الصفحة الرئيسية > العدد الفصلي 42: خريف 2026 > كلمة العدد الفصلي 42: كأس العالم لتجاهل الواقع الاقتصادي والأوضاع السياسية

عدلي الهواري

كلمة العدد الفصلي 42: كأس العالم لتجاهل الواقع الاقتصادي والأوضاع السياسية

السبت 29 آب (أغسطس) 2026, بقلم عدلي الهواري

انتهت في شهر تموز (يوليو) 2026 مباريات كأس العالم لكرة القدم التي تتكرر كل أربع سنوات. جماهير كثيرة في كل العالم تابعت المباريات. ولكني سأركز على من تابعوها بشغف في العالم العربي، وتراجعت أهمية كل شيء آخر في حياتهم خلال أسبوعي المباريات.

يشعر متابعو مباراة بمتعة وإثارة وتوتر، ونتيجتها فرح لجزء منهم، وحزن لآخر. في عصر وسائل المحتوى المرئي، وفرت المباريات لبعضهم فرصا ثمينة لعمل فيديو كل يوم، فتنبأوا بالنتيجة قبل بدء المباراة، وفي اليوم التالي علقوا عليها، فأشادوا بلاعب، وانتقدوا آخر. وبعد بعض المباريات، انتقدوا الحَكَم. وصار كثير منهم شركاء في مظلومية جماعية جديدة بسبب خسارة المنتخب المصري في مباراته مع الأرجنتيني نتيجة سوء التحكيم.

قبل توجيه الاهتمام إلى دورة مباريات جديدة في بلدك أو دولة ما في العالم، هذه دعوة للتفكير في بعض الأمور.

فكر/ي في هذه المفارقة. حكومة بلدك وضعت لك شاشة كبرى لمتابعة المباريات في ساحة عامة. ولكنها تمنعك من التجمع مع آخرين للاعتراض على إجراء حكومي له تأثير سلبي على حياتك اليومية، أو للتعبير عن التضامن مع من هم بحاجة إلى تضامن ودعم في بلدك أو في مناطق ليست بعيدة عنه.

الحكومات زادت منذ سنوات الاهتمام بالفنون الترفيهية والرياضة، وخاصة كرة القدم، ليكثر المهتمون بهما. وضيّـقت في الوقت نفسه هوامش الحريات، ورفعت ثمن الاهتمام بالشؤون السياسية والاقتصادية بفرض عقوبة بسبب قول أو فعل لا يروق الحكومة. نتيجة لذلك، اختار كثير من الناس توجيه اهتمامهم نحو بديل مسل، فأقبل كثيرون على متابعة المباريات بشغف.

في دورة كأس العالم الأخيرة تحديدا، كان واضحا أن السياسة تتدخل في الرياضة. هم في الأصل هربوا من السياسة إلى الرياضة، فظهرت لهم في مصدر متعتهم الحقيقية أو المصطنعة. لكنهم غضّوا البصر عما شاب دورة كأس العالم الأخيرة، مثل منع حكم صومالي من دخول الولايات المتحدة، ومرمطة أعضاء الفريق العراقي والإيراني. يهمهم فقط أن تحدث مباراة، وأن تترفع كمية الأدرينالين في أجسامهم. لذا، يواصلون متابعة المباريات وكأن شيئا لم يكن.

كان كثير منهم في الماضي ينتقد من لديهم مظلومية ما لأنهم لا ينسوها. ووصل الأمر إلى حد أن تفسح لهم وسائل الإعلام المجال ليعلنوا أن قضية كبرى لشعب ما أو أمة بأسرها ليست قضيتهم، وإذا بهم بعد نتيجة مباراة واحدة يصبحون جمهورا كبيرا لديه مظلومية حطمت قلوبهم: كم هو ظالم هذا العالم الذي يسمح لحكم مباراة أن يلغي هدفا للفريق الذي يشجعون، ولا يمنحه ضربة جزاء نتيجة مخالفة تستحق ذلك! أما إذا حصل مثل هذا لفريق غير الذي يحبون فالأمر لا يعنيهم.

حصروا الاهتمام بمجريات المباريات، للمتعة أولا، ولكن ربما أيضا لكي يتحولوا إلى معلقين رياضيين، وهذا ممكن في عصر الفيديوهات والتعليقات الفورية على صفحات المنصات العديدة. ومع أن المتابع لمباراة يشاهد بأم عينيه مجرياتها، تـــُـحوّل وسائل الإعلام المباراة إلى حدث مهم يستضاف للتعليق عليه لاعبون سابقون مقابل دخل مرتفع مع أنهم يعلقون على مباراة شاهدتها بنفسك مثلهم.

لو فكرت ليس في دورة كأس العالم الأخيرة فقط، بل على نطاق أوسع، ستلاحظ أن متابعة مباريات كرة القدم ليست ذات سجل نقي. هناك اشتباكات تحدث بين المشجعين أحيانا. وبعد بعض المباريات يحدث إما اشتباكات بين المشجعين، أو يهاجم مشجعو فريق ما ممتلكات أو أشخاص في المدينة التي جرت فيها المباراة. وكما نعلم، الكثير من اللاعبين في الأندية الأوروبية من ذوي البشرة السوداء، ويتعرض بعضهم لتعليقات عنصرية في بعض المباريات.

وهناك علاقة لكرة القدم بشكل من أشكال القمار، وهو الرهان على نتيجة المباراة وتوقع النتيجة. قد لا تكون هذه الظاهرة موجودة أو منتشرة حاليا في الدول العربية، ولكنها منتشرة في دول كبريطانيا ذات الأندية واللاعبين المشهورين بكرة القدم.

والتحكيم السيء ليس ظاهرة جديدة. قد يكون سوء التحكيم مقصودا أيضا. وحتى في مباريات كأس العالم، يتصرف اللاعبون المحترفون مثلما يتصرف اللاعبون الهواة في المباريات التي تجري في الحارات بين فرق غير رسمية، فهناك خشونة في اللعب، واعتراض على قرار حكم غير رسمي خاصة فيما يتعلق بضربة جزاء. لذا عندما يكون في مباريات على مستوى كأس العالم نطح وتكسير، لا يعقل أن نتظاهر أن هذه الأمور لا تعنينا، بل هي جزء طبيعي من ممارسة الرياضة.

حب متابعة الرياضة ومشاهدة المباريات ضمن حدود المعقول أمر لا يجوز الاعتراض عليه، إذا لم ينس الإنسان أن في الحياة أشياء كثيرة أهم من المتعة المؤقتة التي يمكن الحصول عليها من متابعة الرياضة.