الصفحة الرئيسية > العدد الفصلي 42: خريف 2026 > حريم: للسيدة قوت القلوب الدمرداشية
مختارات: طه حسين
حريم: للسيدة قوت القلوب الدمرداشية
السبت 29 آب (أغسطس) 2026, بقلم
أدناه مقتطف من كتاب طه حسين (1889-1973) "فصول في الأدب والنقد" وقد خصصه لرواية "حريم" للكاتبة المصرية التي كتبت بالفرنسية، قوت القلوب الدمرداشية (1892 - 1968)، التي عاد اسمها للتداول في الصحافة بعد قضية متعلقة بحقوق الملكية الفكرية، رفعتها الكاتبة سهير عبد الحميد، على وزيرة الثقافة المصرية، جيهان زكي.
عبد الحميد أصدرت في عام 2022 كتابا عنوانه: "سيدة القصر: اغتيال قوت القلوب الدمرداشية". وفي عام 2024، أصدرت جيهان زكي كتابا عنوانه "كوكو شانيل وقوت القلوب: ضفائر التكوين والتخوين".
اتهمت سهير عبد الحميد الكاتبة/الوزيرة بالنقل عن كتابها أكثر مما يسمح به الاقتباس المشروع في الكتب والأبحاث. وانتهت القضية بحكم لصالح سهير عبد الحميد، وكان من نتائجه استقالة جيهان زكي من منصبها الوزاري.
= = =
وفي مصر كاتبات أديبات ينتجن آثارا قيمة خصبة لعلها أن تبلغ من الإجادة والإتقان أكثر مما تبلغ آثار الأدباء، ولعلها أن تظفر من الرقة والدقة ولطف المدخل بما لا تظفر به آثار الأدباء، ولعلها أن تحقق من المثل الأدبية العليا ما لا تحققه آثار الأدباء كذلك.
ولكن لها عيبا خطيرا يؤلم ويلذ، ويحزن ويسر، وهو أنها لا تكتب بلغتنا العربية، ولا تبلغ نفوسنا المصرية إلا من طريق ملتوية غير مباشرة كما يقال، وإنما تكتب بلغة أجنبية لا يحسنها منا إلا الأقلون عددا.
تكتب باللغة الفرنسية فيقرؤها الفرنسيون ويرضون عنها، وقد يعجبون بها ويثنون عليها، كهذا الكتاب الذي أريد أن أتحدث عنه اليوم، فقد كتبته السيدة قوت القلوب الدمرداشية باللغة الفرنسية، ونشرته في باريس، ووصل إلى مصر من باريس، ولم يصل إلى باريس من مصر.
ماذا أقول؟ بل وصل الثناء عليه إلى مصر من باريس، وعرفناه من المقدمة التي قدم بها بين يديه الكاتب الفرنسي المعروف بول موران. ثم أخذ الأدباء الفرنسيون يقرّظونه هنا وهناك، فكتب عنه في مصر أستاذان من أساتذة الجامعة، وأثنى عليه في باريس غير كاتب من الكتاب المعروفين.
ولم يقرأه مع ذلك من المصريين، ولا ينتظر أن يقرأه منهم إلا الذين يحسنون اللغة الفرنسية ويذوقونها، ويجيدون الوصول إلى أسرارها ودقائقها، وهم فيما أعلم قليلون.
وما أرى أن المصريين سيقرؤون هذا الكتاب وأمثاله من الكتب التي سأتحدث إليهم عنها إلا إذا ترجمت لهم إلى اللغة العربية.
فأعجب من كتاب مصري تنشئه كاتبة مصرية وتنشئه في موضوع مصري خالص، يمس حياة المصريين في أدق جهاتها وأعمقها وأشدها اتصالا بنفوسهم، ثم لا يعرف المصريون عنه شيئا، إلا من طريق ما يكتبه عنه الأجانب أو من طريق النقل والترجمة، إن أتيح لهذا الكتاب أن ينقل أو يترجم.
ومن الحق أن نسجل أن هذه الظاهرة المؤلمة ليست مقصورة على السيدات والآنسات، ولكنها تتجاوزهن إلى الرجال؛ ففي مصر كهول وشباب ينتجون آثارا أدبية رائعة. ولكنهم ينتجونها في اللغة الفرنسية ويمتعون بها القراء الفرنسيين وأشباههم من المثقفين، ويصرفونها طائعين أو كارهين عن مواطنيهم من المصريين.
