استكشاف التعبير أو الومض الفلسفي الذي جاء في قصائد النثر التي نشرت في غزة منذ عام 2000. ومن الطبيعي أننا لا نستطيع حصرها جميعا. ولذلك، نعطي أمثلة على فكر الشعراء الحداثيين، حيث أن الفلسفة وأعمال الفكر ارتبطت بالشعراء ارتباطا وثيقا لدرجة أننا لا نكاد نميز إن كان الشعر قد سبق الفلسفة، أم أن الفلسفة قد سبقت الشعر.

أشرنا إلى علاقة الفلسفة بالشعر لعلنا نهتدي من خلالها إلى ما ورد من ومضات فلسفية في قصائد النثر التي صدرت في غزة بعد العام 2000. وتجدر الإشارة إلى أن قصيدة النثر في غزة ازدادت بشكل ملحوظ، حيث كان شعراؤها لا يزيد عددهم عن عدد أصابع اليد الواحدة. أما اليوم، فقد فاق عددهم العشرات. وتركز الدراسة على ما استطعنا جمعه من قصائد سواء نشرت في دواوين شعرية، أو أرسلت لي من قبل عدد من الشعراء الغزّيين. وشملت أكثر من أربعين ديوانا صدر بعد عام 2000، وعشرات القصائد الحديثة.

ونحاول هنا إظهار الجمل الفلسفية التي وردت كحكم، أو أفكار ذات مضامين جوهرية تكشف لنا ما يرومه الشاعر، ودرجة السمو التي يمكن أن تمنحها له تلك الحكمة.

الشاعر إياد بلعاوي في قصيدة بعنوان "الرسالة الأخيرة قبل لا شيء" يقول:

"صار للمنفى بداخلنا صدر دافئ مثل عينيك وحزني/الكون سر تسكنه خطايانا/لا تسمحي للقصف أن يلغي براءتك. بات حزنك موطني"(1).

المنفى لدى الشاعر، كما لدى الفلسطيني بشكل عام، متوقع في كل لحظة وإن كان يعيش في فلسطين، إذ أن المنفى يستوطن القلب كما يستوطنه الحزن، فالحالة الفلسطينية مزمنة ومربكة، وتدفعه للاعتراف بأنها صارت سرا غير معروف من الخطايا التي باتت تؤرق الكون، وتظهر هذه الحالة بشكل أكبر وقت الحرب التي لم تفارق غزة وشعبها؛ فيخاطب الشاعر حبيبته التي هي الوطن فيطالبه بأن لا يسمح للقصف أن يمحي براءة الوطن المعشوق.

في قصيدة أخرى لإياد بلعاوي بعنوان "الأعمار متروكة على الأسفلت"، يقول:

"ربما يترك لنا الرصاص مساحة للهو في شارع القلب أو باحة الذاكرة/يفر الوقت منّا، فكيف سننتج موتنا؟"(2).

شاعرنا يعبر عن حالة عبثية لأهل غزة عندما يحدث فيها الموت بفعل الرصاص أو القصف من العدو، إذ يسارع من في محيط الفعل إلى الحدث، دون خوف من موت آخر، ودون حساب للحياة أو شيء آخر، مما دفع بالشاعر ليسأل: "كيف سننتج موتنا؟".

الشاعر هاني الحنفي اعتاد أن ينشر ومضات شعرية على مواقع التواصل الاجتماعي. أرسل لي مجموعة منها، فاخترت من بينها:

"عليّ أن أكون حرا، كي أشعر بعبوديتك. بشرط ألّاّ تشعر أنني سيدك!"

يلعب الشاعر هنا على المتناقضات، كيف يكون حرا إن لم يكن هناك عبد؟ إن لم يكن هناك عبد، فهل يشعر بأنه سيد؟ إنه ينسف هذه الفكرة عندما يشترط ألا يشعر العبد بأنه معبود، لأن سيده يقرر أنه إنسان وهنا ينتهي الفارق بينهما.

