عــــــود الـــنـــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فـصـلـيـة رقـمـيـة

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 

عدلي الهواري

كلمة العدد الفصلي 30: النقد والمجاملات


عدلي الهواريالجدل حول أهمية النقد لن يتوقف. في سياق عدم الترحيب بالنقد يقال إن "الناقد مبدع فاشل". وليس كل من احترف النقد أو صنّف نفسه "ناقدا" يصبح القاضي الذي يصدر حكما نهائيا على ما هو جيد وما هو رديء. وكثيرا ما يختلف رأي الجمهور مع النقاد في أعمال أدبية وفنية، فأحيانا لا يكون تقييم النقاد لفيلم سينمائي إيجابيا، ولكنه يحظى بإقبال جماهيري يجعله ناجحا تجاريا.

في المقابل، الاستخفاف بأهمية النقد أمر غير حكيم، فالنقد نشاط فكري مهم، وفوائده لا تنكر، فعندما يحظى عمل أدبي باهتمام نقدي يسهم ذلك في الترويج له، ويرفع من مكانته. والدور المهم الآخر للنقد أنه يسهم إلى حد ما في دفع الكتاب والكاتبات إلى التطور شخصيا وتطوير كتاباتهم.

ولكن من المؤكد أن الأعمال الأدبية لا تحظى بالاهتمام في كل الحالات بدافع ذاتي من الناقد/ة، فدور النشر، والمؤسسات الكبرى التي تملك صحفا ومجلات، لها مصلحة في الترويج لكتب معينة، ليؤدي ذلك إلى زيادة المبيعات. بعبارة أخرى، هناك ماكينة إعلامية تبدأ العمل فور صدور كتاب أو فيلم أو ألبوم غنائي، فتكثر المقابلات التلفزيونية والمقالات ترويجا له، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

لم تعد الحال في الدول العربية غريبة عن ظاهرة خلق اهتمام من خلال ماكينة إعلامية، فلكل الدول العربية قنوات تلفزيونية وصحف ومجلات ومواقع تهتم بكل ما تريده الدولة المالكة أو المموِّلة، بما في ذلك الاهتمام بأعمال أدبية أو فنية.

ولذا يستحق الاهتمام بعمل أدبي أو فني النابع من إرادة الناقد/ة الترحيب به، على أمل أن يقرأ الإنسان نقدا صادقا غير هادف إلى زيادة مبيعات، أو صناعة نجم أدبي أو فني.

عندما نقرأ نقدا إيجابيا لرواية نفكر جديا في شراء نسخة منها، وبعد أن نقرأ الرواية من غير المستغرب أن يتولد لدينا تقييم مختلف عن تقييم الناقد/ة، فإذا كان اختلاف التقييم ضمن حد معقول ناتج عن اختلاف الأذواق فهذا أمر طبيعي.

يحدث أحيانا أن أطلع على عمل أدبي جديد، فأجد فيه عيوبا كثيرة، ثم بعد فترة أجد مقالات نقدية للعمل لا يمكن الاتفاق على عشرة في المئة من محتواها. ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل نسمع عن عقد ندوات بمشاركة ناقدات أو نقاد للاحتفاء بهذا العمل الأدبي. وأحيانا، وبعد العمل الأول، نسمع المؤلف وهو يتحدث عن مشروعه الروائي.

كذلك يلاحظ أن نقد أعمال من أصبحوا على درجة عالية من الشهرة يكون نقد إشادة وتعظيم، وقد يكون السبب أن للإشادة بصاحب/ة الاسم المشهور انعكاسا إيجابيا على الناقد/ة (عظيم ينقد عظيما). أما السبب الثاني المحتمل فهو أن ملاحظة سلبية على عمل من أعمال صاحب/ة الاسم المشهور تعرض الناقد/ة لغضب الشخص المعني إذا كان حيا، أو غضب مريديه إذا كان راحلا. ودائرة الغضب في هذه الأيام تكبر كالنار في الهشيم بفضل وسائل التجهيل اللااجتماعي.

مع مرور الأيام وصلت إلى استنتاج خلاصته الشك في صدق النقد الأدبي عندما أراه مكثرا في الكلام الإنشائي الجميل، أو الاعتماد على النظريات، في مقالة نقدية لرواية أو ديوان.

المطلوب ممارسة النقد بأمانة علمية، فإذا كان العمل المنقود جيدا، ليس من الأمانة البحث عن عيوب فيه قد تصل إلى حد التركيز على بعض أخطاء الطباعة، وترك محتوى العمل دون إي إشارة إلى جودته. وفي الوقت نفسه، ليس من الأمانة الإشادة بعمل ما والتغاضي عن كل ما فيه من سلبيات.

في حديث الناقد السوري الألباني الأصل، عبد اللطيف الأرناؤوط، عن تجربته في النقد، يشير إلى ظاهرة تحول الكتاب والشعراء إلى "دعاة وإعلاميين"، وما يترتب على الناقد في هذه الحالة:

"أهم ما يجب أن يلتفت إليه الناقد في دراسته الآثار الواقعية قدرة المبدع الواقعي إلى أن يفرق بين الفن ونقل المعلومات، أو المواعظ التعليمية، ذلك أن كثيرا من الكتاب والشعراء تحولوا من فنانين حسب نزعتهم الاجتماعية إلى دعاة وإعلاميين، فخلطوا بين الأدب وعملية التوثيق، وانحدرت الرواية أو القصيدة لديهم إلى مستوى من الوصف العلمي أو التبشير الأيديولوجي والإعلام الصحفي وأسلوب المباشرة والتقريرية"[1].

وفي مسألة تشجيع الكتابات والكتاب الجدد يقول: "وكنتُ من الذين شجّعوا هذه المحاولات [أي تشجيع "أصحاب الأقلام الناشئة"] مع توجيه الأقلام نحو إبداع فني حقيقي. على أنّ ذلك يجب ألا يكون على حساب الموضوعية، فيتحول النقد إلى مديح زائف أو تقريظ لأعمال يدرك القارئ العادي بالنظرة الأولى بعدها عن الفن"[2].

وخلاصة القول فيما يتعلق بواجب الناقد، يقول الأرناؤوط: "على الناقد أن يكون صريحا دون عنف. وإن تشجيع الحركة الأدبية الناشئة مهمة نبيلة من مهمات الناقد، لكن دون خيانة رسالته النقدية، فيتدنى نقده إلى تمجيد الآثار الضعيفة، أو يحاول أن يروجها، مهما كانت أهدافه نبيلة"[3].

ولكن الخلاصة أعلاه لا تنطبق على "الحركة الأدبية الناشئة" وحسب، بل يجب أن تُطبّق على الناشيء والعتيق الراسخ.

= = =

الهوامش

[1] عبد اللطيف الأرناؤوط، "تجربتي مع النقد الأدبي"، علامات في النقد الأدبي. العدد 53، المجلد 14 (أيلول/سبتمبر2004): ص 228.

[2] المصدر السابق، ص ص 338-339.

[3] المصدر السابق، ص 339.

رابط الموضوع في المجلة:

https://archive.alsharekh.org/Articles/181/16766/378676

D 26 آب (أغسطس) 2023     A عدلي الهواري     C 1 تعليقات

1 مشاركة منتدى

في العدد نفسه

جدلية حضور الـبِـرْوِة وغيابها في الخطاب الشعري

بين وجع الغربة والحنين إلى الوطن قصص تيه وضياع

من معين اللغة: النهر والنهار

بقرة حسين

تاريخ

بحث



5 مختارات عشوائية

1.  إحدى عشرة دقيقة

2.  جوع ونصوص أخرى

3.  الديمقراطية والإسلام في الأردن

4.  شواطئ العشق

5.  حلمي: طاقية الإخفاء

send_material


microphone image linked to podcast



linked image to oudnad.net pdf_xive
linked image to oudnad.net/dox