ولا بد من أن اتحدت يوما ما عن هذه الآثار المصرية الفرنسية الرائعة، ليقدّر المصريون هذه الظاهرة الخطيرة التي تسر وتحزن وتلذ وتؤلم كما قلت آنفا.
تسر لأن فيها إذاعة للدعوة المصرية وتعريفا بمصر والمصريين، ولأن من الخير أن يُقدّر الكتاب والشعراء المصريون خارج مصر في البيئات الأدبية العليا.
وتُحزن لأن من الحق أن يستمتع بها المصريون قبل أن يستمتع بها الأجانب، ولأن من الحق أن تستأثر اللغة العربية بما ينتج أبناؤها، وأن تعرفه اللغات الأجنبية بالنقل والترجمة عن اللغة العربية، لا أن يعرفه المصريون وتظفر به اللغة العربية عن طريق النقل والترجمة.
ومما لا شك فيه أن هذه الظاهرة خليقة بالتفكير. فما الذي أنتجها؟ وما الذي دعا إليها؟ وكيف وُجد مصريون يبلغون من الإجادة الفنية هذا الحظ العظيم، وينتجون في لغة أجنبية.
تعرفهم أوروبا وتجهلهم مصر. يستمتع بآثارهم الأوربيون، ويُحرم هذا الاستمتاع مواطنوهم من المصريين؟
وجه هذا السؤال إن شئت إلى الأسر التي علّمت أبناءها في المدارس الأجنبية، وإلى الدولة التي لم تفرض على هذه المدارس تعليم اللغة العربية لتلاميذها المصريين.
ماذا أقول؟ بل إلى الدولة التي لم تُعنَ بمدارسها حتى صرفت عنها الأسر أبناءها، والتي لم تُعن بتعليم اللغة العربية في مدارسها، حتى أعرض أبناء مصر عن الإنتاج في اللغة العربية إلى الإنتاج في اللغة الفرنسية أو الإنجليزية.
ومهما يكن من شيء فإني أريد أن أحدثك في هذا الفصل عن كتاب أنشأته السيدة قوت القلوب الدمرداشية باللغة الفرنسية، فظفر بإعجاب قرائه، وظفر بإعجاب القراء المصريين والنقاد المصريين. ومما يحزن ويسر أن هذا الكتاب ليس أول كتب السيدة ولا آخرها؛ فقد نشرت قبله كتابا آخر باللغة الفرنسية. وإذا صح ما انتهى إليّ من الأنباء فهي آخذة في نشر كتاب ثالث باللغة الفرنسية أيضا.
[...]
وهل تأذن لي الكاتبة في أن ألاحظ، في رفق، أن الذين يقرؤون كتابها قد يُخدعون عنها أحيانا، وقد يظنونها فرنسية تكتب عن المصريين، قد علمت من أمرهم كثيرا جدا، وجهلت منه مع ذلك ما [لا] ينبغي أن يُجهل. فشيخ الإسلام مثلا عندها هو الرئيس الأعلى للمؤمنين، صفحة 62، وهو عند المصريين شيخ الجامع الأزهر ليس غير. والرئيس الأعلى للمؤمنين هو الخليفة إن وجد. ومحمد وأحمد اسمان لابنين من أبناء النبي (ص)، وهما عند المسلمين اسمان من أسماء النبي نفسه، وليس من أبناء النبي من سُميّ بهذا الاسم أو ذاك.
ومهما يكن من َ شيء، فإن الذي دفع السيدة قوت القلوب إلى أن تكتب كتابها القيّم الجميل باللغة الفرنسية، هو الذي خيّل إليها أن شيخ الإسلام هو الرئيس الأعلى للمؤمنين، وأن محمدا وأحمد هما من أسماء أبناء النبي. أنعذرها في ذلك أم نعتب عليها، أم نعدل عن العذر والعتب إلى الثناء على ما في كتابها من جمال فني يلذ ويمتع ويمكّن القارئ من أن ينفق في قراءته وقتا مريحا حقا؟
= = =
حسين، طه. (د.ت.). فصول في الأدب والنقد (ط. 1 الأصلية: 1945). دار المعارف، مصر.
صفحات المقتطف في الكتاب: 60-62؛ 65.