وفي ومضة أخرى يقول:

"عندما تواجه الأقنعة المرايا/حينها يكون العالم تلميذا/والفيلسوف أميّا/والحكيم جاهلا/والشاعر صامتا/ وأنا ... إنسان".

يسخر الشاعر هنا من المجتمع الذي يقوده المزيف، فيصبح فيه العالم تلميذا، والفيلسوف أميا، والحكيم جاهلا، ويصمت الشاعر. يبدو أن شاعرنا يصف مجتمعنا الغزي الذي تتضح فيه هذه الصورة بشكل بات معروفا للجميع. إذ أصبح كثير من مؤسساتنا يقودها أناس غير مؤهلين، حتى تلك التي تحتاج لتأهيل أكاديمي، وكذلك قيادات الأحزاب والفصائل.

مقطع آخر من ومضات هاني الحنفي يقول:

"وتسألين: ما وظيفة الشعر؟/إعادة تشكيل ملامحنا بين السماء والأرض/وهل تستطيعون؟/.../وهل أشعارك تشبهك؟/يشبه الشاعر قصيدته الأخيرة قبل موته/أنت متعب!/وأنت قصيدة".

الصورة الفلسفية والهدف منها واضحان تماما حيث يقرر الشاعر أن الهدف من الشعر إعادة صياغة الإنسان. وإذا وضع الفيلسوف الأول أفلاطون شكل الإنسان في جمهوريته المثالية؛ فهل يلائم ذلك الشكل الظروف الحالية؟ هو نفسه سؤال الشعراء وسؤال الفلاسفة. هاني الحنفي في ومضته يحاول الإجابة، إذ يقول: "يشبه الشاعر قصيدته الأخيرة قبل موته" دلالة على استمرار السؤال، فيموت الشاعر وتبقى الأسئلة.

مقطع آخر يقول هاني الحنفي فيه: "وجه المرأة؛ لا يؤدّي إلى الفتنة دائما، لسان الرجل؛ يؤدي إلى المصائب غالبا، من منهما أجدر بالحجاب؟" في هذه المقطع تهكم واضح كثف فيه كل ما ورد من فتاوى ضد المرأة، ودفعنا للتساؤل عما يفتيه الرجل بحق المرأة؟ والحجاب الساخر الذي أراده هو لجام يغلق به فم الرجل الذي يؤدي إلى مصائب، وفم الرجل الذي يفتي بالخراب ومن منطلق ذكوري. ولعلّ ومضات الحفني لما فيها من عمق أصيل تقترب مما يسمى شعر (النانو) الذي بدأ ينتشر حديثا.

الشاعرة صباح القلازين في قصيدتها " النافذة الثانية " من ديوان نوافذ تقول:

"مهرولا/بين الصفا والمروة/أنفقت عمري باحثا/عن عين ماء/وعندما ظهرت يا حبيبي/تفجرت بين يدي عين زمزم "(3).

اعتبرت البحث عن حبيبها المفقود مثلما ذهبت هاجر في أسطورتها للبحث عن الماء حيث كانت تراه سرابا إلى أن ظهرت لها عين زمزم.

وفي "نافذتها السادسة"، تقول:

"أنا المسيّج بالبكاء/أنا الموشك على الغروب كنجمة/أقتاد حزني كالضرير في هذه الصحراء".

وفي النافذة الثامنة تقول: "صيادي الوسيم يطير خلفي/فكيف ترى سينجح باصطيادي؟"

وفي نافذتها العاشرة، تقول: "النوافذ مشغولة بشبق الانتظار/..../كم أربكني هذا التيه الموغل في أجوبتي/.../إنبشني حتى آخري/.../أتيه عشرين عاما/وسيناء جديدة تلتهمني"(4).

