فادي أبو ديب - السويد

خطاب اللاوعي في فصول من حياة جبرا إبراهيم جبرا


.

=1=

فادي أبو ديبلا شكّ في أنه من غير الممكن أن نتحدث عن أعماق حياة الإنسان من دون اعتبار الفتوحات المعرفية والملاحظات المدهشة التي أنجزتها كشوفات التحليل النفسي وعلم النفس التحليلي عند فرويد ويونغ وغيرهما من علماء النفس. وإذا كان هذا صحيحاً بشكل عام، فإنّه ولا ريب مثار اهتمام كبير حين يتعلق الأمر بالإبداعات الإنسانية من فنون وآداب وغير ذلك. ولكن الأكثر إثارة هو حين يلحظ المبدع عمل اللاوعي، الفردي والجمعي، بغض النظر عن التسمية التي قد يطلقها عليه: قوى الحياة، إرادة الكون، رسائل الوجود، إلى آخره [1]. ولعلّه من الصواب القول إنّ هذا الوعي لما هو متعالٍ أو غير واعٍ أو فائق للعاديّ يترافق بإدراك للذات وتفرّدها وبتلمّس دورها التاريخي بوصفها شخصية غائيّة وعلاقتها بالزمان والمكان ليست عشوائية أو اعتباطية. هكذا إذن ينظر الإنسان إلى نفسه من منظور تاريخيّ، أي من زاوية حدس المعنى والغاية والرسالة.

بهذا المعنى تبرز إشارات اللاوعي، الفردي والجمعي/الكوني، في فصول عديدة من حياة الروائي والناقد والكاتب الكبير جبرا إبراهيم جبرا، ويبرز وعيه الشخصي لكثير من هذه الإشارات، والتي سنتناولها في ضوء بعض المفاهيم والتصوّرات والتجارب الشخصية التي كشفها عالم النفس التحليلي السويسري كارل غوستاف يونغ [2].

=2=

في ثاني إصداراته السِّيَرية، وهو كتاب "شارع الأميرات" الصادر كمتمم جزئيّ لكتابه "البئر الأولى" الذي يروي فيه ذكريات السنوات الإثنتي عشرة الأولى من حياته، يروي جبرا حادثة غريبة كان بطلاها الرئيسيان هو والشاعر العراقي المعروف بلند الحيدري، وقد حدثت عام 1951 في بغداد. وكان صديق جبرا، الإنكليزي دنيس جونسون ديفيز، قد اقترح عليه أن يوقعوا بالحيدري في مقلب ساخر، وذلك بأن يكتب جبرا قصيدة عجيبة مفتعلة ومليئة بالرموز والإشارات والأسماء الوهمية التي تحيل على الفلسفة الوجودية ومفاهيمها، والتي كان الحيدري مولعاً بشدة فيها مثله كمثل الكثير من المثقفين العراقيين والعرب في ذلك الوقت. وكانت الخطة تقضي بأن يدّعي جبرا بأنّ هذه إحدى قصائد الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، وقد ترجمها هو عن نسخة إنكليزية واردة في إحدى المجلات الإنكليزية المعروفة في ذلك الوقت.

ورغم أن المقلب انتهى من دون تحقيق نتيجة باهرة تؤكد ما إذا كان الحيدري قد "شرب المقلب"، إلا أن الأخير أدهش جبرا بإحدى ردات فعله ولفت انتباهه إلى مسألة في غاية الأهمية؛ فقد علّق الحيدري على هذه القصيدة قائلاً: "هذه القصيدة غريبة جداً، لأنها تشبه رسومك، كأنها خارجة من لوحاتك أنت. رموزها، وتفاصيلها، رأيتها، أو رأيت مثلها، في رسومك في السنتين الأخيرتين" (ص 147)[3].

