د. فراس ميهوب - سورية

الصحة النفسية لقادة العالم

عرض كتاب


فراس ميهوبيطرح الكاتب في مقدمة كتابه أسئلة عن حال القادة الذين صنعوا عالمنا المعاصر، هل هم متميزون عن الآخرين، أم لا يعدون أن يكونوا بشرا فانين؟ كيف تصرفوا بالسلطة؟ هل كانوا الأكثر قوة واستحقاقا وحكمة؟ كيف كانت حالة استقرارهم العقلي؟ هل كانوا بمنأى عن الأمراض النفسية؟ وبالعكس هل قادتهم الاضطرابات والنواقص والجروح إلى قمة السلطة؟

من جهة أخرى يتساءل الكاتب عن السلطة، هل هي مرض خطر؟

يتفق حاليا على وجود ما يسمى بمرض الزعامة المعروف بتناذر هوبري، وهو نوع من التسمم بالسلطة، يتميز المريض بغرور غير محدود، فقد بينت التجارب العلمية على الحيوان أن السلطة تغير بشكل عميق من حالة دماغه، وبشكل عام يصيب الضعف كل شخص يختار حياة يعتقد فيها أنه على حق دائما.

من علامات الصحة النفسية القدرة على انتقاد الذات والتأقلم، بينما التصلب في الرأي واعتقاد التفوق الدائم فعلامتان على الضعف.

لكي يصاب الإنسان بمرض عقلي، هناك استعداد وراثي لذلك، وليس بالضرورة أن يرتبط ذلك بمهنة ما.

يدرس الكاتب في مؤلفه تسع عشرة شخصية تاريخية قديمة وحديثة، وجد من بينها اثنتان فقط بصحة نفسية جيدة وهما النبي سليمان والرئيس الفرنسي الأسبق شارل دوغول.

يحاول الكاتب دراسة الحالة النفسية للشخصيات المختارة بالاعتماد على المصادر التاريخية، ومعطيات العلم، ويعطي أهمية خاصة لظروف نشأتهم الأسرية، ويدرس مراحل حياتهم الباكرة في الطفولة والمراهقة.

يضع الكاتب في نهاية كل فصل مخصص لشخصية ما التشخيص النفسي، بل ويقترح العلاج المفترض كما لو كان الطبيب النفسي لكل منها.

يورد الكاتب معلومات طريفة، فوالد هتلر كان طفلا من علاقة غير شرعية، ويُعتقد بأن جده لوالده كان يهوديا. وتعود اضطرابات ستالين النفسية إلى التربية الدينية المتعصبة لوالدته. أما تشرشل فقد كان نتاج علاقة مشبوهة لوالدته أمريكية الأصل مع رجل غير زوجها.

في ملاحظات طريفة يفسر سر حركات نابوليون بونابرت الغريبة بوضع يده على بطنه كما أظهرته اللوحات المصورة له، ويعيد ذلك إلى إصابته بقرحة في المعدة حرضها قلقه الدائم وتحولت لاحقا إلى سرطان أودى بحياته.

يشير المؤلف بذكاء إلى دور البيئة في سلوك الأشخاص، فماري أنطوانيت الأميرة المدللة في بلاط والدها إمبراطور النمسا كانت فتاة بريئة وعاقلة ما لبثت أن تحولت إلى امرأة مقامرة ومسرفة في بلاط زوجها لويس السادس عشر المبذر والتافه، ثم تحلت بالعقلانية والفضيلة في عهد الثورة.

يورد باتريك لوموان معلومات مثيرة عن حكام اتصفوا بالغرابة الشديدة، فكاترين الثانية إمبراطورة روسيا العظيمة كانت مدمنة على الجنس، ولم تتردد بخيانة زوجها بيير الثالث قيصر روسيا، وتآمرت على قتله. ولويس الرابع عشر صاحب أطول فترة حكم في تاريخ فرنسا عُرف بعلاقاته النسائية المتعددة مع نسوة من طبقة النبلاء كانت نوعا من الإذلال لهذه الطبقة بعد أن تعرض لمحاولة اغتيال عندما كان طفلا في العاشرة من عمره.