شاعرتنا صوت أنثوي بامتياز تعيش في مجتمع محافظ بدرجة كبيرة، وهي مثل أي فتاة في مقتبل العمر تنتظر الآخر/شريكها في صحراء مضاربها مجهولة لدرجة أنها تاهت فيها عشرين عاما، دون هداية بشريكها، ونظرا لأنها في غزة المجاورة لصحراء سيناء المخيفة، أسقطت أسطورة "التيه" التي قد تلتهم من عمرها عشرين سنة أخرى، متشحة بالحزن كل ذلك العمر، كما تؤكد ذلك في قصيدة لاحقة من نفس الديوان بعنوان: "امرأة تراوح في الضباب"، تقول فيها:

"سرمدي حزننا/والحزن يولد من جديد/.../وأصابع امرأة تلم ضفيرة لحكاية قد بعثرها الريح/.../من يسند العمر المطل على الغروب؟"(5).

الشاعرة عائدة حسنين في قصيدتها "أعز الناس" من ديوان "عناق الوردة" تقول:

"لي أبواب موصدة ونافذة/ورغم السجن والسجان/لي قصر من الماء/ولي حلمي/ولي سرب حمائم يمرح هنا في القلب يبتهج/أعز الناس والمجد/هو الشعر"(6).

تشترك عائدة حسنين مع صباح القلازين، ورغم أنها متزوجة ولديها أولاد إلا أنها تعاني من ظروف غزة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلا أنها تؤكد أن صداقتها مع الشعر هو من يعزي غربتها، بل إن الشعر هو هدفها الأول رغم السجن (غزة) والسجان. وتؤكد ذلك في أكثر من قصيدة من قصائد ديوانها، فها هي تقول: "من حرير أصابعها الحرير وقلبها الحكايا/تغفو على أجنحة القصيد/وجدائل الزنبق والنور والورق".

أما قصيدة "نشيد" فتقول فيها: "البكاء حديث القلب وصرخة الأحياء/دمع ينزل صافيا بحرا ونشيد الألم".

ثم تقول في قصيدة "الصبر": "رمز الإيمان/الصبر تاج وصدق ونجاة إحسان".

وفي قصيدة "زهرة عتيقة" تقول: "في ساعات الملل/أجلس قبالة زهرة عتيقة/في المزهرية/في العتمة/فلربما أراني"(7).

قصائد شاعرتنا ومضات سريعة منفردة خفيفة تتلبس الشاعرة في يومها العادي كامرأة وأم وربة بيت وجارة تعيش في حي من الأحياء الشعبية أو في مخيم من مخيمات غزة تسجلها كيوميات على الورق الذي تحبه في سجنها الذي لا مفر لها إلا أن تحبه أيضا، كما في قصيدتها على لسان امرأة شرقية:

"أهذا الحب في الشرق؟/فماذا يبقى للموت؟/وماذا يبقى للموت؟/وماذا يبقى للثأر؟/إذا ما نحن نحياه هو الحب"(8).

الشاعر فادي الشافعي في باكورة أعماله من ديوان "ليس مصادفة ما يكتب" نقتطف ما يلي من قصيدة "لعلها أمطرت":

"صوتك المائيّ لم ينزل خفيفا علي هذا اليوم/هل جفت سماؤك ونسيت النهر؟".

في قصيدة "محاريب القصيد" يقول: "تفضحك سردية اللغة في سرية الوجوه الفيسبوكية/.../مؤمن قوي جدا أنت حين تقيم عود الدين في محاريب قصائدك".

وفي قصيدة "غربة غريبة" يقول: "الغربة أن تتمشى في شوارع بيت لحم، مدينتك، وأنت لا تعرف من هو المسيح".

وفي قصيدة "حديقة" يقول: "من أي قبيلة أنت؟ كي أضع ضفائرك عناوين في خواصر الكتب".

ويقول في قصيدة "بياض الثانية عشرة ليلا": "أكثر النساء رشاقة. أكثر النساء جرأة في البوح عن عمرها".