لم يكن جبرا حتى ذلك الوقت قد تنبّه إلى هذه الصلة الوثيقة بين هذه القصيدة ’المفتعلة‘ ورموز رسوماته. ولكن هذه المواجهة أيقظت فيه حلماً غريباً، فكانت قصيدته "أغنية لمنتصف القرن"، والمنشورة في ديوانه "تموز في المدينة" (1959)، وذلك بعد أن حذف منها بعض المبالغات و"النفايات المقصودة" على حد تعبيره. لقد كانت هذه القصيدة، كما يعبر جبرا بنظرته ’التاريخية‘ لأحداث تلك المرحلة البغدادية في مطلع الخمسينات، تعبّر عن أعمق ما في نفسه، بل لعلها تعبر كما في عنوانها عن كل تلك الحلقات الفنية والأدبية والأحداث البغدادية والعربية في تلك الفترة التي تلت مباشرة نكبة فلسطين عام 1948، والتي هي نكبة جبرا شخصياً التي اضطرته لترك بلده (رغم أنه كان من سكان الضفة الغربية والقدس في ذلك الوقت) والاستقرار في العراق. لقد كانت هذه القصيدة "أغنية حب في منتصف قرن مليء بتمزيق الإنسان جسداً، وروحاً، وتاريخاً." (ص 148) وهي إذن خطابٌ يتمثّل فيه اللاوعي الفردي لجبرا، جامعاً رموزه الشخصية التي تسكنه وتظهر في رسوماته، بالإضافة إلى حضور ممكن للّاوعي الجمعي، وهنا أقصد به، وكما يقول جبرا نفسه، سمة ذلك الزمن وجحيمه الخاص. وهذا مقطع من مطلع القصيدة:

مخالب الليل في أشلاء الشوارع

تنهش، والنوافذ تدمى بمآق من حديد،

والناس فوق الحصى يتمزقون

تحت العجلات ووقع الحوافر.

...

هاتي قدميك رخاماً من جهنم

تقده أزاميل الأصابع.

شبعت كلاماً، وتقيأت أحلاماً،

واليوم يهاجم اليوم، والساعات كالخناجر [4].

ورغم أنّه من الصعب أن نتخيّل أنّ جبرا تمكّن بالفعل من تخليص القصيدة من كل افتعال ممكن، طالما أنّها كُتِبت أصلاً بشكل مصطنع، إلا أنّه من الممكن أن يخطر في بال القارئ أن يتساءل عمّا إذا كان الجحيم الذي يأتي منه "برخام قدميها" يتعلّق برؤيا منامية أخرى تكررت في حياة جبرا، وهي رؤيا النزول على درج وبرفقته امرأتان يحضنهما، ولا سيما أنّ للدرج هذا دلالة خاصة بحسب يونغ كما سنرى بعد هنيهة. يروي جبرا هذا الحلم كما يلي:

"أجد نفسي نازلاً درجاً لولبياً لا قرار له، ومعي امرأتان، واحدة عارية وأخرى لابسة، ومن حولنا أناس مزدحمون لا أرى منهم إلا الوجوه، وتستدير كلها نحوي وعيونها جاحظة وأفواهها فاغرة، وكأنها ليست إلا أقنعة تتحرك، وتصعد الدرج مروراً بي، وتنزل الدرج، وانا غير مبالٍ بها، محتضناً العارية واللابسة بانسجام تام. وكنت أعي إبّان الحلم أنني أتساءل: هل نحن في ردهة مسرح كبير، أم أننا ننزل شيئاً فشيئاً دركات الجحيم؟" (ص 133)

وقبل الإشارة إلى بعض رمزيات هذا الحلم ودلالاته اللاواعية، ينبغي أن نذكر أنّ جبرا كان في العموم واعياً أنّه موضوع لعمل قوى الكون، إن صحّ التعبير، التي ترسم له طريق المعرفة والنجاح؛ فهو يشير إلى موقعه في كل تلك الحلقات الاجتماعية والأدبية التي كان ينشط فيها ومن خلالها في بغداد على أنه نقطة تقاطع هذه الحلقات، وبه إحساس أنه "في وسط هذا جميعاً لست أكثر من طير عابر، وأن هذا المشهد كله، مع حبي له وانتعاشي به، ليس إلا تجربةً أخرى من تجارب فاوست في سبيل المعرفة، المعرفة المطلقة،...كان ثمة شيء غير حقيقي، ولكنه أشد التصاقاً بي من كل واقع يومي، كأنما هناك قصيدة غريبة جداً، بل موغلة في الغرابة هذه المرة، أكتبها وأنا أعيشها، ولا يهمني إلى أين ستنتهي بي. وبعضها يوقعني في مآزق، قد تقلقني قليلاً، ولكنها دائماً تثيرني جسدياً وروحياً، وتمزج لي المأساة بالعبث كل يوم، وتحيل كل شيء في النهاية إلى فنتزة هائلة يشطّ بها خيالي إلى حيث لا أعلم" (ص 150).

