مكتبة وأرشيف

د. عدلي الهواري

للمساهمة في التراكم المعرفي وتعزيز التفكير النقدي

  للمساهمة في التراكم المعرفي وتعزيز التفكير النقدي

كتاب: الديمقراطية والإسلام في الأردن

ف 10: تقييم واستشراف

د. عدلي الهواري


من الناحية النظرية، غياب الديمقراطية في الدول العربية والإسلامية ليس راجعا إلى عدم توافق نظري بين الديمقراطية وكل من الإسلام والإسلام السياسي. وهذا الغياب أيضا ليس ناتجا عن سمات ثقافية تتميز بها المنطقة العربية، أو وجود «عقل عربي» ثابت لا يتطور. الحجج النظرية والرد عليها نشاط فكري مهم. ولكن تفسير الغياب ليس في النظريات، بل في قراءة أفضل للواقع في الدول العربية والفئات المستفيدة من نظم الحكم.

د. عدلي الهوارييصدر هذا الكتاب بعد مرور حوالي ست سنوات على تسليمي رسالة الدكتواره، التي أضفت لها فصلا قصيرا علقت فيه على الانتفاضات الجماهيرية العربية وتأثيرها على ما توصلت إليه من استنتاجات بشأن توافق الديمقراطية مع الإسلام. كانت الأحداث تتطور أسرع مما يمكن دراستها وتحليلها والخروج باستنتاجات تصمد أمام اختبار الوقت، فمهمة الباحث ليس التعليق السياسي على التطورات وقت حدوثها، فهذا من اختصاص وسائل الإعلام.

كوّنت في ذلك الحين بعض الانطباعات عن مدى تأثير التطورات حتى منتصف عام 2012 على الجوانب المتعددة لمسألة توافق/تعارض الديمقراطية والإسلام، الدين والسياسي. والآن بعد مرور ست سنوات تقريبا، يمكن الحديث بوضوح أكبر عن تلك التطورات وما تلاها بعد متابعة متأنية لها.

ما جرى في الدول العربية منذ نهاية عام 2010 فصاعدا اختلفت تفاصيله من دولة إلى أخرى، ومع ذلك يلاحظ زيادة في انتشار الرأي الذي يرى أن ما حدث في كل الدول العربية ابتداء من تونس فمصر فليبيا فسورية وغيرها كان مؤامرة غربية لتفتيت المنطقة العربية بعد تقسيمها وفق اتفاقية سايكس-بيكو.

لا يمكن التعامل مع التطورات في الدول العربية كوحدة واحدة، فما جرى في تونس ومصر لا يمكن أن يقارن بما جرى في ليبيا وسورية. في تونس، من غير المعقول أن يقال إن رئيسا يعدل الدستور لكي يتم انتخابه عددا غير محدد من الفترات رئيس يتمتع بالجماهيرية حقا. وحتى لو كان الأمر كذلك، فإن تولي الحكم في أي مكان في العالم فترتين متتاليتين أكثر من كاف، ولذا لا ينبغي أن ينطلي على أحد أن شعبا ما يرضى بأن يظل يحكمه شخص واحد يجعل الحياة السياسية في البلاد جدباء.

الوضع في تونس كان جاهزا للتغيير منذ أن قرر بن علي أن يحكم أكثر من مرتين. وتونس معروفة في العالم العربي بأن فيها نقابات نشطة، ومتقدمة على بقية الدول العربية من ناحية حقوق المرأة. ولذا، هناك قوى حية في المجتمع تدرك أن نظاما كنظام بن علي تجاوز فترة صلاحيته قبل سنوات عديدة. والرجل لم يتحل ببعد النظر ليقدم مصلحة تونس على مصلحته، بتمكين الشعب التونسي من ممارسة المحاسبة للحاكم من خلال تداول السلطة سلميا كل عدد محدد من السنوات. ولذا عندما توفرت الشرارة لانتفاضة جماهيرية، كانت قوتها أكبر من أن تفشل، وخاصة بعد أن رفض الجيش قمع المتظاهرين.