وأخيرا من قصيدة "ليس مصادفة ما يكتب": "وعرضت القصائد على البيوت والأشجار، فأبين أن يحملنها وحملها الشعراء/.../قصائدي وسعت كل شيء ولا أكتب الشعر إلا للغاوين"(9).

فادي رغم حداثة سنه إلا أنه يملك تجربة شعرية تميل إلى روح فلسفية متأثرا بالتراث الديني والميتافيزيقي والحالات الإنسانية التي تثير الأسئلة والشك. منذ البداية يكون له ثقافة فلسفية كما هو واضح في ديوانه الأول الذي قدمه للحصول على عضوية اتحاد الكتاب قبل عامين، ولم يتسن لنا الاطلاع على ما كتبه فيما بعد.

ونقتطف هذه العبارات للشاعر علاء الغول من القصيدة الأولى في ديوانه "حكاية من الشارع الخلفي":

"نزرع في صفوف الغيم أودية تفيق على نسيم الكستناء/..../لا اصدق أن ساحلنا كبير مثل أحواض القرنفل/..../يحتد الخلاف على الدقائق قبل تفجير الخيانة/أيهم يده ستسرع بالمصافحة؟ اعترافا أن موتانا أساءوا للجميع/وأن رايات الرجوع أوانها قبل القيامة/..../البحر يأكل نصف أعشاش الغيوم/وإن عبرت دوائر الفرح الكبيرة/تاركا للشمس أن ترث القرى وغرابة البلور/..../هل أنا باق لأحفر في خدود البرتقالة شارعين من الهواء وفي ابتسامات القرنفل شاطئين؟/..../لا ينبغي إبداء رأي في الحياة/أعيشها متناثرا بيني الغداة وبين أحلامي غدا/وأضيع بين قشور أضواء الطريق وفي دوائر لا تدور إلى الوراء كما اعتقدت، غدا أقاتل ثم أحمل وردة/..../وأنا سأبدأ إن رجعت، وإن وجدت مدينة أخرى، وأخرى لا تزال تحبني ببرودة كالشمس"(10).

حكاية علاء هي الوجه الآخر للواقع السياسي المؤلم الذي لم يحقق له ما أراده، إذ حققت وهما كمن يحفر أودية في صفوف الغيم. يتهكم علاء من صغر الوطن الذي يشبه حوض قرنفل، أو برتقالة يمكنها أن تتسع لشارعين! كل شارع منهما يتهم الآخر بالخيانة. فتضيع أحلامه القديمة، ولا تعطيه مجالا لأن يبدي رأيه فتدفعه للبحث عن مدينة أخرى حتى لو كانت باردة؛ فشمسها تعطيه بعض الدفء.

ديوان علاء يتألف من قصيدتين: الأولى كانت وصفا لأحلامه التي لم تتحقق ليبحث عن غربة تمنحه بعض من الرضى الذي قد يجده في قصيدته الثانية المفعمة بالنستالوجيا [الحنين] كتعويض عما خسره، وحملت عنوان "مواقيت الشتاء وأغنيات البرتقالة"، وورد فيها:

"مضى ما ليس يرجع وانتهت أشياء أخرى/..../آخر الظل الممدد تحت نافذة الفصول/..../يعيدها تشرين كاملة.../لها شعر وخاصرة من الغيم المضيء على شفاه البيلسان/..../يا غربة لا بد منها، كيف لا، وحكاية الملح القديمة لا تزال على جفوني، لو هنا يقف المكان وينتهي زحف الثلوج/..../أنا الوحيد على جدار الكون تدفعني النجوم إلى فراغ مدهش/خلفي خيوط من غبار اللازورد ولا زمان هنا فأكبر مرتين/..../مقاعدنا القديمة دافئة وهذا الليل يؤلمني يحاول نزع أجنحة النجوم ليطفئ الكلمات"(11).