هذه الحالة الفاوستية المتوجهة نحو المعرفة المطلقة تتوافق بشكل جيد مع هذا الشيء "غير الحقيقي"، ولعل لاحقيقيته تشير إلى لا ملموسيته وليس إلى وهميته، أي إلى حالته المتباينة مع الواقع اليومي كما يتبين مما قيل، وهي تذكّر أيضاً بالدرج النازل إلى الأعماق. ألا يسكن مفيستوفيليس فاوست، وهو الشيطان بحسب رمزية صانعه غوته، في ذلك المكان السفليّ في النهاية؟! ألا يقبع في أغوار اللاوعي؟! يشير يونغ إلى أن مفيستوفيليس له علاقة بما يسمّى في قصة فاوست بعالم الأمهات The realm of mothers [5]، هذا العالم يرمز إلى الطاقة الخالقة الموجودة في اللاوعي، أو الليبيدو، والتي تتمثل رمزياً أيضاً بطبقات الأرض السفلى كما سيتبيّن أدناه. ولعلّ "إزميل" جبرا في المقطع الشعري الوارد آنفاً يشير إلى أداة الخلق التي تعمل في المادة الخام الموجود في "الجحيم" أو في الطبقات السفلى، في أغوار اللاوعي.

"عالم الأمهات" الفاوستيّ يرتبط أيضاً بصورة الرحم، الذي يرمز في الكثير من الأحيان إلى "الجانب الإبداعي من اللاوعي". وفاوست يجد في "عالم الأمهات" هذا الوعاء الهرمسيّ السرّانيّ الذي يتمّ فيه "الزواج الملكيّ"، وهو الرمز إلى هذا الاتحاد بين الذكر والأنثى، أي إلى الخلق والولادة، الذي لا يتم من دون الرمز القضيبي/الفالوسيّ، وهو الذي يمكن أن يمثله "الإزميل" في المقطع السابق، تماماً كما يمكن أن تمثل الكهوف والكؤوس في نفس القصيدة إشارات إلى الرحم والأم [6].

وبالعودة إلى حلم جبرا ورمزية النزول نحو طبقات الأرض السفلى يشير يونغ إلى هذه الرمزية بقصّ أحد أحلامه:

"كنت في منزل لم أعرفه، ذي طابقين. لقد كان ’منزلي‘. ووجدت نفسي في الطابق الأعلى...ثم بدا لي أنني لا أعرف شكل الطابق السفليّ. بنزولي الدرج وصلت إلى الطابق الأرضيّ. كل شيء فيه كان أقدم، وخمّنت أن هذا الجزء من المنزل لا بدّ أنه يعود إلى القرن الخامس أو السادس عشر. [ثم] وصلت إلى باب ثقيل وفتحته. واكتشفت وراءه درجاً حجرياً يقود إلى القبو. ونزلت مجدداً فوجدت نفسي في حجرة مقبَّبة بشكل جميل وبدت قديمة للغاية"[7].

ويضيف يونغ شارحاً بعض تفاصيل ما تراءى له: "لقد مثّل الطابق الأرضيّ المستوى الأول من اللاوعي. وكلما نزلت أعمق أصبح المشهد أكثر إظلاماً وغرابةً"[8]. ويضيف أنّ المستويات الأعمق من هذا البناء الذي يمثل طبقات الوعي واللاوعي كانت تمثّل اللاوعي الجمعي الذي يعود إلى البشرية بكاملها منذ الأزمنة البدائية وأطوارها ما قبل العاقلة.