وكي أناقش مسألة المؤامرة الغربية، من المنطقي أن يسأل المرء: ما هي الفوائد التي تجنيها الدول الغربية من استبدال بن علي؟ الرجل حليفها، ولم يفعل شيئا يجعل الدول الغربية تشعر أنه يهدد مصالحها. والدول الغربية معروف عنها أنها تفضل حالة استقرار يفرضها نظام صديق على وضع لا يمكن التنبؤ بنتائجه.

وثمة خلط في تفسير النشاطات التي تنظمها وتمولها الدول الغربية للترويج للديمقراطية في الدول العربية من ناحية، وتنظيم احتجاجات جماهيرية للإطاحة بنظام صديق لها من ناحية أخرى. إن نشاطات الترويج للديمقراطية تجعل الدول الغربية توحي بأن لديها قيما سامية تستحق أن تنشر في باقي العالم. ولكن الدول الغربية لا تمارس القيم بعيدا عن حساب الربح والخسارة في المصالح.

ولذلك نشاطات الترويج للديمقراطية في الأردن على سبيل المثال لا تعني أن غايتها النهائية استبدال الحاكم بآخر من خلال انتفاضة جماهيرية. وهكذا فإن النقد الذي وجه إلى هذه النشاطات ولظاهرة خلق قطاع جديد هو قطاع المنظمات غير الحكومية المعتمد على التمويل الخارجي نقد وجيه، ولكن اعتبار أن هذه النشاطات كانت ضمن تصور بدأ تنفيذه في أواخر عام 2010 أمر غير واقعي.

وفي مصر، كان هناك الكثير من الاعتراض على استمرار حكم مبارك، وخاصة بعد أن بدأت تظهر المؤشرات على أنه ينوي توريث الرئاسة لابنه جمال. كان نظام مبارك قد شاخ وهو لا يزال في الحكم، وزادت الطين بلة نيته توريث الرئاسة لابنه. والاحتجاجات التي جرت في مصر قبل مظاهرات يناير (كانون الثاني) 2011 التي أزالت مبارك لم تكن كلها سياسية، فبعض الاحتجاجات كان متعلقا بحقوق العمال. ولذا كان الوضع في مصر ناضجا للتغيير قبل سنوات، ونجاح انتفاضة تونس قدم الدفعة المعنوية لمجهودات تسعى إلى التغيير منذ سنوات.

وعودة إلى تفسير المؤامرة أعلاه بشأن مصر، من غير الواقعي أن يقال إن قادة الدول الغربية قرروا استبدال حليفهم مبارك بآخر. لم يكن مبارك يرفض طلبا للولايات المتحدة، وهو الذي أجهض محاولة حل مسألة غزو العراق الكويت بجهود عربية، وشاركت قوات مصرية في الحرب البرية التي أخرجت القوات العراقية من الكويت. ودوره في عملية السلام منسجم مع اتفاقيات كامب ديفيد، ولذا دعمه للقضية الفلسطينية متركز دائما على تقديم الفلسطينيين تنازلات من أجل التوصل إلى اتفاق سلام نهائي مع إسرائيل. وداخليا، الاقتصاد المصري مفتوح للشركات الغربية. لذلك، منطقيا ليس هناك حافز للدول الغربية لتنظيم مظاهرات لإزاحته من منصبه، فالرجل لم يؤمم شركات أو مشاريع أجنبية.

ومن الآراء المتداولة فيما جرى في الدول العربية ابتداء من تونس أن الدول الغربية قررت أن تغير نظم الحكم وتفتيت المنطقة باستخدام جماعات الإسلام السياسي، كجماعة الإخوان المسلمين بمسمياتها المختلفة في الدول العربية. يتجاهل هذا الرأي ما قالته وفعلته الدول الغربية لمنع وصول الجماعات الإسلامية إلى الحكم عن طريق المشاركة في الانتخابات. وقد ناقشت في الفصول السابقة ما كتبه باحثون عن المخاوف من وصول الإسلاميين إلى الحكم عن طريق الانتخابات.

