عــــــود الـــنـــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فـصـلـيـة رقـمـيـة

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » عود الند: العدد الفصلي 33: صيف 2024 » لطائف وطرائف من أخبار الشّاعر العربي النجّار: خرجة ابّيْ الشّاوش

وهيبة قوية - تونس

لطائف وطرائف من أخبار الشّاعر العربي النجّار: خرجة ابّيْ الشّاوش


وهيبة قويةمقدّمة

تمثّل مدوّنة الشّعر الشّعبي نماذج حيّة من تراثنا يصلح لأن يكون مرجعا من مراجع تصوير حياة الإنسان وملامحها اليوميّة والمناسبات والملاحم والمواقف، إضافة إلى تأصيل تاريخ الشّعر الشّعبي التّونسي بما يليق به باعتباره حافظا للذّاكرة الجماعيّة ولفرع من فروع الأدب في فترة مهمّة من تاريخ تونس، ضاربة جذوره في كيان الإنسان، يواكب لغته وخصوصيّة لهجته وتنوّعها وتراثه اللاّماديّ.

وأشعار العربي النجّار جزء من هذه المدوّنة الضّخمة[1] التي أمكن الاستعانة بها لكشف بعض جوانب تراث مدينة العالية في فترة مهمّة من تاريخها بفضل الذّاكرة المنغرسة في الوجدان الجماعيّ لأهل المكان الّذين رووا أشعاره ونقلوا قصصا عن بعضها وعن جوانب من حياته الخاصّة لم تنقل في ديوانه، إلاّ بعضها، ولكن تناقلها أهل العالية ورسخت في ذاكرتهم ومناسباتهم وحكاياتهم، ووصلت إلينا عبر ممارسات اجتماعيّة وحكايات لا يخلو منها سمر.

وكشفت هذه الأشعار المحفوظة في الذّاكرة الجماعيّة وفي الحكايات عن الرّوابط الاجتماعيّة والعلاقات الإنسانيّة وجوانب مهمّة من تاريخ العالية الّتي نشأ فيها شاعرنا. وقد ذكر شيخنا المربّي الجليل الطّاهر البليدي رحمه الله من هذه الأخبار في كتابين له مخطوطين[2] أنّه اعتمد على أشعار العربي النجّار في رسم صورة العالية في غياب كتب تتحدّث عنها[3]، كما ذكر أخبارا عن الشّاعر نقلا عن شيوخ العالية الّذين عرفهم منذ ستّينات القرن العشرين حين بدأ بتدوين كتابه الأوّل عن العالية. وأغلبهم عرفوا العربي النّجار أو كانوا من رواة شعره أو ممّن سمعوا أخبار الشّاعر عن آبائهم.

وبعض هذه الحكايات والطّرائف منها ما هو سائر إلى اليوم بين أبناء العالية بعضهم يذكر صاحبها العربي النجّار والبعض الآخر ينسبها إلى "أهل زمان". ولولا هذا التّوثيق لضاعت كلّ الذّاكرة عن العالية وعن الشّاعر كما ضاعت ذاكرة من عاصره من الشّعراء لولا الأثر الباقي الّذي حفظه شيخنا في كتابيه.

الشّاعر العربي النّجّار

ولد العربي النجّار سنة 1839 بالعالية من ولاية بنزرت، في عائلة ميسورة، وتوفي سنة 1916 عن سن تناهز سبعا وسبعين سنة. وفي آخر أيّامه فقد بصره نتيجة انتشار مرض الجدري. (وإن كان الباحثون قد اختلفوا في تاريخ إصابته بالعمى، في سنّ مبكّرة أو متأخّرة).

ويعدّ العربي النجّار من بين كبار الشّعراء الشّعبيين (شعراء الملحون) في تونس في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين إلى جانب أحمد ملّاك[4] وأحمد بن موسى[5] وأحمد البرغوثي[6] ومنصور العلّاقي[7]. وديوانه الضّخم المخطوط الّذي جُمع أغلبه يمثّل نماذج حيّة من تراثنا الشّعبيّ الّذي يصلح أن يكون مرجعا من مراجع التاريخ الهامّة ومن مراجع الحضارة.