الشاعر محمد الزقزوق أرسل لي نصوصا مفتوحة نقتبس منها التالي:

"أنت صوت آهات الجياع يطرقون باب الله , تقفين على مسافة وسط وتوزعين الحب والكعك والماء على المخلوقات بالتساوي/أمسد شعرك والغيم وأرعى خطواتك فوق الطرقات/أذوب في الماء لينطفئ الحريق وأدمى في القصائد ليكتمل القصيد/أريد هلالا حانيا لليل حبيبتي وغيما من غناء ولتمطر جبهتي عليها غناء وقصائد/على مدخل العشرين تبتسمين كزنبقة بعرش الربيع تنادين والصوت ملك الهواء وساعي البريد/علي مدخل العشرين , تخضّر الحدائق على نهديك مساحة عشب وماء وظل يفيض/وعرس بقلب ينز حنينا وطينا من جبة ادم وتفاحة كالتي بدأت منها الحياة وملحا لبحري وبحري مديد/القصائد غجرية الشعر حادة المازج ,طويلة الأظافر تواصل السير وتزين نفسها لميلاد جديد من هذا الموت , وترسم على جلود الحاضرين ظلالا وسيولة أغاني".

الشاعر الزقزوق شاب في مقتبل العمر. ومثل معظم الشباب في غزة المحاصرة بالتقاليد والموروث القديم والحكم الذي يتبنى تلك المفاهيم، بنى له عالما آخر في وصف حبيبته، حابسا نفسه بين جدران قصائده وشعره علها تعوضه مما حرمه الواقع.

الشاعرة منال مقداد أرسلت لي بعض من قصائدها، وأقتبس منها هذه العبارات:

"غارقة في فقاعة انتظار ومسار من ياسمين للمدينة جديد أمتلئ بك... فإذا شوارع المدينة حولي رماد. فيما أروض القلب على النّسيان تحرقني ذاكرة الوقت... ومدينة أصير!/حيث الغناء خير الصلاة أرسم غابة من أغنيات في الهواء/يابس صوت الأغنيات/على عجل. وأنا أرتّل الحبّ وحنينا في ليالي البرد المنسيّة كأنّي أجرّب المدى./أقشّر غيابك لحظة لحظة أهدهد عصافير الانتظار في صدري بحلم الذّاكرة المعتّق وقلبك وأغنيتنا./أقتات الحياة من يد الموت وأغزل من سنابل الطّريق مواسم مزهرة في دائرة العمر وفي عينيّ ألف نافذة تضيء وموعد على كتف الغيب !/أمتلئ بالحاضر أطيل الصباحات بالحدائق وآن أصطدم بالذّكرى والغياب أملأ الهواء بالأغنيات ./للرّيح عويل احتفالي ولي من رقصة الرّيح أغنيتي!/للبرق سيرة في اختلاق النّهار ولي من ظلال السّحب ضوئي في المرايا!/هذا ظلّ مسافر لوتر يناجي بعض الصّحو من أحضان المساء".

كيف للشاعرة أن تصير مدينة؟ وأي مدينة تبتغيها منال سوى مدينة الشعر وبيت القصيد؟ لتصبح أغانيها (صلاة)، كناية عن الطقس المقدس والمستمر. وتجعل من الحب موسيقى كلاسيكية مقدسة تدفئ بها ليل وحدتها البارد. لا أحد يتخيل ما يجري داخل الأنثى إذا ما تلبستها الوحدة وغياب العاشق، فتبدأ بهدهدة الوقت والانتظار، وبإعادة تفريغ الحلم وما يحمله من آمال راسخة في ذهنها، فجعلت من الريح احتفالا ورقصا لأغنيتها، ومن البرق نهارا لليلها المظلم، ومن عتمة السحب ضوء تعكسه المرايا.