لم تقتصر الأمراض التي أثرت على سلوك الزعماء على الجانب النفسي، بل تعدتها إلى الجانب العضوي، فشارل كينت أكبر ملوك أوروبا في القرن الخامس عشر والمعروف عربيا بشارلمان أو شارل الخامس كان ضحية للصرع والربو والبواسير والكبد والنقرس، ودفعته المعاناة النفسية والآلام المزمنة إلى ترك السلطة، بل نظَّم بنفسه جنازته ومات بعد مراسمها بثلاثة أسابيع بفعل البرد الشديد.

لم تسلم جان دارك قديسة فرنسا من تحليل الطبيب النفسي العميق، واعتبر نبوءاتها نتيجة لإصابتها بالقهم: "فقدان الشهية" العصابي، وعدم تناول الطعام لفترات طويلة مما تسبب لها بظهور هلاوس جعلت منها قائدة لجيش ملك فرنسا وهي فتاة مراهقة.

يدرس الكاتب أيضا شخصيات أثرت على تاريخ الإنسانية كبوذا، وروبسبيير، فيشرح كيف تحول بوذا من أمير إلى زاهد واختياره لاحقا لطريق التوسط والاعتدال. أمَّا روبسبيير فكان طوباويا يرى العالم بطريقة الأبيض والأسود، الجيد والسيئ مما أدى به إلى المقصلة.

لم يقتصر اهتمام المؤلف بالقادة السياسيين فحسب، فتصدى لتحليل شخصيات دينية شملت عيسى المسيح، والنبي سليمان ووالده الملك داود، وشاول، بل قام بالتحليل النفسي ليهوه إله اليهود، ووصفه بجنون العظمة وبالشخصية المضطربة المعادية للمجتمع.

يشير الكاتب إلى أهمية موضوع اضطرابات النوم التي أصابت بعض الزعماء وأرقت حياتهم، ومنهم نابوليون بونابرت ووينستون تشرتشل.

في ختام كل فقرة من فقرات الكتاب، وبعد التشخيص النهائي، يقترح الكاتب العلاج المناسب والذي تراوح من لا شيء خصَّ به النبي سليمان إلى علاج بأعشاب طبية كالزعفران لعيسى المسيح وشارل دوغول، إلى إحالة إلى أطباء مختصين بحالة الأمراض العضوية المرافقة، كالصرع الذي أصاب يوليوس قيصر، وشارل كينت، والإسكندر الأكبر. ولم يتردد الكاتب بوصف أدوية نفسية ضد الاكتئاب وغيره من الاضطرابات، وعلاجات سلوكية وإدراكية عند اللزوم، وفي الحالات الخطرة لبعض القادة الدمويين كهتلر وستالين دعا إلى حجرهم في المشافي والإشراف الدقيق على علاجهم.

هذا الكتاب جدير بالقراءة والتأمل، ولا يخلو من متعة على الرغم من صعوبة التأكد من دقة التشاخيص لحالات أشخاص عاش بعضهم قبل مئات السنين، ولكن الموضوعات التي يطرحها في كتابه مشروعة وصالحة لكل زمان ومكان. وكحال كل كتاب جيد يجيب عن بعض الأسئلة، ويفتح الباب مشرعا لأسئلة جديدة في آفاق أكثر رحابة.

= = =

المؤلف: باتريك لوموان: طبيب نفسي فرنسي، ودكتور في العلوم العصبية، ألف عدة مؤلفات ناجحة.

= = =

المعلومات الأساسية عن الكتاب:

العنوان مترجما: الصحة النفسية لقادة العالم. عنوان الكتاب بالفرنسية:

LA SANTE PSYCHIQUE DE CEUX QUI ONT FAIT LE MONDE

المؤلف: باتريك لوموان. اسم المؤلف بالفرنسية: Patrick LEMOINE

الناشر: أوديل جاكوب-فرنسا. تاريخ النشر: 2021

اللغة: الفرنسية. عدد الصفحات: 288

غلاف كتاب بالفرنسية

D 27 شباط (فبراير) 2023     A فراس ميهوب     C 0 تعليقات