ومن ناحية أخرى، فإنّ صورة المرأتين، اللابسة والعارية، في حلم جبرا، تحيل فوراً على تمثّلات "الأنيما" عند يونغ، ولهذه الناحية التي تشير إلى الجانب الأنثوي عند الرجل شروح طويلة ومعقّدة؛ فللأنيما جانبان، إيجابيّ وسلبيّ. وللجانب الإيجابي هذه القدرة على قيادة الشخص نحو عالمه الداخلي الذي يأتي منه بالإبداع الذي يتجلى في الفنون والآداب وغير ذلك[9]. ولعلّ في المراحل الأربع للأنيما (حوّاء، هيلين الطروادية، مريم العذراء، صوفيا) عند يونغ ما يلقي ببعض الضوء على هذين التمثّلين، العاري واللابس، للمرأة في حلم جبرا [10].

وإذا كان جبرا واعياً لبعض جوانب هذا الخطاب اللاواعي الفردي، إن صح اعتباره كذلك، والذي يتجلى في قصيدته المذكورة آنفاً، وفي لوحته الأثيرة "المرأة التي حلمت أنها البحر" (ص 157) التي رسمها لعمله الإنكليزي "حوليات الحبّ"، فإنّه على ما يظهر واعٍ جداً لما يمكن أن نسميه رسائل اللاوعي الجمعي أو الكوني التي تصله بطرق عجيبة. ولعلّ أكثر حوادث حياته عجائبية هو لقاؤه مع امرأة سمّاها "سيدة البحيرات"، وذلك حين كان في إنكلترا أيام دراسته هناك في بداية شبابه، وكان حينئذٍ يطارد مواطن الشعراء الرومانسيين الإنكليز وربوع أساطيرهم وحبيباتهم الخالدات؛ فقد تصادف مع امرأة جميلة تتسربل بالبياض بطريقة غير مألوفة بالنسبة لذلك المكان، وبدأت تسأله عن فلسطين وعن يسوع الناصري وتطلب منه أن يقول لها ما قاله المسيح باللغة الآرامية، وهي مبهورة تماماً وتتلمّس وجهه وجسده بطريقة تبجيلية غريبة، قبل أن تختفي بمجرد أن التفت عنها لكي يكمل طريقه.

ولقد حاول بعد ذلك بدقائق أن يعثر عليها في المكان وبين السياح المنتشرين، ولكنه أخفق في مسعاه. ويبدو أن جبرا لم يحزن كثيراً لإخفاقه هذا، وكأنه أحس براحة عميقة لأنه لم يجدها ويعرف المزيد عنها فتسقط من عالمها اللدنيّ الغامض إلى براثن عالم الكمّ والكيف والتسميات المحدّدة فتصير كغيرها من بني البشر المحدودين! ولعلّ في هذا اللقاء ما يشير إلى مفهوم التزامن أو التواقُت Synchronicity الذي حاول يونغ تعريفه ودراسته، وهو المفهوم الذي يطلقه على هذه الإشارات الخارجية أو المصادفات التي تأتي مترافقة أو متزامنة مع أحداث أو أفكار شخصية أو أحداث خارجية أخرى، وهو ما سنلتفت إليه فيما يلي.

=3=

الحادثة الرئيسية التي يمكن أن نقرأ فيها إدراك جبرا لقوى الكون الغامضة أو ما يمكن أن يشار إليه باللاوعي، سواء أكان هذا الإدراك ساعة الحادثة أم في ما تلا ذلك من الأيام، هي حادثة سيل القدس والفيضان الذي غمر منزله القديم هناك وأتى على رسائل حبيبته الإنكليزية "غلاديس نيوبي" التي كان قد فارقها منذ سنوات بعد عودته إلى فلسطين، وقد صار هذا الحدث بالنسبة إليه علامة كونية على أن تلك المرحلة الإنكليزية بكل ما فيها قد انقضت وولّت، وأن القادم هو حياة جديدة تتضمن علاقات جديدة، تُوِّجت فيما بعد بحبه الأكبر الذي وجده في زوجته "لميعة العسكري".

ويربط جبرا بين هذا السيل وثلاثيته القصصية "السيول والعنقاء"، وهو يذهب إلى تبيان بعض التفاصيل الزمنية واللغوية المرتبطة باكتمال أجزاء هذا العمل، فيشير إلى أنّ عنوان هذه الثلاثية ما هو إلا "صدى غير واعٍ مني لتجربتي مع لميعة طوال تلك الأشهر" (ص 215). كما أنه يرى أن سيل القدس هذا الذي حدث عام 1948 هو أيضاً ردّ كونيّ على قول سليمان في سفر نشيد الأنشاد إنّ "الحبّ قويّ كالموت. المياه الدافقة لا تطفئ لا تطفئ الحب، ولا تستطيع السيول أن تغرقه." وهو القول الذي اقتبسته بطلة الثلاثية "شيلا" التي لم تكن سوى صورة مجتزأة لغلاديس نيوبي.

وهكذا كان عنوان الثلاثية تجسيداً للحدث الحقيقي الذي آذن باختناق حبه لغلاديس تحت مياه الطوفان المقدسيّ. يصوّر جبرا هذا الحدث الحقيقي وأبعاده الرمزية كما يلي:

"والعجيب أن سيولاً حقيقية فعلت فعلها الرمزي لتطلقني في فضاءات تجربة جديدة ما كان لي أن أحزر نوعها. ففي ليلة الخامس من كانون الثاني عام 1948، تراكمت المياه سيلاً في طرقات القدس، وتهاوت طوفاناً ... واقتحمت بيتنا المهجور،...، وخلعت بابه،... وفي دوامتها حملت إلى الخارج، فيما حملت، علبة كبيرة من الصفيح مليئة برسائل غلاديس: حملتها كزورق تائه، طفا على الماء، وخرج إلى الباحة المجاورة. ثم انكفأت العلبة بحركة السيل المضطربة، وسقط غطاؤها غير المحكم، وانقذفت الرسائل إلى المياه" (ص 215-216).

ويزداد الأمر غرابة حين يربط جبرا بين هذا الحدث ومشهد روائيّ كان قد كتبه قبل هذه الحادثة بحوالي عامين، وذلك في الرواية القصيرة "صراخ في ليل طويل"، حيث يقول إنه كان قد وصف مشهداً شبيهاً بهذا المشهد: "وكأنني يومئذ إنما تنبأت بتلك الليلة الجحيمية" (ص 217). ويتابع في تناوله لهذه الحادثة، فيقول إنه ورغم الرمزية المختلفة للعنقاء في ثلاثيته من حيث إشارتها إلى تجدد الأمة، إلا أن اللاوعي كان حاضراً بشكل ما: "فإنني كنت، عن وعي أو غير وعي، إنما أتحدث عن تجربتي الشخصية، وأرى في كل ما يمرّ بي كل ساعة من حدث أو علاقة، أجزاء من تلك النيران التي أنهض من لهيبها ودخانها نهوض طائر خرافيّ" (ص 217).

هذه "الإشارات" الكونية التي تخاطب الشخص بالإشارة والرمز والتمثيل يشرحها يونغ بأمثلة أكثر غرابة واتساعاً من حيث نطاقها؛ فهو يشير إلى "ردة فعل كونية" تجاه النزوع المادي المفرط الذي حصل جرّاء الثورة الفرنسية وتأليهها للعقل والعلم بإشارته إلى اكتشاف الأوبانيشادات الهندية: "من المؤكد أنها أكثر من مصادفة ظريفة أنه في ذلك الوقت [زمن ما بعد الثورة الفرنسية وتتويج إلهة العقل في كاتدرائية نوتردام] جلب رجل فرنسيّ كان يعيش في الهند، يُدعى أنكِتيل دوبِرّون Anquetil Duperron، وفي بدايات القرن التاسع عشر- جلب معه ترجمة للأوبنِكهات Oupnek’hat- وهو مجموعة من خمسين قطعة من الأوبانيشادات- والتي منحت العالم الغربي نظرته المعمقة الأولى في العقل الشرقي المذهل."[11]

كما نقرأ قصة أخرى أكثر شخصانية، كانت قد حصلت مع يونغ خلال معالجته لإحدى المريضات المثقفات والتي كان علاجها صعباً جداً بسبب تمسكها بالتفسيرات العقلانية الصارمة وعدم انفتاحها على ما يمكن اعتباره غير عقلانيّ، وهي الحادثة التي يصنفها يونغ ضمن مصادفات التزامن Synchronicity:

"في لحظة حاسمة، رأت امرأة شابة كنت أعالجها حلماً قّدِم لها فيه جُعل [خنفساء] ذهبيّ. وفي الوقت الذي كانت تقصّ فيه عليّ قصة هذا الحلم كنت جالساً معطياً ظهري للنافذة المغلقة. وفجأة سمعت ضجة في الخارج، كنقر ناعم، فالتفتّ ورأيت حشرة طائرة وهي ترتطم بالنافذة من الخارج. فتحت النافذة وأمسكت الحشرة وهي تحلق داخلةً عبرها. لقد كانت الشبيه الأقرب للجعل الذهبي الذي يمكن للمرء أن يجده في منطقتنا، وهو الجعل الزمرّدي الشائع (cetonia aurata)، والذي على عكس عادته شعر بضرورة الدخول إلى حجرة مظلمة في تلك اللحظة المحددة. وينبغي عليّ أن أعترف أنه لم يحدث معي قط مثل هذا الأمر من قبل أو منذ ذلك الوقت، وأنّ حلم المريضة هذه بقي فريداً من نوعه ضمن تجربتي"[12]. لقد كسرت هذه الحادثة الجدار العقلاني الصلب الذي منع المريضة من التعاون الفعّال مع المحلِّل النفسي؛ لقد كانت رسالة تفتح لها آفاقاً أخرى لم تخطر لها على بال.

هذا "التزامن" أو "التواقُت" Synchronicity هو ما يعرّفه يونغ بأنّه "محتوى غير متوقع متصل بشكل مباشر أو غير مباشر مع حدث خارجي موضوعي ما ويتزامن coincides مع الحالة النفسانية الاعتيادية"[13]. وهذا يعني أن هذا التزامن لا يحصل حين يكون الإنسان في حالة خاصة من النشوة أو المرض النفسي أو الاحالات النفسانية غير الاعتيادية. وبهذا المفهوم يصبح العالم الخارجي، عالم الموضوعات الفيزيائية، مسرحاً لتمثيل أحداث أخرى تحصل على المستوى النفسانيّ، إما كنوع من الإشارة أو كحدث تنبئي. ولعلّ حادثة غرق رسائل غلاديس هي من هذا النوع من الحوادث الذي لم يخفَ على جبرا.

ولعلّ هذا اللاوعي هو أيضاً ما نطق فعلياً في السطور الأخيرة من كتابه "شارع الأميرات"، والذي ختمه في 27 شباط 1994، أي قبل حوالي عشرة أشهر من وفاته، حين لمّح إلى أن الكثير من تفاصيل سيرته الحياتية التي بقيت دون تسجيل أوتوبيوغرافي ما زال ينتظر أن يُستخلَص من "أوراق ورسائل ومصادر أخرى- هذا إذا لم تبدّدها الزوابع، أو تغرقها السيول" (ص 267)؛ فهذه الأوراق والرسائل والمصادر الأخرى بالإضافة إلى العديد من مقتنياته وذكرياته الشخصية تبدّدت وغرقت بالفعل في طوفان النار (ولا يمكن إلّا أن نلاحظ هنا ثنائية الماء والنار- الماء الذي أغرق رسائله تلك، والنار التي ’أغرقت‘ متعلّقاته الأخرى، بما يحيل على قصيدته المذكورة أعلاه، والتي يبدو أنها تصلح أيضاً لتكون أغنية لبداية القرن الجديد!)[14]؛ فقد دُمِّر منزله البغدادي في حي المنصور جرّاء تفجير مقر السفارة المصرية المجاورة له في نيسان من عام 2010، وهو التفجير الذي أتى على معظم ما كان في المنزل من ذكريات وأوراق ومتعلّقات تخصّ الناقد والروائي والشاعر الراحل. وهكذا يبدو أن هذا الحسّ التنبئي ورسائل اللاوعي قد بقيا حتى النهاية مرافقين لروح واحد من أهم المفكرين والمجدّدين في الفنون والآداب العربية في القرن العشرين.

= = =

الهوامش

[1] يونغ نفسه أشار إلى أنّ تسمية اللاوعي هي تسمية "علمية"، وهي ربما الأكثر حيادية التي يمكن استعمالها بما لا يحيل على معتقدات ما ورائية معينة قد تثير النعرات والتعصّب.

C. G. Jung, Memories, Dreams, Reflections (Stellar Books, 2013), p. 336.

[2] في روايته "البحث عن وليد مسعود" الصادرة عام 1978، يُبدي جبرا أُلفةً مع أعمال كارل يونغ، حيث يشير في عدة مواضع إلى مجلّداته وإلى مفهوم عقدة الأم بجانبيه الإيجابيّ والسلبيّ. للمزيد: جبرا إبراهيم جبرا، البحث عن وليد مسعود، ط6 (بيروت: دار الآداب، 2018)، 42، 149.

[3] جميع أرقام الصفحات الواردة في متن النص تعود على جبرا إبراهيم جبرا، شارع الأميرات: فصول من سيرة ذاتية، ط 2 (بيروت: دار الآداب، 2012).

[4] جبرا إبراهيم جبرا، تموز في المدينة، ط 2 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1981)، 35-36.

[5] C. G. Jung, Memories, p. 60.

[6] C. G. Jung, Symbols of Transformation, trans. R. F. C. Hull. From the Collected Works of C. G. Jung, Vol. 5, 2nd ed. (Princeton University Press, 1990), par. 182, pp. 125-26; C. G. Jung, The Archetypes and the Collective Unconscious, trans. R. F. C. Hull. From the Collected Works of C. G. Jung, Vol. 9, Part 1, 2nd ed. (Princeton University Press, 1968), p. 81.

[7] Jung, Memories, pp. 158-59.

[8] Ibid., p. 160.

[9] Marie- Louise von Franz, ”The Process of Individuation,” in Man and His Symbols, ed. C. G. Jung & M.-L. von Franz (New York: Anchor Press, 1964), pp. 178, 186.

[10] Ibid., p. 185.

[11] C. G. Jung, Modern Man in Search for a Soul, trans. W. S. Dell & Cary F. Baynes (London: Kegan Paul, Trench, Trubner & CO LTD.), p. 241.

[12] C. G. Jung, Synchronicity: An Acausal Connecting Principle, trans. R. F. C. Hull (Princeton & Oxford: Princeton University Press, 2010), p. 22.

[13] Ibid., p. 29.

[14] ولا شكّ أنّ هذا يحيل أيضاً على ورود هذه الثنائيات في الإنجيل مثلاً، معمودية الماء ومعمودية النار (والروح) في إنجيل متى 3: 11، وفي "مرداد" ميخائيل نعيمة حيث ترد ثنائية طوفان الماء التي نجا من خلال نوح في الفُلك وطوفان النار المرتقب [فيما لو لم ينتهج البشر نهجاً جديداً في حياتهم] (الفصل 37 من "مرداد" على سبيل المثال).

D 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2021     A فادي أبو ديب     C 0 تعليقات

بحث



5 مختارات عشوائية

1.  على حافة رسمة

2.  انكسار الذاكرة

3.  دبابيس

4.  قيود الانتصار

5.  بحث: الدلالة وجدل اللفظ والمعنى

send_material

تحميل الأعداد الفصلية

بي دي اف

download center