وهذا الرأي أيضا ينظر إلى كل الجماعات التي تطلق عليها صفة «إسلامية» باعتبارها كتلة واحدة متجانسة لا فرق فيها بين جماعة مثل الإخوان المسلمين في الأردن أو فلسطين أو مصر أو تونس وبين جماعات العنف المسلح كالقاعدة وداعش. الجماعات الإسلامية ليست كتلة متجانسة، مثلما لم تكن الأحزاب الشيوعية في عصر الحرب الباردة متجانسة أيضا. حتى حزب البعث ذو المنشأ الواحد تحوّل في الواقع إلى حزبين غير متجانسين، أحدهما في سورية والآخر في العراق.

بعض أنصار هذا الرأي يعتبرون أن أصحاب الآراء الأخرى يتبنون عن وعي أو دونه منطلقات المركزية الأوروبية، وهذه تهمة سهلة وتوحي بأن مطلقيها يمتلكون قدرا أكبر من الوعي الفكري، فهم ليسوا قادرين على تحليل الأوضاع في الدول العربية بشكل صحيح وحسب، بل هم أيضا على مستوى متقدم من الفكر يرفض منطلقات المركزية الأوروبية. ولكني أرى افراطا في الانتقاص من آراء الآخرين بالقول إنها نابعة من مركزية أوروبية. وأرى أن هذا الأسلوب في نهاية المطاف يبرر استمرار أوضاع سلبية في الدول العربية. ويرتبط التبرير أحيانا بالهروب إلى الأمام أكثر عن طريق ربط استمرار الأوضاع في الدول العربية كما هي عليه بوجود صراع مع الدول الغربية الرأسمالية، وما يسمى «الناهب الدولي».

هنا أيضا تلاحظ أعراض استخدام أدوات تحليل للواقع تفتقر إلى الدقة، فالدول الغربية الرأسمالية تلتقي في بعض المصالح، وتتنافس على أخرى، ولذا لا يوجد ناهب دولي واحد، بل أكثر من ناهب. وضمن التنافس والتعاون، يكون لفرنسا مثلا دور أكبر في التعامل مع شؤون الدول العربية التي كانت تستعمرها. ولكن كي أناقش هذه النقطة دون التركيز على عدم دقة المصطلح، سوف أفترض أن الناهب الدولي كتلة واحدة من الدول الرأسمالية تقودها الولايات المتحدة بحكم كونها قائدة العالم الرأسمالي.

يرى أصحاب هذا الرأي أن نجم الولايات المتحدة كقوة كبرى وحيدة في أفول، وأن بعض ما تقوم به، كما في سورية مثلا، علامة من علامات هذا الأفول. وهم يرون أيضا أن محاولات تغيير الأوضاع في الدول العربية مصيرها الفشل لأنها لا تفهم أن الناهب الدولي هو المسؤول عن هذه الأوضاع، ويجب أن توجه الجهود نحو مقاومة الناهب الدولي. وهكذا، حتى الاحتجاج على تقصير الحكومة في جمع القمامة يصبح لا مبرر له، لأن الجهود يجب أن توجه دائما لمقاومة الناهب الدولي للتعجيل في انهياره.

وثمة تبسيط شديد في هذا الرأي إضافة إلى إغراقه في التفاؤل بحيث يبدو أن انهيار الهيمنة الأميركية أصبح قريبا، في حين أن أفول نجم الإمبراطوريات واحتضارها عملية تاريخية بطيئة. والتبسيط والتفاؤل يظهران أيضا في افتراض أن هذا الانهيار سيؤدي إلى حل المشكلات المحلية تلقائيا، في حين أن تجارب استقلال الدول أظهرت أن خروج الاستعمار لم يؤد تلقائيا إلى ازدهار الأوضاع في البلاد، بل يحتاج الأمر إلى مقدرة على إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

إضافة إلى ذلك، لم تعد روسيا أو الصين قلعة اشتراكية، والنموذج الاقتصادي الاشتراكي الذي ساد في عصر الاتحاد السوفييتي قبل غورباتشوف أو في الصين في عصر ماو تسي تونغ غير معمول به في روسيا أو الصين، فمنذ انهيار الاتحاد السوفييتي تغير النظام الاقتصادي في روسيا، والصين نظامها الاقتصادي اشتراكي بالاسم.