الشاعر شجاع الصفدي في ديوانه "أتكئ على حجر"(12) سجل فيه تسع عشرة قصيدة، أو يمكننا أن نقول: تسع عشرة أسطورة من التاريخ الإنساني القديم إلى الفرعوني والإغريقي، كأنه يريد أن يقول إنه ما زال يعيش تلك الأساطير بغرائبها، كناية عن غربته أو اختار هو الشاعر أن يفر من الواقع الذي يعيشه.

القصائد مليئة بالومضات الفلسفية، كيف لا وهو يعيش الأسطورة من جديد؟ كيف لا وهو يحاكي أول الفلاسفة والمؤرخين؟ "أتكئ على حجر" بحد ذاته ديوان من الفلسفة التي تدفعك للتأمل جيدا عند كل قصيدة، بل كل سطر فيه، وحاولت أن أقتبس منه هذه العبارات التي لا يمكن فصلها عن السياق وبقدر المستطاع اخترتها بحيث أن تكون لوحدها فكرة، ومنها:

"من يوقف الشر في قلب إلهة سرقوا قدرتها على العشق؟" ص 6.

"لا قيمة للزمن حين تولد الأسطورة دون قابلة"؛ و"هل يهزم الحب الدماء أيها الرب العاشق؟" ص 15.

"لا خلود في الدنيا إلا لمن جعل فلسفة الموت مبتغاه" ص 20.

"كم مرة متّ وبعثت لتمارس طقوس الوحي؟/قبر اللازورد يضمك وأحبابك في رحلة طوعية بين الموت والحياة" ص 24.

"الكرنفال الربيعي انتزعت فيه الأقنعة، وتعرى التاريخ منذ بدء الكتابة" ص 25.

" ما زلت رغم حلم الوطن مسافرا في غربتي" ص 37.

"كل شيء أجمل لأننا نهلك، وتبقى أسماؤنا خالدة" ص 46.

"مات فرعون وما أكثر الحاضرين لمراسم التأبين" ص 47.

"ما زال المؤرخ بلا أوراق، تسكنه الأسطورة دونما فراق، يكتب حكاياته، ومغامرات لآلهة يصنعها لينسج لماضيه خلودا" ص 67.

"الكواكب كالنساء، جميلات عن بعد، ولكنهن بعيدات عن الجمال. هذا ما يخطه عاشق حاقد حين يرثي حلما" ص 70.

باكورة إنتاج الشاعرة أمال العديني ديوان عنوانه "بين النهر وزنبقة" وفيه ثماني قصائد ترثي فيها من يخصها دون تلميح إن كان حبيبا أم أبا أم أخا لها. ويتجلى شعرها بجزالة اللفظ. تختار كلماتها بحذر شديد كأن هناك من يراقبها فيفضح سرها. الغموض والإبهام كبيران في ديوانها، والبيئة البدوية لها أثرها الواضح في قصائدها، من الصعب أن تحتفي بجملة كاملة دون السياق، لكنني استطعت أن أقتبس من ديوانها ما يلي:

"يموت مرارا وما زال محملا بالصدى، ونثار الوصف غرّ يائس الطرف... فراشة الشعر كالومض، تسقط بين رفين من الأصابع/.../لم أعد أطلّ على برق أو رعد، هزني اليقين فصرت ثوب الخرافة، صرت وهم الحقيقة وحقيقة الوهم،/هذا الشرق المسفوح بالإرادة ليس لنا يد. ولسنا جديدين على أزمنة تستدير كالرحى/.../هنيئا للألفية نضارة جدراننا، وتبغنا وقاتنا وحبرنا/.../نسينا أن لنا دارا تيمم الفقراء بعشقها،/.../جئت أقتل وحش الخرافة فيكم، جئت أطهر القروح والجروح من دمائكم"(13).

