فنار عبد الغني - لبنان

الثوب الأبيض


فنار عبد الغنيكانت تتقن فنونا كثيرة منها فن خياطة الأثواب، وخاصة أثواب السهرات المميزة. وأشهر الأثواب التي تتقنها: أثواب الزفاف البيضاء. كانت خياطة مألوفة ومشهورة بإتقانها لمهنتها وإنسانة محبوبة وكريمة جداً. بصمتها مميزة في خياطة الأثواب الأنيقة وفي ترتيب الأشياء وفي طهوها للطعام وفي كلامها مع الآخرين وأمنياتها لهم.

كانت إنسانة رقيقة القلب، دائمة العطاء كشجرة خضراء مثمرة طيلة العام. ضحت بشبابها من أجل عائلتها. لم تكن الابنة الكبرى لأسرتها الكبيرة العدد، لكنها كانت الابنة التي ضحت بعمرها ومالها من أجل دعم أسرتها وخدمة والدتها حتى وافتها المنية. وبعد وفاة والدتها وسعت دائرة معارفها، فأصبحت أكثر اقترابا، بل التصاقا، بالناس، تتقرب إليهم بما يحبونه.

كانت أختاً حنونة وأنيساً لكل امرأة وحيدة تتعرف عليها. كانت أماً لكل عامل غريب يعمل في جوارها: كالناطور ومساعد الجزار ومساعد الفرّان ومساعد بائع الحلوى وعامل الصيانة وغيرهم من العمال الذين يعملون معها في مشغل الخياطة.

لم يكن لديها إلا أمنية واحدة: وهي أن تلتقي بنصفها الآخر. كانت قد مرّت بتجارب حب قاسية لم تردعها عن المضي والبحث عن حبيب صادق تكمل معه ما تبقى لها من العمر. لذلك لم تيأس يوماً ولم تتردد عن فتح باب قلبها لطارق مخلص.

كانت تسرد لي حكايات حبها السابقة بعينين نصف حالمتين وصوت يتخطى قسوة الأحداث، لم تمل ولم تيأس. كانت ترد على كل من يدعو لها: "عقبال حجتك"، لماذا لا تقولون لي "عقبال فرحتك؟ ألا تحبون أن ترونني عروساً".

كانت إجابتها تصدم الناس، فقد كانت لا تزال تتأمل وهي تتخطى عقدها الخامس أنها ستعثر على شريك حياة يحبها بصدق.

ذات يوم حادثتني ودعتني وألحت عليّ أن أزورها، ووفيت بوعدي وزرتها بعد ثلاثة أيام، وبعد أن قرعت الباب مرة واحدة فقط، فتحت الباب بسرعة وبوجه يبرق فرحاً وصوتاً مهللاً:

= "اليوم يوم زفافي".

جلست قليلاً ثم طلبت مني الذهاب معها إلى السوق قبل أن يحضر العريس. وفي الطريق سردت لي قصة زواجها المفاجئ وأنها كانت قد قررت ألا تلبس ثوباً أبيض، فقد ملت من لبس الأثواب البيضاء التي كانت تخيطها للعرائس. لكن عندما اقترب حضور العريس شعرت برغبة قوية بارتداء الثوب الأبيض. قمنا بجولة طويلة في السوق، نبحث عن فستان أبيض يناسبها. لم نجد ثوباً واحداً يناسبها، لكنها لم تيأس. قالت لي: "لنذهب إلى معرض العباءات الشرقية".

هناك أيضا لم تجد ضالتها وكانت أي عباءة تعجبها بحاجة إلى ساعات عمل طويلة لتناسب جسدها الممتلئ وقامتها القصيرة. صمتت وهي التي لم تعرف الصمت وعدنا إلى منزلها وقالت لي ونحن ننزل من سيارة الأجرة: "عندما سأحج سألبس الثوب الأبيض".

D 28 آب (أغسطس) 2022     A فنار عبد الغني     C 0 تعليقات

بحث






5 مختارات عشوائية

1.  رحلة في الماضي البسيط (*)

2.  زغدة

3.  زيتون ورضى

4.  "خليكي عايشة"

5.  إيمان يونس: مجموعة قصصية

send_material

تحميل الأعداد الفصلية

بي دي اف

download center