ومن الأمثلة على التحليلات غير الواقعية التي يعبر عنها يساريون داعمون لموقف النظام في سورية مقال للكاتب الأردني ناهض حتر نشر في 9 أيلول 2015 في صحيفة «الأخبار» اللبنانية الداعمة أيضا للنظام السوري. تحدث حتر في المقال عن اللاجئين السوريين واعتبر معظمهم «من الفئات غير القادرة على التعايش مع التعددية والنمط الحضاري الخاص بسوريا. وهكذا، فإن خساراتهم لا تعد نزفا ديموغرافيا».

ليس لرأي من هذا القبيل علاقة بتقييم الأمور بأسلوب علمي وموضوعي، وهو يفتقر إلى الحد الأدنى من الحس الإنساني تجاه اضطرار الناس إلى اللجوء إلى الدول العربية وغيرها، فالقذائف التي تدمّر البيوت وتقتل وتجرح ترغم الإنسان المؤمن بالتعددية وغير المؤمن بها على الفرار واللجوء حفاظا على حياته. ولا يعقل أن ملايين السوريين فضّلوا العيش كلاجئين في الدول الأخرى على العيش في بيوتهم في بلد فيه تعددية دينية وثقافية.

رد فعل القراء على المقال دفع الصحيفة إلى توجيه اعتذار للشعب السوري، اعترفت فيه بأن المقال «لم يكن ليُنشر في «الأخبار» لولا خطأ تحريري فادح». وترجمتي لهذا الاعتراف أن المقال لم يقرأ قبل نشره. وقالت الصحيفة في سياق الاعتذار إنها «احتضنت دوما تنوّعا في الأفكار والآراء يصل الى حدّ التّعارض، وهو ما ليس مألوفا في الصحافة العربية ولكنّه جزء أساسي من هويتها». هذا قول فيه مبالغة في مدح الذات، فالصحيفة ليست حقا منبرا للأفكار المتنوعة، وخاصة منذ حسم موقفها تجاه الوضع في سورية، وتغيير رئيس التحرير فيها تماشيا مع موقف تأييد النظام.

الثورة المضادة

صدم ما حدث في تونس ومصر الدول العربية الرجعية، وهي دول لها مكانة أعلى لدى الدول الغربية بالنظر إلى الثروة الأكبر في منطقة الخليج والسعودية. ولذا سارعت الدول الرجعية إلى تنفيذ ثورة مضادة. وما حدث في تونس ومصر، رغم أنه كان صادما لها، تحول إلى فرصة لتغيير أنظمة أخرى مثل النظامين الليبي والسوري باستخدام أسلوب يبدو في ظاهره أنه مماثل لما جرى في تونس ومصر، أي تحركات جماهيرية تستمر أسابيع قليلة وتنتهي بإرغام الرئيس على الاستقالة.

هناك قواسم مشتركة بشأن الحاجة إلى التغيير في الدول العربية، فالقذافي يحكم منذ عقود، وصار يخطط لتوريث القيادة لابنه. ولكن هناك أيضا اختلاف بين وضع تونس و مصر وليبيا، فالقذافي عادى الدول الغربية، وكان مغضوبا عليه من قبل. وحاولت الدول الغربية تغييره في الماضي. وقد شنت الطائرات الأميركية غارات على ليبيا في الثمانينيات، واستهدفت القذافي شخصيا، ولكنه نجا.

بناء على ما سبق، يصبح الحديث عن وجود نية مبيتّة لتغيير القذافي واقعيا، ولذا سارع حلف شمال الأطلسي إلى التدخل العسكري بذرائع حماية الشعب، وتم خلع القذافي بالقوة، ودفع حياته ثمنا لعدم استيعابه أن الدنيا تغيرت، ولا يعقل أن يظل جاثما على صدر شعبه كل هذه السنوات. وبدلا من إصلاح الأوضاع في البلاد حتى قبل حدوث مظاهرات فيها، ظن أن ليبيا ليست تونس، ووجه خطابا يتوعد فيه المتظاهرين، ولكنه في النهاية دفع حياته ثمنا.

ينطبق على سورية ما ينطبق على ليبيا من ناحية استغلال الدول الرجعية والغربية الحليفة لفرصة التخلص من أنظمة ليست على علاقة ودية معها كما هي في حالة تونس ومصر. القواسم المشتركة مع الدول العربية الأخرى موجودة، فسورية أصبحت جمهورية تحكم بالتوارث. ولكن الوضع فيها له جوانب تختلف عن مصر وتونس، فالنظام يحظى بتأييد من قوى قومية ويسارية لدعمه المقاومة الفلسطينية وحزب الله، وهو لم يتوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل.

تم تطبيق السيناريو الجماهيري المصطنع بتسيير مظاهرات في سورية، وهذه المرة أصبح هناك خياران أمام التعامل مع رد الفعل الحكومي، فإذا نجحت المظاهرات بإرغام الرئيس على التنحي كان به، وإذا لم تنجح، أصبح خيار التدخل الخارجي كما في ليبيا واردا أيضا.

في الحالة السورية كان هناك خطأ حسابات في الجانبين. توقع عدم لجوء النظام إلى القمع بسرعة كان غير واقعي. كذلك لم يستوعب النظام أن ما أمكنه عمله في الثمانينيات غير ممكن بعد ثلاثين عاما. ويلاحظ في الحالة السورية الاستعجال في عسكرة النزاع مع النظام، وهذه ليست صدفة. في البداية كانت الغاية تستهدف استدراج النظام لممارسة القمع كي تصدر المطالبات بالتدخل الأجنبي مثلما حصل في ليبيا. وكادت عملية عسكرية ضد سورية أن تبدأ، إلا أنها ألغيت في اللحظة الأخيرة، بعد أن قرر النظام التخلي عن أسلحته الكيماوية والبيولوجية، وصوت مجلس العموم البريطاني ضد مشاركة بريطانيا في عمل عسكري ضد سورية.

بعد ذلك، زادت العسكرة وأصبحت النية معقودة على إسقاط النظام بالقوة، ونجحت القوى المناهضة له في السيطرة على مساحات واسعة من سورية، وصدرت تنبؤات عديدة بقرب سقوط النظام. وكل التنبؤات بقرب سقوط النظام أخفقت، فلم يحصل انهيار في الجيش رغم تعرضه لضربات قاسية. والجماعات المسلحة الساعية إلى إسقاط النظام ارتكبت فظائع لا يمكن تبريرها، وعنت أن إسقاط النظام واستبداله بآخر من هذا النوع خيار غير عقلاني. كما أن إسقاط النظام واستبداله بآخر يريد التقرب من إسرائيل والتعاون معها أثار قلق الحريصين على ديمومة وجود مقاومة طالما أن الحقوق العربية والفلسطينية لا تزال غير مستردة.

في الوقت نفسه، تحولت سورية إلى ساحة تنافس بين الدول على النفوذ، وكان هناك استهتار بمصالح روسيا في المنطقة عامة، وسورية تحديدا، فقررت روسيا التدخل عسكريا، وأصبح النظام قادرا على إعادة بسط سيطرته على بعض المناطق التي خسرها. ولكن سورية وقت صدور هذا الكتاب تحولت إلى دولة فيها وجود عسكري لدول مختلفة. ومن غير الممكن في ظل تعدد الدول المنخرطة في النزاع تصور نهاية الوضع بصورة جازمة.

هناك من يرى أن ما حدث في سورية بعد التدخل الروسي وتقديم الدعم العسكري الذي أعاد للنظام مقدرته على الصمود والمواجه، والتمكن أيضا من استعادة مناطق خسرها، هو هزيمة لمشروع هيمنة أميركي على المنطقة، وأن شوكة هذا المشروع كسرت في سورية. لا شك في أن محاولة إسقاط النظام في سورية فشلت رغم كل ما بذل من جهود وخصص من موارد لتحقيق هذا الهدف. ولكن في المقابل، الوضع في سورية لا يمكن اعتباره أيضا نصرا للنظام، فهو لا يسيطر على سائر مناطق البلاد، وهناك وجود عسكري أجنبي في البلاد. وهناك الملايين من اللاجئين السوريين في الدول المجاورة، وهناك دمار كبير في المدن. لذا لا أحد يعلم متى ستكون سورية من جديد بلدا موحدا مكتفيا ذاتيا كما كان قبل سنوات.

حرية المطالبة بمصادرة الحرية

أشيد كثيرا بالعفوية التي اتسمت بها الانتفاضات الجماهيرية في تونس ومصر، وكثر الحديث عن الشباب، وتحول كون المرء شابا إلى مؤهل سياسي واقتصادي وقيادي. وقد كتبت عشر ملاحظات نشرتها كافتتاحية في العدد 64 من مجلة «عود الند» الثقافية (10/2011)، وحذرت فيها من أن العفوية ليست أمرا إيجابيا بالضرورة لأن قوى الثورة المضادة تخطط، وهي سارعت للتحريض على فكرة تولي حزب إسلامي الحكم، ففي مصر كان الشعار جاهزا مبكرا وهو «يسقط حكم المرشد». وانتشر كثيرا استخدام «فاشية إسلامية» وهو مصطلح ابتكره غلاة المتعصبين في الدول الغربية وتم تلقفه لخدمة غرض سياسي واضح وهو تحريض الشعب على كراهية الحزب الإسلامي الحاكم تمهيدا للتخلص منه بطريقة غير ديمقراطية.

الغريب في الأمر أن من كانوا يطالبون بإزاحة حزب إسلامي وصل إلى الحكم بطريقة ديمقراطية لم يرغبوا في التفكير في تبعات ذلك، فإذا انتفض الشعب من أجل تأسيس نظام ديمقراطي، فأول ما يجب أن يعتاد الشعب عليه هو انتظار دورة الانتخابات التالية ليصوت لصالح حزب آخر، ويتم تداول السلطة سلميا. فجأة بدا أن كثيرين أصبحوا تقدميين علمانيين، ويعارضون وجود علاقة بين السياسة والدين، وليسوا مستعدين للصبر أربع سنوات للتصويت لصالح حزب آخر غير إسلامي.

كانت نتائج الانتخابات الرئاسية في مصر متقاربة، واحتمال أن يكون فوز الإسلاميين مرة واحدة فقط احتمالا قويا. ولذا لم تكن هناك حاجة حقيقية لعمل شيء من أجل إزاحة الإسلاميين قبل إكمال الفترة المحددة لأي حزب يفوز في الانتخابات الحرة والنزيهة. وبتحالف من الأحزاب والقوى المختلفة كان من الممكن جدا تغيير المعادلة السياسية في مصر، وهي كانت مفتوحة على احتمالين: عودة نظام يعتمد على دعم أركان نظام مبارك، أو مجيء نظام جديد مختلف. وكان من الممكن تحويل التيار الذي دعم ترشيح حمدين صباحي إلى نواة تيار جديد لا هو إسلامي ولا هو امتداد لنظام مبارك.

فترة اتساع هوامش الحريات بعد نجاح محاولتي إزاحة بن علي ومبارك كشفت أن الأنظمة تعتمد على سياسيين وقضاة وضباط لا يتمتعون بالحد الأدنى من المؤهلات التي يجب أن تتوفر فيهم، وخير مثال على ذلك القراءة بلغة عربية غير سليمة، حتى عند قراءة نص مكتوب. كما أن بعض القضاة تحول إلى ضيف دائم في البرامج التلفزيونية. وكان الحديث عن استقلال القضاء يتم كما لو أنه في الدول العربية مستقل أكثر من الدول التي يوجد فيها فصل يعتد به بين السلطات.

الفترة القصيرة التي تولى الإسلاميون الحكم فيها شهدت حريات لم تعرفها مصر من قبل. مختلف الآراء كان لها منبر للتعبير. الانتقادات لم توفر أحدا. ومع ذلك، كانت هناك محاولات محمومة لوأد هذا الوضع الجديد. هناك من فعل ذلك عن وعي وكان له دور مرسوم مسبقا. وهناك من شارك في الهدم دون وعي كاف، أعتقد أنه نجم عن تصديق ما قيل عن الشباب وقدرته السحرية على التغيير. الموقف السليم كان يقتضي الدفاع عن الحريات المكتسبة من الهجمات عليها إن أتت من الإسلاميين أو غير الإسلاميين.

ولكن كثيرين وضعوا أنفسهم في خدمة الثورة المضادة غير مدركين أنها كانت ستتحرك أيضا لو أتت الانتخابات بقوميين أو يساريين أو شيوعيين. ما كان سيختلف هو لغة الخطاب، فلما فاز إسلاميون ركز الخطاب على استغلال الدين، مع أن الدين مستغل قبل مجيء الإسلاميين للحكم، وسيظل مستغلا في المستقبل، ومستغلو الدين كثر، ومن بينهم أيضا دول الرجعيات العربية التي تناهض الإسلاميين الذين لهم مسار مختلف عن مسارها.

لو فاز تيار ناصري لركزت محاولات الإطاحة على مساوئ جمال عبد الناصر والناصرية، والحديث عن حرب اليمن، وهزيمة حزيران 1967، والتنكيل بالإسلاميين، وإعدام سيد قطب، وفشل الوحدة مع سورية، وما شابه، ولن تذكر له إيجابيات. كذلك الأمر لو فاز تيار اشتراكي أو قومي أو أي تيار ليس خاضعا لإرادة قوى الثورة المضادة.

وثمة نقطة أخرى أود أن أشير إليها وهي أن حرية الرأي والتعبير حق للجميع، ولا يعقل أن يكون لليبرالي واليساري والقومي والناصري حق التمتع بالحريات، ولكن ممارسة الإسلاميين لها ممنوعة. نعم بعض الإسلاميين سيعبرون عن أفكار غريبة وغير عقلانية، ولكن التعبير عن ذلك ضمن حرية التعبير أيضا. ومن غير المعقول لأحد أن يتصور أن تكون هناك مجتمعات خالية من التيارات التي تؤمن بأفكار متخلّفة في أعراف الآخرين. الولايات المتحدة فيها الكثير من الجماعات الدينية التي تحمل أفكارا ليست أقل غرابة من أفكار بعض الإسلاميين.

إن المخاوف من مجيء الإسلاميين إلى الحكم قبل الانتفاضات الجماهيرية في الدول العربية بنيت على افتراض أن الإسلاميين وحدهم لا يمكن ائتمانهم على الحفاظ على الطبيعة الديمقراطية (غير الموجودة) لنظام الحكم. ولكن بعد الانتفاضات، أصبح لدينا الدليل الملموس أنه من غير الممكن ائتمان أحد، فردا أو جماعة، على ممارسة السياسة وفق مبادئ تحرص على التداول السلمي للسلطة، وعلى تعدد الآراء في المجتمع، فلا اليساريون ولا القوميون ولا الجيش ولا المخابرات ولا الصحافة ولا منظمات المجتمع المدني ولا منظمات حقوق الإنسان ولا الجماعات الإسلامية بميولها المختلفة يمكن ائتمانها على المحافظة على نظام سياسي ديمقراطي يتمتع فيه الأفراد والجماعات بالحريات والحقوق المتعارف عليها عالميا. يجب حماية الحرية من محاولات مصادرتها بصرف النظر عمّن يقوم بالمحاولة والذريعة المستخدمة لفعل ذلك.

لا شك في أن الحديث عن «الطبيعة الديمقراطية» لنظام ما حديث جذاب، وإبداء الحرص عليها فقط في حالة تولي تيار إسلامي الحكم أصبح حديثا تنطبق عليه مقولة «كلام حق يراد به باطل». ولا يمكن النظر برومانسية إلى منظمات المجتمع المدني الممولة محليا فقط أو من الخارج، أو إلى جهة أخرى ينسب إليها دور «حامي الحمى» في المجتمع. في السياسة، وفي حال وجود نية على تغيير وضع قائم، سوف تُحارب جماعة إسلامية بجماعات إسلامية أخرى، إضافة إلى القوى التي تسمى مدنية وعلمانية.

ومن المفارقات المحزنة أن المحسوبين على التيارات المدنية والعلمانية واليسارية والليبرالية والقريبين من الدول والأفكار الغربية لديهم الاستعداد للمشاركة في عملية خطابها في ظاهره تقدمي ويدّعي الحرص على الحريات في المجتمع وفصل الدين عن الدولة، ولكنهم في الواقع يمهدون الطريق لمجيء نظام حكم يخرس الجميع ويقمع الحريات ويسيئ إدارة البلاد سياسيا واقتصاديا. وفي رأيي أنه لم يعد للحديث عن دور مميز للمثقفين والنخب مصداقية، فالمصالح الشخصية والفئوية والطبقية تحرك الناس أكثر مما تحركهم المبادئ والانتماءات الفكرية المزعومة.

في الختام يمكن القول إن الحديث عن الديمقراطية في الدول العربية سيظل موضوعا الحديث فيه كالجدل البيزنطي. تغيير الأوضاع السائدة في الدول العربية لن يكون سهلا، فالفئات المستفيدة تملك من نقاط القوة ما يكفي لمقاومة محاولات التغيير، واجهاض التغيير الذي يفرض عليها في مرحلة ما بإعادة تنظيم صفوفها. والترويج للديمقراطية من الدول الغربية ومحاولة فرض نظم تسمى ديمقراطية ولكنها في الواقع ليست كذلك شوّه الفكرة.

من الناحية النظرية، غياب الديمقراطية في الدول العربية والإسلامية ليس راجعا إلى عدم توافق نظري بين الديمقراطية وكل من الإسلام والإسلام السياسي. وهذا الغياب أيضا ليس ناتجا عن سمات ثقافية تتميز بها المنطقة العربية، أو وجود «عقل عربي» ثابت لا يتطور. الحجج النظرية والرد عليها نشاط فكري مهم. ولكن تفسير الغياب ليس في النظريات، بل في قراءة أفضل للواقع في الدول العربية والفئات المستفيدة من نظم الحكم.


توثيق المقتطفات من الكتاب في الهوامش (أسلوب شيكاغو):

النسخة الورقية:

1. عدلي الهواري، الديمقراطية والإسلام في الأردن: 1990-2010 (لندن: عود الند، 2018)، ص - -.

توثيق النقل من الموقع:

يحذف من التفاصيل أعلاه رقم الصفحة، ويضاف إليها رابط الصفحة المنقول منها.

توثيق الكتاب في قائمة المراجع:الهواري، عدلي. الديمقراطية والإسلام في الأردن: 1990-2010. لندن: عود الند، 2018.

عنوان الكتاب يكتب بخط مائل أو يوضع تحته خط.

JPEG - 24 كيلوبايت
غلاف متوسط: الديمقراطية والإسلام