الصفحة الرئيسية > العدد الفصلي 42: خريف 2026 > في رثاء مناضلة ومفكرة رحلت بصمت: وداعا سلوى العمد

جابر سليمان

في رثاء مناضلة ومفكرة رحلت بصمت: وداعا سلوى العمد

السبت 29 آب (أغسطس) 2026, بقلم جابر سليمان

عندما طُلب مني الكتابة في تذكر الزميلة سلوى الـعـَــمَـد، عادت بي الذكرى تلقائيا إلى بيروت قبل العام 1982، عندما كانت حاضنةً للحركة الوطنية الفلسطينية في الشتات. هناك التقى رهط كبير من المثقفين والكتاب والفقراء والحالمين المسكونين بشغف الثورة والتحرر والعدالة الاجتماعية ومعاداة الإمبريالية، من فلسطينيين وعرب وأجانب، توافدوا إليها من كل فجّ عميق. في مثل هذا المناخ من صخب البنادق والخطاب الثوري، تعرفتُ إلى سلوى العمد، التي جاءت ضمن موجة الهجرة الأولى لمقاتلي ومناضلي الثورة من الأردن إلى لبنان، في أعقاب أحداث أيلول 1970.

كانت صبية في مقتبل العمر، صامتة، جادّة، ووقورة، بما يتعدى سنوات عمرها. وإن تحدثت تقتصد في الحديث، ولا تميل إلى الثرثرة وإطلاق الكلام، من دون ضوابط. كل هذه الصفات جعلتها محط احترام وتقدير من مجتمع الثورة في مربع الجامعة العربية الصغير، الذي يعرف بعضه البعض، إلى هذا الحدّ أو ذاك.

كنا نلتقي بين الحين والآخر في مربع الجامعة الصاخب لنتحدث في الشأن العام. وكانت تربطنا علاقات صداقة مشتركة مع بعض رموز حركات التحرر وحركات المعارضة ضد الأنظمة الديكتاتورية، الذين كانوا يفدون إلى بيروت في إطار التضامن والتنسيق مع الثورة الفلسطينية.

ومن بين تلك العلاقات المميزة، صداقتنا الشخصية مع المناضلة اليونانية المعارضة للحكم العسكري في اليونان، وأستاذة التاريخ، ماريا بيكيت، زوجة الكاتب والمحامي الأمريكي، الشاب حينها، جيمس بيكيت (James Becket) صاحب كتاب "البربرية في اليونان" (Barbarism in Greece) الصادر عام (1970). وكانت الدكتورة ماريا، التي توفيت عام 2012، تزور بيروت وتلتقي بعض قادة الثورة، وخاصة، فاروق القدومي، وخليل الوزير (أبو جهاد)، طلبا لدعم المعارضة اليونانية، وخاصة الحركة الاشتراكية اليونانية، حزب الباسوك، (PASOK)، وذلك قبل سقوط الحكم العسكري في اليونان، ووصول الحزب إلى السلطة عام 1981. وفي السياق نفسه، تمكنت صديقتنا ماريا من إطلاق محطة بث إذاعية في بيروت، دعماً للرئيس القبرصي، مكاريوس، ضد الانقلابين.

بعد خروج المقاومة من بيروت عام 1982، تفرقت بنا السبل، ولم نعد نلتقي إلا لماما، عندما كانت سلوى تزور لبنان بين الحين والآخر. وكنا نلتقي في حضرة المربية الجليلة، السيدة زينب ساق الله، صديقتنا المشتركة، وعضو المجلس (المؤتمر) الوطني الفلسطيني الأول، الذي عقد في القدس عام 1964. وفي غضون ذلك، وخلال مرحلة إعدادها لرسالة الدكتوراه في الأنثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة كمبردج البريطانية، دعوتها لزيارة أكسفورد، وكنت حينها، باحثاً زائراً في مركز دراسات اللاجئين بجامعة أكسفورد. كان ذلك في العام 1998. في ذلك اللقاء، وجدتها على سجيتها وطبعها الودود والمتحفظ في آن.

بعد إتمام رسالة الدكتوراه في جامعة كمبرج، عادت د. سلوى العمد إلى عمان، وانخرطت من جديد في الحياة الفكرية الثقافية والسياسية، وفي سلك التدريس الجامعي في جامعة فيلادلفيا الأردنية، حتى رحيلها المفجع والمبكر والمفاجئ في مايو/أيار 2026.

وفي هذا الصدد، لعلّ من المفيد إلقاء بعض الضوء على نتاجات د. سلوى العمد، الأكاديمية والباحثة في مجال الأنثروبولوجيا والدراسات الفكرية والتاريخية، وعلى منهجيتها البحثية. بشكل عام، يتجه إنتاج د. سلوى العمد الفكري نحو الأنثروبولوجيا الدينية والفكر القومي العربي، وتفكيك ودراسة قضايا النوع الاجتماعي ("الجندر") والنسوية الغربية وتتبع جذور التمييز ضد المرأة.

ومن أبرز أعمالها في هذا المجال: كتاب "الإمام الشهيد في التاريخ والأيديولوجيا"، بعنوان فرعي هو " شهيد الشيعة مقابل بطل السنة" (الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2000). وتقدّم في هذا الكتاب مقاربة أنثروبولوجية وتاريخية لمفهوم الشهيد بين السنّة والشيعة، متخذةً من رمز الحسين نموذجاً دراسياً.

ومن أبحاثها ومقالاتها المحكّمة في مجلة "شؤون فلسطينية" أذكر: "ملامح الوضع الاقتصادي والاجتماعي في فلسطين، حتى نهاية الحرب العالمية الثانية" (العدد 116. 7/1981). وفضلاً عن ذلك، اهتمت د. سلوى العمد بالقراءات النقدية والأدبية من خلال تحليل البنية الفكرية لعدد من الأدباء العرب، منهم غالب هلسا.

ختاما، أقول إنه من دواعي الأسف أنني لم أعثر سوى على القليل القليل من المعطيات والمعلومات، في المواقع الإليكترونية، عن سلوى العمد ونشاطها الفكري والسياسي ونتاجها الأكاديمي في مرحلة الأردن. وحتى بعد رحيلها، اقتصر الأمر على تأبين رابطة الكتاب الأردنيين، وبعض الكتابات الصحفية والتعليقات السريعة من زملائها ومحبيها. وهنا أتمنى على الجهات المعنية في المؤسسات الثقافية والفكرية وفي السلك الجامعي، أن يتداركوا هذا الأمر من خلال انتهاز مناسبة الذكرى السنوية الأولى لرحيلها، من أجل تكريمها بطريقة تليق بتاريخها النضالي وبعطائها الفكري والثقافي.

عاشت سلوى العمد حياتها الثرية بالنضال والعطاء بكل تواضع، كما رحلت بصمت، في لحظة فارقة من مسار الصراع مع الكيان الاستيطاني الصهيوني.

لروحها الرحمة والسكينة.

= = = =