ومن قصيدة "ليس لدرب القصيدة مهر" نقتبس: "ليس لدرب القصيدة مهر يشق ماء الخرافة/.../ما من أفق فوق الشبهات، لأحمل حرية الضوء، وأمتد سهلا يرمي حدود الحكمة عند اكتمال الخرائط". أما في القصيدة التي حملت عنوان الديوان فنجدها تقول:

"كيف أعصف باللغة، وألملم ظروف النص بعدك؟!/.../أدين لك بملح الخرائط، ونجمة وهلال عيد، وأبجدية توسوس فيك حتى أخمص الروح".

وفي قصيدة "الموت الجديد والحب الجديد" نقتبس منها:

"أجدني غرْفا من الطين بين خلجاته، تتفاقم في البروق والهدم، مثل أفق يلبس حدود الكفن./.../حلّ وثاقي يا عمري، فما علّمتك أقوالي القبلية إلا لتكتبني نصا وتمزقه بكل قوتك، إلا لتنسى عادة النسيان وتشرد في جنون الورق".

وأخيرا نقتبس من قصيدتها الأخيرة "تبا لمن ينتشي بالافتراس" ما يلي:

"كرات نار وثلج، وذاكرة خائنة تسعر الخطى، لا أواكب شمسا آتية، لا أحصي المشاعل في كوة الحواس/.../مذ غاب صوتك أضعنا العلامة. وحلمنا الذي قطفناه من حمى القارات/تفرده عريشة الشعر كشرشف كوني/.../لقتلانا موت يقلد ساعة رملية، ولنا مجانق أجفلت الريح؛ فسقطت إمارة من إبط نسر عابر/.../كنت تهيل شهقة الأقاصي من راحتيك.. وحين تذكرت، قلت: تبا لمن ينتشي بالافتراس".

أمال العديني المبدعة تظفر بنفسها من خلال محاكاتها لذاتها. ولعل محاكاة المبدع لذاته هي تطهير للمتلقي خصوصا عندما تكون هذه الذات هي المأساة الفلسطينية. وهذان المحوران (المحاكاة للمبدع، والتطهير للمتلقي) دارت عليهما آراء أرسطو في الفن، فالمحاكاة تصوير للطبيعة البشرية والعيانية، وهي عند شاعرتنا ليست تصويرا حرفيا، بل تضيف شيئا من عندها إلى الحقيقة والصدق، ليصبحا حقيقة فنية وصدقا فنيا(14) وفي هذا ظفرها الكبير، أما المتلقون فإنهم يكتسبون لذة عقلية.

أخيرا تصل الذروة التي فيها إجابة لكل الأسئلة والتفاصيل الأولى لتكثفها في عبارة واحدة فيها دعوة بالهلاك للذين ينتشون بالافتراس. وهنا تذكرنا بحديث الفيلسوف نيتشه عن المأساة اليونانية التي نبعت من الديانة الديونيزيوشية أو عبادة (ديونيزيوس) تلك العبادة التي تقدس النشوة وتمجد اللذة البدنية، وتؤثر الفرح، وتحيي طقوسها بالعربدة، فهي تكريم لغرائز الإنسان وتفجير لها، وليس من شأن التفجير أن يتخذ شكلا أو يلتئم في نظام.

ومن هنا جاءت (الأبولونية) لكي تتوازن مع الديانة الديونيزيوسية التي من شأنها عبادة أبولو بتقديس العقل وتحترم التصميم والإحكام وتحيي طقوسها بالتأمل. إن ديونيزوس هو إله المتعة، ورمز امتلاك الفرح، ودليل الحركة المنتشية والمغامرة. أما أبولو فهو إله السلام النفسي والسكينة الروحية يوجهها المنطق والتأمل الفلسفي ويلهم أتباعه فنون التصوير والنحت والشعر الذي تنتمي له الشاعرة أمال العديني(15).