نظم العربي النجّار القصائد في شتى أغراض الشّعر من وصف وهجاء واجتماعيّات ودينيّات وأبدع خاصّة في وصف الخيل وفي وداع الأحباب وفي الغزل الّذي يسمى في اصطلاح شعراء الملحون "الأخضر"، وصُنِّف على أنّه شاعر تجاوز الموهبة إلى الخلق والإبداع، مسّ شعره كلّ المواضيع بحسّ رفيع وذوق صادق يعكس الطاقة الشّعريّة الهائلة لشاعر تجاوز مفاهيم الأغراض التّقليديّة في شعره ونظم في أوزان متنوّعة لم يتناولها غيره من زملائه (وضع موازين جديدة للملحون).

تغنّى بقصائده الدّينيّة كثير من جماعات الطرق الصّوفيّة الّتي عُرفت بتونس مثل "السّلاميّة"[8] و"العيساويّة"[9] و"الرّحمانيّة"[10]. ومن أشهر قصائد العربي النجّار قصيدة ذاعت على ألسنة روّاد الطريقة "التيجانية"[11] يبدأها بمدح الرسول ومنها:

بسم الله نبدأ ترتيب أوزاني

وبصلاة كنزنا المبرور

ونمجّد الشّريف الغوث الربّاني

بن سالم الّذي مشهور

في مدح نجل طه الهادي

سيدي أحمد نور أسهادي

فصل المضيق به تنادي

يفزع ويزيل عنّي ضيمي وأحزاني

الشاعر التونسي العربي النجارتحفظ العالية أشعار العربي النّجّار بالسّماع، وتحفظ ملامحه أيضا عن طريق لوحة رسمها المهندس المعماريّ محفوظ الإمام[12]، وهي اللّوحة الّتي في مدخل دار الثّقافة العربي النجّار بالعالية والّتي شوّهت ملامحَها أمطارٌ منذ فترة، بل أتلفتها.

رُسمت هذه اللّوحة من خلال ذاكرة شيوخ معاصرين للعربي النجّار اعتمدها المهندس الفنّان في عمله. وتُظهره شيخا أعمى. وقد أعاد الفنّان التّشكيليّ العراقيّ سمير مجيد البيّاتي الصّورة (بورتريه بقلم الرّصاص سنة 2015 هديّة للعالية) معتمدا على اللّوحة الأصليّة.

العوامل المساعدة في تكوينه الشّعريّ

ساهمت عوامل كثيرة في تكوينه الشّعريّ أهمّها:

= امتلاكه لموهبة شعريّة فيّاضة[13]

= مصاحبة شعراء العالية: السّعيدي والحشايشي والطّاهر الجربي والطيّب المدّب، وعمر النجّار، ومحمّد السّاحليّة، وإسماعيل شويخ، وغيرهم.

= زيارات شعراء شعبيّين للعالية من الجنوب التونسيّ والسّاحل.

= اختلاطه بالمثقّفين بالعاصمة فقد كانت له "علاقات وطيدة بالعائلة المالكة الّتي خوّلت له أن يجوس كثيرا في مجالس أهل العلم وأن يمتّن علاقاته ببعض العائلات التّونسيّة بالعاصمة".[14]

= علاقاته مع العائلات الكبيرة بالعاصمة.

= علاقات صداقة كثيرة مع شخصيّات من أهل العالية.

= مصاحبة أهل المالوف بالعالية.

= اهتمامه بفرق الغناء والعيساويّة والتيجانيّة والرّحمانيّة. وقد رُوي أنّ العربي النجّار تأثّر بشيخ الطّريقة الرّحمانيّة الّذي كان يزور العالية في موسم الحصاد ليجمع عطايا مريدي هذه الطريقة، «ويظهر أنّه كان داعية ناجحا»[15]، فبنى مقاما للطريقة على جزء من "جنينة" قرب دار النّجار بباب تونس و لا يزال إلى اليوم، ولكن تحوّل إلى مسجد تقام فيه الصّلاة.

وفي مقابل هذا الكرم للطريقة الرّحمانيّة، نجده ينقد ساخرا الطريقة العيساويّة. (سيرد ذكر ذلك لاحقا لطرافة موقفه وطرافة القصيدة).

= ارتياد مجالس الشّعر بالعاصمة.

= سهرات دكّان الحلاّق عمر البليدي صديقه، وكان يملي عليه شعره الّذي تجود به قريحته. كان المكان عبارة عن منتدى ثقافيّ يقام ما بين صلاتيْ العشاء والفجر.

ومن روّاد هذا المنتدى الّذي كان العربي النجّار نجمه، عمر النّجار (الشّهدة) والّذي اشتهر برواية شعر عمّه «وحدّثني عن هذا الحانوت بإسهاب»[16]. وكان من روّاده أيضا الشّعراء من أبناء العالية أمثال السعيدي والحشايشي والطاهر الجربي والطيّب المدّب، وهو ابن أخت العربي النجّار والّذي كتب عنه أشعاره، ثمّ محترفي الموسيقى الشعبيّة أمثال "الطبّالة والزّكارة" وأحبّاء الفنون الشّعبية كالمالوف من أمثال حسن صفرة والفوندي.

والمنتدى مشهور في كافّة مناطق البلاد لدى الشّعراء المعاصرين للعربي النّجار يقبلون عليه خاصّة في فصل الصّيف من السّاحل والجنوب ومختلف الأنحاء. «وقد روى لي بعض الشّيوخ عديد المواقف الّتي قال فيها العربي النّجار شعرا أو محلّ شاهد حدثت في هذا المنتدى مثل: الشّاوشيّة (أو خرجة ابّي الشّاوش) الّتي ينقد فيهاها العربي النجّار أهل العيساويّة».[17]

= العشق: إذ أحبّ شاعرنا الفتاة منى، ابنة العالية فكان حبّه من عوامل التهاب قريحته. ولكنّه لم يعش معها طويلا إذ توفّيت تاركة حزنا عميقا في نفسه صاغه في قصيدة "فراق غزالي"، وبكاها حتّى أرجع البعض ضعف بصره في البداية إلى هذا الحزن ثمّ عماه. ثمّ تزوّج ثانية وأنجب ثلاث بنات توفّين قبله.

= الأصل الأندلسيّ: وقد لاحظ المرزوقي هذا النّفس الأندلسيّ في الأبيات الّتي ذكر فيها عماه، فقد وصفها المرزوقي بأنّها أشبه بالزّجل الأندلسي. يقول العربي النجّار (على المحجوز):

اصغاني وافهم اقتباسي = = يا حاضر في المناب نحكي لك ما صار

سِبّة ذبلي وشيب راسي = = بيّ دنية الشوم غرّت في المشوار

من أوّل بْدُو في قياسي = = ولد ثمنية وعشرتين قضى الأبصار

جاني حاتم خطف نظري = = عقلي حار

الدّنيا حيّها يقاسي

واحد بدنو سقيم = = وواحد في المضمار

متنكّد خاطره = = يعاني في الأكدار

الدّنيا حيّها يقاسي

لطائف من الأشعار والأخبار

جُمع شعر كثير للعربي النجّار وبقيت أشعار أخرى أظنّ أنّ الجامعين لم يرشّحوها لديوانه أو رأوا فيها خصوصيّة لا تناسب القصائد المطوّلة الّتي شهدت للشّاعر بالفحولة ودعته للافتخار بنفسه في مناسبات كثيرة[18]:

أنا الّذي من تونس للنّيل = = شاد خبري في كلّ سواح

بن احمد العربي تنزيل = = معنى للفاهم توضاح

والسّلام على كلّ رجيل = = من ضميري نقرا بمياح

والغوالي زين التكليل = = نا قلت رنين الضبّاح

ويقول:

ما اسبقنيش عرف بفكر هام = = إلاّ سعد الأزرق قدّ اشغالها

وبن موسى لو كان عاشرني قوام = = يعطيني البيعة بغير اشدالها

لكن فات اسبق والسابق علاّم = = صيتو بهذيل ليمنه وشمالها

أنا المشهور ما بين الأقوام = = في ترشيش الحاضرة واعمالها

وقد أورد رشيد الذوّادي في كتابه "أعلام من بنزرت" حكاية عن هذا الافتخار بالتفوّق تقول إنّ شاعرنا وصلته رسالة من أحد شعراء السّاحل عبارة عن ورقة بيضاء بها شكل بيضوي. فقال لمن فتح له الرّسالة بأن يضع نقطة داخل الحلقة. فلما استفسره عن ذلك قال: إنّ المرسل قصد أن يقول إنّه عين الشّعراء فأخبرته بأنّني بؤبؤهم.

وهذه فطنة من الشّاعر واعتداده بنفسه بين الشّعراء.

ورُويت عن العربي النجّار نوادر كثيرة منها أنّه شرى مرّة لحما بعد أن أكّد له الجزّار طراوته ولكنّه وجد على عكس ذلك فقال:

يا داغل الذّهب بنحاس = = عقلك على الرّبح ونّى

خسرت خسارة افلاس = = في قصد صاحب الغُنّة

الشرّ مولاه متعاسْ = = محال يدخل الجنّهْ

قال النّبي سيّد الناس = = من غشّنا ليس منّا

كما رُوي عنه من النّوادر حكايته مع "فطيمة زوجة الشّاوش القينوبي" وهي زوجة صديقه، وقد مرّت بقربه فسمع رنين حليّها فأنشد يقول لها مازحا:

يا ماشية بالرنّة = = ومدرجحة الخلاخل

في العمر شفتك مرّة = = خلّيت قلبي واخل

يا مزيّنة من برّة = = آش حالك من داخل

وكانت بذيئة اللّسان فغضبت منه وكالت له الشّتائم والسّباب وانصرفت وتركته غارقا في الضّحك.

كانت روحه مرحة وتواكب مزاج أهل العالية في ذلك الوقت. وقد رُويت عن أهل العالية الكثير من هذه النّوادر وظهرت شخصيات فكاهيّة وطريفة ما زلنا إلى اليوم نذكر بعضها مثلما نذكر نوادر الشّاعر، واندثر الكثير منها مثل نوادر "الفوندي" صاحب خرجة الصّيف. وهو ممّن عاصروا العربي النجّار وحفظ له، كما كان من الشّعراء الّذين يحضرون منتدى العربي النجّار في دكّان عمر البليدي.

ولكنّ هذه الفكاهة لم تمنعه من الوقوف موقف الشّاعر النّاقد المهتمّ بعصره ومجتمعه. ففي شعره مواقف كثيرة نذكر منها موقفه حين سمع نبأ احتلال الجيش الفرنسيّ لبنزرت، ثمّ علم بتوقيع الباي لمعاهدة الحماية واستسلامه للاحتلال، ورأى ما عمّ العالية من حزن وإحباط فقال متألّما:

اتدّردرت لا بات تصفى = = لعب خزّها فوق ماها

شردت لا بات ترتع = = الأذياب تعوي وراها

وقد كان يمزج أحيانا بين الواقع الموجع والفكاهة. وظهر في حادثة رواها شيوخ عرفوه، ونقلها شيخنا الفاضل الطّاهر البليدي في كتابه، أنّ الباي أطلق جيشه ليقوم بالجباية باغتصاب الممتلكات عنوة، وكان الشّيوخ الّذين يتولّون الاستخلاص يسخّرون من لا يدفع الجباية للعمل لديه مجانا دون أن يعفى من المجبى أو في مشاريع تعود للدّولة كالطرقات. ويصوّر ذلك الشّاعر الطّيّب المدّب ابن أخت العربي النّجار أنّه حين لم يدفع المجبى وكان ضريرا أمره شيخ العالية بالانضمام إلى حظيرة تعبيد الطريق بالحجارة ليكسّر الحجارة بيديه، فقال:

جور عليّ يا زماني جور = = المجبى وتكسير الشّرشور

وشعره الأقرب إلى الزّجل أو الّذي تميّز بالفكاهة وربّما الّذي جعل محمّد المرزوقي يصفه بالضّعيف أو بعدم ملاءمة بعض ألفاظه لصور من البادية والصّحراء، كان أقرب إلى روح مجتمع العالية الأندلسيّة وكان ناطقا بصورة المجتمع الّذي عاش فيه، فنقده.

وثبت عن العربي النجّار أنّه كان يسخر من بعض الطّرق الصّوفيّة وخاصّة منها العيساويّة (على اهتمامه بالطّريقة الرّحمانيّة). وبلغ به الأمر أن كوّن فرقة أو "فُقْرَة" وسمّاها "فقرة ابّي الشاوش" ولم تكن للزّهد والتّقوى بل للفكاهة والمرح وللنّقد السّاخر من بعض الظّواهر الدّينيّة والاجتماعيّة نقد بها بعض ممارسات الطريقة العيساويّة. حتّى وصل الأمر أنّ هذه الجماعة تختبئ في البيوت في يوم الخرجة حتّى لا تصيبهم سخرية الشّاعر وجماعته.

خرجة ابّي الشاوش

هي احتفاليّة غنائيّة فكاهيّة تقوم على طقوس معيّنة تصوّرها قصيدة مرحة يغنّيها جماعة من النّاس من أهل العالية وهم خارجون إلى البساتين في أوّل أسبوع من فصل الرّبيع. شخصيّتها "الشّاوش القينوبي" وهو صديق العربي النجّار. وتنقل تفاصيلُها صورة من العالية صارت من التّقاليد ثمّ عفا عنها الزّمان واندثرت ونذكرها اليوم كصورة فلكلوريّة هزليّة نذكرها بتحسّر على ما انطوى بتركها من عادات تجمع الناس في مرح وبساطة وتخرجهم من بؤس الحياة وتعقيداتها.

وضع العربي النجّار الخرجة للهو وللجدّ على حدّ سواء. فالخرجة أشبه بالمسرحيّة الغنائيّة، تُقام سنويّا في أوّل يوم إثنين من فصل الرّبيع. ويوم الإثنين هو يوم السّوق في العالية. فيجتمع أتباع "فُقرة ابّي الشاوش" في السّوق ويجمعون التبرّعات من خضر وغلال وأموال ويشرون ما يلزم الطّعام. ثمّ يركب ابّي الشاوش على حمار وهو يلبس سبحة مميّزة مصنوعة من حبّات "اللّيم"[19] الأصفر ويفصل بين كلّ 33 حبّة ليم جزرة. ثمّ تتّجه الجماعة نحو بستان ابّي الشّاوش للعمل وهم يغنّون جماعيّا. وهي أشبه بمهرجان استقبال الرّبيع يشارك فيها أكثر أهالي العالية.

تُغنَّى هذه المدوّنة الشّعريّة الموسيقيّة على الطّريقة العيساويّة، وقد حلّلتها موسيقيّا أستاذة الموسيقى، ابنة العالية، هويدة الإمام، في رسالة بحثها لنيل شهادة الماجستير في العلوم الثقافيّة اختصاص موسيقى وعلوم موسيقيّة، بعنوان الزّوايا والطّرق الصّوفيّة بمدينة العالية والتّحوّلات الطّارئة عليها وعلى ممارساتها الموسيقيّة (2013- 2014). وقد سُجّلت هذه المدوّنة بمركز الموسيقى العربيّة والمتوسّطيّة في 30 ديسمبر 2005 (أنشدها أبرز شيوخ العالية في الإنشاد: عبد الباقي بوزويتة، عبد الرؤوف بن عبد الله، شهدي السّاحلي، يوسف القينوبي، الطاهر بن مصطفى، حميدة شوريا).
وردت هذه المدوّنة في طبع المزموم جهاركاه مصاحبة بإيقاع رباعيّ على آلة البندير في جملتين رئيسيّتين.

= الجملة 1 طبع المزمزم.

= الجملة 2 تبتعد عن طبع المزموم لتذكّرنا بالمقام الكبير على درجة الجهاركاه في إطار الموسيقى العسكريّة التّونسيّة.

وتُختم الخرجة بنوبة الله الله الله الّتي وردت في طبع المحيّر عراق على درجة الجهاركاه بمصاحبة إيقاعيّة.

وأمّا القصيدة في معانيها فتحمل سخرية واضحة من الفرقة العيساويّة وكثير من الطرق الصوفيّة الّتي حادت عن أهدافها الدّينيّة والرّوحانيّة لتنغمس في الأكل والملذّات وجمع التبرّعات لغايات نهب الناس. حتّى لكأنّ الطّقوس المصاحبة للخرجة ومضمونها يدين جمع التبرّعات من الناس إذ صار كأنّه سلب للمال واغتصاب للأملاك الخاصّة لأجل مصالح فرديّة باسم الدّين، بل إنّها أيضا صورة لجمع المجبى، قابلها العربي النجّار بالمرح والفائدة الجماعيّة لإدانة الاغتصاب والسّلب لغايات فرديّة. وهذا يندرج ضمن النّقد السياسيّ لا الدّينيّ فحسب. فيه جرأة من الشّاعر يعاضدها ببذاءة اللّفظ في القسم الثاني فيورد ألفاظ الشّتائم يكيلها لـــ "ابّي الشّاوش" صاحب الفُقرة ويقصد بها صاحب الطّريقة الصّوفيّة.

ويواصل تصويره السّاخر بذكر أنواع الأكل وملء الشّيخ بطنه بأنواع الطّعام وقوّته الهائلة الّتي اكتسبها بهذا الأكل. ومرّة أخرى يغرق السّامع في الضّحك ولكن يفتح الفكر على صورة المستكرشين الّذين ينهبون أموال العامّة ثمّ يسلّطون عليهم قوّتهم.

ويعدّد الشّاعر العربي النجّار أنواع الثّمار والخيرات الّتي تزخر بها بساتين العالية ويطلب أن توضع أمام الشّيخ ومع كلّ عطاء يذكر للشّيخ صفة تزيد من تفخيم صورته سلبيّا حتّى لكأنّه سينفجر أكلا فينفجر السّامع ضحكا.

فهل يمكن أن نعتبر أنّ "خرجة ابّي الشّاوش" مجرّد احتفال بالرّبيع؟ أو إضحاك من الشّاوش القينوبي صديقه؟

لقد تجاوز العربي النجّار الظّاهر السّاخر إلى الباطن العميق فكرة ونقدا باستعمال أساليب المبالغة والتّفخيم والسّخرية والإضحاك في لغة أهل العالية ببساطتها ومرحها يملأ بها الشّوارع والبساتين غناءً وعملا، ويكشف بها ما تتميّز به العالية من الخيرات الفلاحيّة حتّى صارت مطمع الطّامعين من أهل الدّين والسّياسة في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، إذ يشقى العامل ويسعد أهل الدّين والسّياسة.

خاتمة

هذه القصيدة على بساطة تعابيرها تحفظ جوانب هامّة من المجتمع في العالية تدوّن لعادات رافقت أجدادنا وأكّدت ما للشّعر من قيمة في تخليد مظاهر من الحياة العامّة وموقف الشّعراء منها. ولولا "أحفاد ابّي الشاوش" وهم من الموسيقيين والمهتمّين بهذا الإرث ينشرونه بين الناس، ولولا تدوين "شيخنا الطاهر البليدي" وصدور الروّاة لضاعت كثير من المشاهد الّتي تصوّر لنا ملامح العالية في فترة زمنيّة عاش فيها شاعر من فحول شعراء الملحون في تونس يرسم العالم من حوله ببصيرة مبتسمة وفاءً لمجتمعه، شاعر اسمه العربي النجّار.

= = =

الهوامش

[1] ذكر محيي الدّين خريّف أنّ هذه المدوّنة تتكوّن من 140 مجلّدا كلّف بالعمل عليها وتبويبها. (انظر مقاله بيبليوغرافيا الشّعر الشّعبي: مجلّة الحياة الثّقافيّة 1 مارس 1984)

[2] العالية: تاريخ وآثار وحنين وأخبار القعباطة (أهل الفكاهة والمرح)

[3] "إلى جانب ما ذكرت فإنّ لي في الشّعر الشّعبي مادّة استطعت الاستفادة منها إذ هي كثيرا ما تعبّر عن وقائع حصلت كما هي، تعبّر بدقّة عن الأحوال الاجتماعيّة لأهالي العالية وخاصّة الأجواء الّتي تسود مجالسهم وتتناول مناحي عديدة من حياتهم. وأخصّ بالذّكر خاصّة العربي النجّار وابن أخته المعروف بالطيّب المدّب وكذلك أشعار الطّاهر الجربي ومحمّد جلّول الإمام المعروف بالمدّب والصادق بن منصور" (كتاب العالية تاريخ وآثار وحنين)

[4] من مواليد 1802م بصفاقس

[5] ولد سنة1782م وتوفي سنة 1862م بغمراسن بالجنوب التونسي، تميز بشعر الحكمة

[6] عاش في الثلث الأول من القرن العشرين، وتوفي عام 1934م، من قبلّي بالجنوب التونسي

[7] شاعر من أصل ليبي، عاش بتونس في القرن التاسع عشر أيّام المشير أحمد باشا

[8] أسّسها الشّيخ عبد السلام بن سليم (1485/1573م)

[9] تنتسب إلى الشيخ محمد بن عيسى الإدريسي

[10] أسّسها محمّد بن عبد الرحمان الزواوي المتوفى سنة 1793م.

[11] نسبة إلى أحمد التيجاني دفين مدينة فاس المتوفي 1230 هـ. وتعتمد أناشيدها على طابع شعبي صحراوي في الغالب يصاحب بالنقر على طبلة تدعى طبلة سيدي أحمد ولها فرق نسائية مشهورة بالعاصمة. (من مقال لزرياب تونس صالح المهدي بعنوان علاقة الموسيقى الصوفية بالموسيقى الدنياوية، منشور على موقعه)

[12] درس بالمعهد العالي للفنون في أوّل مجموعة تخرّج من هذا المعهد مهندسا. وانصبّ اهتمامه كليّة على التراث ودراسة فنّ العمارة التونسية في تاريخها الطويل ليتخصّص بعد ذلك في المعمار الإسلامي الذي هام به هياما فغدا ترميم الآثار الإسلامية عموما والأندلسية خصوصا هوايته التي جمع فيها باقي هواياته العديدة وخاصّة منها جمع التراث. كما وضع تصميما للعالية الأندلسيّة يظهرها كما بناها الأندلسيون الأوائل الذين سكنوا بالعالية

[13] المرزوقي الأعمال الكاملة الجزء 5 ص 340

[14] رشيد الذوّادي، أعلام من بنزرت ص35

[15] الطّاهر البليدي: كتاب العالية تاريخ وآثار وحنين

[16] الطّاهر البليدي: كتاب العالية تاريخ وآثار وحنين

[17] الطّاهر البليدي: كتاب العالية تاريخ وآثار وحنين

[18] المرزوقي رغم اعترافه بفحولة الشاعر إلاّ أنّه يميل في كلّ مرّة إلى التّذكير بأنّه لو كان يتّصل بأهل البادية لكان شعره أقوى. وبأنّ شعره أرستقراطيّ يصلح للقصور لذلك لم يكن وصفه دقيقا في بعض الأحيان. وأرى بأنّ المرزوقي لا يعرف جيّدا شخصيّة الشّاعر ولا بيئة العالية ولا تاريخها الأندلسي واهتمام أهلها بالفلاحة والعمل اليدويّ مثل الشاشيّة. في العالية الاهتمام بالفروسيّة قليل وبيئتها لا تعرف النّجع، والشاعر اعتمد كغيره من الشّعراء على ثقافته واطّلاعه على أشعار غيره.

[19] من أنواع القوارص

D 1 حزيران (يونيو) 2024     A وهيبة قويّة     C 1 تعليقات

1 مشاركة منتدى

في العدد نفسه

كلمة العدد الفصلي 33: تنوير أم تمويه؟

البناء النفسي ودوره في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها

استراتيجيات التواصل في الخطاب التربوي التعليمي

إضاءة عامة على نظرية نعوم تشومسكي اللغوية

نزوح الروح

بحث



5 مختارات عشوائية

1.  ولادة يائسة

2.  اتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة

3.  توضيح بشأن العدد 37

4.  أبو نواس والتغزل بالمذكر

5.  ثوبي ابيض

send_material


microphone image linked to podcast



linked image to oudnad.net pdf_xive
linked image to oudnad.net/dox