الأمثلة أعلاه عينة لا أكثر، إذ لا يمكن أن تتسع هذه الدراسة لكل الدواوين والقصائد، وتظل هناك حاجة إلى دراسات أخرى. هناك قصائد لا تساوي ثمن الحبر الذي طبعت به، رغم أننا نقدر الجهد الذي بذله أصحابها في صناعتها. ونعترف لهم بأن أحد أهداف دراستنا هذه موجه لهم كي يعيدوا مراجعة وصياغة مفاهيمهم عما يكتبون وعلى الأخص هؤلاء الذين ركبوا صهوة النثر.

لقد قدمنا أعلاه الشيء القليل عن الفلسفة والشعر، وبعض ما ورد من ومضات فلسفية كنماذج في الشعر الغزي، حيث تنوعت بين الحب والموت والوطن والمعاناة، ومن الرثاء إلى الحلم إلى أسطرة الواقع إلى محاكاة الطبيعة والأمل إلى الموروث الثقيل من السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وعلى ضوءها نقول: إن غزة بخير وفيها من الشعراء ممن يمكنهم أن يحتفلوا ونحتفل معهم بـ (غزة أبولو) غزة الشعر والشعراء. رغم ذلك لدينا بعض الملاحظات الختامية.

على الشعراء ألا يفحصوا الوطن بالمجهر والجرثومة بالعين المجردة، فلم تكن وظيفة الكتابة أو نتاجها طمس جرح وعلاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة وجعله في النهاية لا ينسى. وإذا قال التصوريون الروس إن (الصورة) هي النفتالين الذي يحفظ العمل من العثّ، أنا أقول إن (الفلسفة والحكمة) هي من تحيي القصيدة إلى الأبد.

وتحتاج مؤسساتنا الأكاديمية أن تنزل من كرسيها المعزول عن المجتمع والبيئة، فبيئتنا خصبة ومجتمعنا فيه شعر وفلسفة وحكمة ويحتاج منكم الاستشهاد بها ودراستها. ويجب أن نقول هنا للأكاديميين إنه ما لم تكن كليات للفلسفة بجانب كليات اللغة العربية وآدابها، ستظل حركة النقد ضعيفة.

ومؤسسات المجتمع المدني والمدارس يجب أن تبدي مزيدا من الاهتمام بنقل وتوصيل شعرنا إلى الأبناء. وعلى الجهات المسئولة العمل على تأسيس دار غير ربحية للطباعة والنشر، وكذلك مؤسسة متخصصة لمتابعة ما ينتج من شعر وتصنيفه وأرشفته تسهيلا للباحثين والدارسين.

= = = = =

الهوامش

1= إياد بلعاوي: ما يشبه الضحك، بيت الأمة، غزة 2005.

2= السابق، ص 51ـ52.

3= صباح القلازين: نوافذ، منشورات اتحاد الكتاب الفلسطينيين، غزة، 2002.

4= السابق، ص 23ـ26.

5= السابق، ص 39ـ40.

6= عائدة حسنين: عناق الوردة، منشورات اتحاد الكتاب الفلسطينيين، غزة 2005، ص 31.

7= السابق، ص 36، 37، 44.

8= السابق، ص 33.

9= فادي الشافعي: ليس مصادفة ما يكتب، إبداعات فلسطينية، غزة 2012.

10= علاء نعيم الغول: حكاية من الشارع الخلفي، منشورات اتحاد الكتاب الفلسطينيين، غزة 2005، ص6ـ21.
11= السابق، ص 23ـ29.

12= شجاع الصفدي: أتكئ على حجر، مطبوعات وزارة الثقافة الفلسطينية، غزة 2005.

13= أمال العديني: بين النهر وزنبقة، بيت الشعر الفلسطيني ووزارة الثقافة الفلسطينية، رام الله 2011، ص 7ـ13.

14= أرسطو: الشعر، ترجمة عبد الرحمن بدوي، ص18.

15= عبد الكريم عليان: جنون الحداثة وسلطتها على شعراء من غزة، الحوار المتمدن، العدد 2865، 22/12/2009.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3177366

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC