مكتبة وأرشيف

د عدلي الهواري

للمساهمة في التراكم المعرفي وتعزيز التفكير النقدي

 
أنت في : الغلاف » اتحاد الطلبة المغدور » المؤتمر الثالث: الجزء 2

كتاب: اتحاد الطلبة المغدور

المؤتمر الثالث: الجزء 2

د. عدلي الهواري


بالإضافة إلى رفض مبادرتي فاس وريغان في مشروع البيان السياسي، نشرت في عدد مجلة «الاتحاد» الخاص بالمؤتمر (العدد 9) مقارنة بين بنود مبادرة الملك فهد ومبادرة السلام العربية. (المقارنة كانت منقولة عن مجلة «البيادر السياسي»، ولكن لم يشر في مجلة «الاتحاد» إلى ذلك). ولا يمكن في ضوء المقارنة اعتبار مبادرة فاس أفضل من مبادرة الملك فهد، ولا يمكن بالتالي التحفظ على الأولى والرضا عن الثانية.

عدلي الهواري 1981؟المؤتمر الثالث في شيكاغو

حمل العدد 9 من مجلة «الاتحاد» تاريخ كانون الأول/ديسمبر 1982. وتصدرت الصفحة الأولى صورة لشبل فلسطيني كتب تحتها «إما فلسطين وإما النار جيلا بعد جيل»، وهي من أغنية بصوت جماعي (يا زهرة النيران في ليل الجليل)، وفي الأصل قصيدة للشاعر العراقي مظفر النواب. ونشر في العدد التقريران الإداري والمالي اللذان سبق نشرهما في عدد سابق، ولكن أضيف ملحق لتحديث التقرير الإداري ليشمل فترة غزو لبنان وحصار بيروت. وجاء في مقدمة الملحق:

أثناء الأيام القليلة من الحرب الأخيرة، التقت القوى والمؤسسات الوطنية الفلسطينية واللبنانية واتفقت على توحيد وتنسيق الجهود في العمل على الساحة الأمريكية لمواجهة أحداث الحرب وتأدية الواجب الوطني والإنساني تجاه شعبنا وثورتنا في معركة المواجهة الشرسة مع العدو الصهيوني. ولقد اتفق على أن يكون «المجلس الفلسطيني في أمريكا الشمالية» إطار هذا العمل الموحد.

والتزاما من الاتحاد بالاتفاق، وحرصا منه على وحدة العمل في الساحة الأمريكية وخصوصا في تلك الظروف العصيبة، قام الاتحاد بلعب دور فعال في النشاطات والفعاليات المقامة في تلك الفترة.

ثم يعدد الملحق النشاطات المختلفة التي تمت في تلك الفترة، وشملت المظاهرات والكتابة إلى الصحف وجمع التبرعات وإيصال المعلومات عن مجريات الحرب للطلاب والجاليات، وغير ذلك.

تضمن العدد التاسع ما يعادل صفحة عن نشاطات الوحدات في كل من لوس أنجلوس ورالي وسياتل وماديسون وفيلادلفيا ونيويورك وكولج ستيشن. وتحت عنوان «وثيقة» نشر نصا مبادرتي سلام: مشروع الملك فهد، والمشروع العربي للسلام. وقد نشر النصان بالموازاة والتجاور فكانت كل نقطة في مبادرة مقابل نظيرتها في المبادرة الأخرى، والاختلاف في النصين طفيف.

وعلى الصفحة الأخيرة نشر الإعلان عن عقد المؤتمر الثالث لفرع الاتحاد في الفترة من 28-31 من شهر كانون الأول/ديسمبر 1982 (الثلاثاء-الجمعة). وقد عقد فعلا في فندق قريب من شيكاغو.

كان الافتتاح الساعة السادسة مساء يوم الثلاثاء، وشملت جلسة الافتتاح كلمات تضامنية وحفلا للفنان الفلسطيني جورج قرمز. أما جدول المؤتمر في يومه الثاني فشمل تثبيت العضوية والوحدات، وقراءة تقارير الهيئة الإدارية ومناقشتها. وبعد الظهر خصصت الجلسة للبرنامج النقابي والتعديلات المقترحة على اللائحة الداخلية.

اليوم الثالث عقدت فيه ندوة لأنصار فصائل المقاومة، وندوة عن العمل الطلابي الفلسطيني. وأعتقد أن ممن شاركوا في ندوات هذا المؤتمر حيدر عبد الشافي، وكان آنذاك رئيس جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في غزة، وتيسير قبعة، أحد المسؤولين في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وتم في اليوم الثالث قراءة البيان السياسي ومناقشته. واختتمت أعمال المؤتمر السنوي الثالث يوم الخميس، 30 كانون الأول/ديسمبر 1982.

اليوم الرابع، أي الجمعة 31 كانون الأول/ديسمبر 1982، كان لمؤتمر استثنائي مخصص لانتخاب مندوبي فرع الاتحاد إلى المؤتمر الوطني التاسع لجميع فروع الاتحاد في العالم، واعتماد التوصيات التي يود الفرع رفعها إلى هذا المؤتمر. وتجدر الإشارة إلى أن أمين سر الهيئة التنفيذية، زهير الوزير، قد شارك في المؤتمرين الثالث والاستثنائي، ممثلا للهيئة التنفيذية، التي تشرف على كل الفروع في كل أنحاء العالم.

تبنى المؤتمر الثالث بيانا سياسيا أكد في بنده الأول «أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني أينما تواجد، كما نؤكد على حرصنا على استقلالية القرار الوطني الفلسطيني ورفض المساس به من أي طرف كان».

وعبر البيان في بند آخر عن رفض أي قرار يتجاوز «حقوقنا التاريخية والمشروعة»، وبناء على ذلك اعتبر البيان «مشروع السلام العربي المقر في مؤتمر فاس محصلة لعملية تمييع المفهوم الحقيقي للصراع العربي الصهيوني». وعبر البيان في بند آخر عن «رفض المبادرة الأميركية (مبادرة ريغان)» على أساس أنها «تكملة لحلقة المؤامرات الإمبريالية لإنهاء قضية شعبنا وتصفية حقوقه الوطنية».

بينت تجربة الاتحاد منذ تأسيسه في الولايات المتحدة وجود حاجة إلى بعض التعديلات على لائحته الداخلية، وأقر المؤتمر بعض التعديلات، ولكنها ظلت غير سارية المفعول إلى أن توافق عليها الهيئة التنفيذية للاتحاد. من هذه التعديلات رفع عدد أعضاء الهيئة الإدارية من تسعة أعضاء إلى أحد عشر عضوا، والتعديل البنيوي الآخر هو تشكيل مجلس متابعة يتكون من 23 عضوا، ينتخب من بينهم أعضاء الهيئة الإدارية، ويتحول عقد المؤتمر القطري من مرة كل سنة إلى مرة كل سنتين.

هذه التعديلات تسهل العمل الطلابي في الولايات المتحدة، فهي تتكون من 50 ولاية، وهي نصف قارة، والمؤتمر السنوي مكلف ماليا، وكثير من الوقت يستهلك في التحضير له كل عام، فما أن تمر شهور قليلة بعد انتهاء مؤتمر، حتى تتجدد دورة التنافس على تسجيل الطلبة وإجراء انتخابات. في المقابل، عقد المؤتمر كل سنتين يعطي أعضاء الاتحاد على كل المستويات وقتا أطول للقيام بالنشاطات دون ضغوط التنافس.

المؤشرات على الموافقة على التعديلات كانت متوفرة، وحسب ما جاء في رسالة تحمل تاريخ 1 تشرين الأول/أكتوبر 1983 موجهة من رئيس الهيئة الإدارية، إسماعيل عبد الرحمن، إلى الهيئة التنفيذية، كانت هناك موافقة شفوية [من رئيسها ناصر القدوة] على تشكيل مجلس متابعة. والأهم من ذلك، أن المؤتمر الثالث حضرة أمين سر الهيئة التنفيذية، زهير الوزير، الذي اقترح أن يسمى المجلس مجلس المتابعة بدل المجلس الإداري لتلافي اللبس في الاسم نتيجة لوجود مجلس إداري مركزي للاتحاد العام ككل.

من نشاطات المؤتمر الثالث حفل لفرقة دبكة أسسها الطلبة الفلسطينيون في مدينة لم أعد أذكر يقينا إن كانت سان أنطونيو أم هيوستن، وكلتاهما في تكساس. كان أداء الفرقة رائعا، وعزف زهير الوزير على الناي فتبين أنه عازف ماهر.

وتم في المؤتمر الثالث انتخاب أعضاء الهيئة الإدارية، وأعضاء مجلس المتابعة، ومندوبي الفرع إلى المؤتمر الوطني التاسع. وللأسف لا يوجد لدي وثيقة أنقل منها أسماء الأعضاء المنتخبين في الحالات الثلاث. وبقي تمثيل التيارات الثلاثة في الهيئة الإدارية متساويا كنسب (6 فتح؛ 2 جبهة شعبية؛ 1 جبهة ديموقراطية).

ونظرا للظروف التي استجدت على وضعي (القضية لدى دائرة الهجرة)، كنت بحاجة لتخفيف أعباء ما أقوم به من أعمال ليتوفر لدي وقت أكبر للتركيز على الدراسة. ولذلك، طلبت ألا تسند إليّ مسؤولية الإعلام، على أن أواصل المساعدة على إصدار مجلة «الاتحاد»، وأسندت إليّ مسؤولية المالية، وكان للاتحاد حساب جار في سيتي بنك في نيويورك، ويتم الصرف منه بشيك عليه توقيعا الرئيس ومسؤول المالية.

موقفات سياسيان متناقضان

تصادف أن التقى مندوبو وحدة نيويورك مع زملائهم القادمين من بوسطن في استراحة على الطريق إلى أيوا لحضور المؤتمر الثاني عام 1981. وقد أعطي مندوبو بوسطن نسخة من بيان أنصار فتح المخصص للمؤتمر.

احتوى البيان على مجموعة من النقاط التي تدعو المؤتمر الثاني إلى تأكيدها أو تبنيها على المستويين السياسي والنقابي. تضمن الشق السياسي نقاطا لا جديد فيها فأنصار فتح، كما أنصار التيارات الأخرى، يعبرون عن المواقف السياسية لتياراتهم ولا يخرجون عن إطار الحدود الدنيا التي تجمع عليها مختلف التيارات الفلسطينية المشاركة في منظمة التحرير.

مثلا، جاء في البند الأول من الشق السياسي: «الوقوف مع الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية في تصديهما اليومي للعدوان الصهيوني على لبنان وجنوبه الصامد». وجاء في البند الثاني «دعم منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني». أما البند الثالث فجاء فيه: «نعلن تأييدنا المطلق للقرارات الصادرة عن دورة المجلس الوطني الفلسطيني الخامسة عشرة ... ونحيي عودة ممثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إلى اللجنة التنفيذية». وكان نص البند الخامس في الشق السياسي:

5- إننا نحيي حركات التحرر التي تؤيد شعبنا ونحيي دول المجموعة الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي، وكذلك كل من يقف معنا في نضالنا العادل لاستعادة حقوقنا المشروعة في وطننا فلسطين من دول مجموعة عدم الانحياز والمؤتمر الإسلامي وكافة القوى الديموقراطية والتقدمية بما في ذلك القوى التقدمية اليهودية داخل الكيان الصهيوني.

عندما وصل المندوبون إلى المؤتمر تبين أن لمندوبي بوسطن اعتراضا على هذا البند من البيان، وقالوا إنه لا يمثل موقف فتح، وبالتحديد الجملة الأخيرة التي تذكر القوى التقدمية اليهودية.

الحديث عن القوى التقدمية اليهودية كان يرد في «فلسطين الثورة»، مجلة منظمة التحرير، وذكر أيضا في قرارات المجلس الوطني الفلسطيني، وبالتالي وروده في البند الخامس أعلاه ليس موقفا ابتدعه مؤيدو تيار فتح في الولايات المتحدة في مسودة البيان الخاص بالمؤتمر الثاني. البند 14 من قرار المجلس الوطني الفلسطيني عام 1977 (الدورة 13) نص على «أهمية العلاقة والتنسيق مع القوى اليهودية الديمقراطية والتقدمية المناضلة داخل الوطن المحتل وخارجه ضد الصهيونية كعقيدة وممارسة».

ولكن مندوبي مدينة بوسطن قالوا إن موقف منظمة التحرير لا يعني موقف فتح. وعلى هذا الأساس قالوا إن مواقف فتح خالية من موقف كهذا. في المؤتمر الثالث للاتحاد، كان موقف مندوبي بوسطن من البيان السياسي المقترح على المؤتمر مختلفا عن المرة السابقة، فالبيان لا يوجد فيه موقف مخالف لمبادئ وأهداف فتح، ومع ذلك كان لهم اعتراض معتبرين أن فيه «تشكيكا بالقيادة».

بالإضافة إلى رفض مبادرتي فاس وريغان في مشروع البيان السياسي، نشرت في عدد مجلة «الاتحاد» الخاص بالمؤتمر (العدد 9) مقارنة بين بنود مبادرة الملك فهد ومبادرة السلام العربية. (المقارنة كانت منقولة عن مجلة «البيادر السياسي»، ولكن لم يشر في مجلة «الاتحاد» إلى ذلك). ولا يمكن في ضوء المقارنة اعتبار مبادرة فاس أفضل من مبادرة الملك فهد، ولا يمكن بالتالي التحفظ على الأولى والرضا عن الثانية.

أليس غريبا أن يُزعم في عام 1981 أن البند 5 المذكور أعلاه لا يعبر عن موقف حركة فتح، ثم في عام 1982 يصبح التعبير عن الرأي في مسألة مبادرات السلام وغيرها تشكيكا بالقيادة؟ الموقف في عام 1981 اعتمد على المزايدة، فالبند الخامس يمكن للمرء أن ينتقده على أساس خطئه أو صوابه من منطلق سياسي أو نظري، ولكن لا يمكن اعتباره غير متوافق مع المواقف الرسمية الفلسطينية التي كان يعبر عنها في ذلك الحين.

التمسك بالمواقف الفتحاوية يقضي بالرجوع في عام 1982 إلى مبادئ وأهداف حركة فتح، كما تم في المرة الأولى. ولو تم ذلك لكان الاستنتاج أن مبادرتي فاس وريغان غير منسجمتين مع أهداف فتح التي ينص أحد أهدافها على «تحرير فلسطين تحريراً كاملاً وتصفية الكيان الصهيوني اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وثقافيا».

خلافا للمعتاد، كان البيان السياسي المقترح على المؤتمر موضع اختلاف في وجهات النظر بين أنصار فتح، وليس بينهم وأنصار التيارين الآخرين. مجموعة اعتبرت أن في بعض البنود «تشكيكا بالقيادة»، ومجموعة أخرى تمسكت بالحق في التعبير عن المواقف المطرحة في البيان التي لا تعارض فيها مع أهداف حركة فتح، كما تمت مناقشته أعلاه.

كان هذا التباين في وجهات النظر بين أنصار التيار الواحد انعكاسا لاتجاهات مختلفة موجودة في حركة فتح من قبل، وتعمقت بعد مرحلة حصار بيروت وخروج قوات الثورة من لبنان. وظهرت بشكل جلي في المؤتمر الثالث للاتحاد، ولكن حسم الاختلاف في وجهات النظر تم في جو ديموقراطي، ففي الجلسات الرسمية، أو الندوات التي تقام على هامشها، أو الاجتماعات الخاصة بأنصار كل تيار، يمكن التعبير عن وجهات النظر.

وكما في أي مؤتمر يمارس أعماله بديموقراطية، يتم بعد النقاش الاحتكام إلى التصويت. ولم تكن هناك صعوبة في اعتماد البيان السياسي المقترح فقد كان سقفه أعلى مما توقعه أنصار التيارين الآخرين، فوافقوا عليه.

عند الحديث عن حركة فتح، لم يكن أحد ينكر أنها جمعت أناسا من خلفيات سياسية مختلفة، وهذا كان من أسباب شعبيتها. أما مسألة وجود يسار ويمين داخل فتح، فهي حقيقة، ومن يقرأ عن تاريخ الخلافات داخل فتح، سيجد معلومات كثيرة، ولا حاجة هنا للإطالة في الحديث عنها.

لا أدري إن كان أحد يعتبرني محسوبا على مؤيدي اليسار أو اليمين ضمن تيار المؤيدين لفتح في الولايات المتحدة. وإذا وضعني أحد في خانة يسارها أو يمينها، فهو مخطئ، ومن عمّم واعتبرني يمينيا أو يساريا فهو مخطئ أيضا. لم أكن اعتبر نفسي ضمن تصنيف يسار أو يمين، لا في السياق المتعلق بحركة فتح، ولا بالسياق الأوسع.

وبشكل عام أقول إن تصنيف يسار ويمين في فتح أو في السياسة عموما خدّاع، فليس كافيا أن يصنف أحد نفسه بأنه يساري لأصدق أنه من طينة بشرية مختلفة، فالإنسان في نهاية المطاف يقيم على أساس ممارساته والتوافق بين ما يقول وما يفعل، وليس على أساس تصنيفه لنفسه بأنه يساري، أو اتهام الآخرين له بأنه يميني.

وبناء على ما سبق، فإن مشاركتي في النشاطات الطلابية منذ كنت في مدينة نورمان كانت نابعة مما يمليه علي ضميري وتفكيري ووعيي في كل مرحلة. ومنذ فترة حصار بيروت عام 1982، وصلت إلى قناعة راسخة بأن هناك خللا كبيرا في القيادة الفلسطينية بمعنيي القيادة، أي كيف تدار شؤون القضية والشعب، وبمعنى الأفراد. وهذا الخلل لم يكن مقتصرا، من وجهة نظري، على قيادة حركة فتح، بل يشمل الفصائل الأخرى.

وبعد خروج قوات الثورة الفلسطينية من لبنان، كنت أتوق إلى قراءة تقييم لما جرى، أو أن أستمع إلى أحد في موقع مسؤولية يقدم رؤية ما عن المرحلة القادمة. ولكن لم يكن هناك من يقيم أو يحاسب، ولم يكن هناك من يقدم رؤية لمرحلة قادمة مختلفة عن سابقاتها. استمر العمل والتفكير كما في الماضي. وهذا عمق القناعة لدي بأن الخلل كبير.

الانتفاضة-الانشقاق في فتح

عندما حدث ما وصف بالانتفاضة والانشقاق في صفوف حركة فتح في أيار/مايو 1983، لم يحسم المسؤولون في تيار المؤيدين لفتح في الولايات المتحدة موقفهم، وظلوا رسميا في جانب القيادة. وكان العلم بما يجري داخل فتح مقتصرا على من لديهم تواصل مباشر مع أصدقاء في الشام أو بيروت، والمعلومات الرسمية من فتح ووكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) كانت تتحدث عن «إشكال».

كان الأسلوب السائد التعتيم على ما يجري، سواء من جانب القيادة، أو من جانب من يملكون معلومات. وذات يوم أعطاني طالب عراقي يدرس في نفس الكلية (سيتي كولج) في نيويورك عددا من مجلة كان يحملها، اسمها «صدى الجبهة»، وتحته وصفت بأنها «مجلة دورية يصدرها أنصار الجبهة الوطنية القومية الديمقراطية العراقية في أمريكا وكندا». وكان العدد الذي أعطي لي العدد الأول منها ويحمل تاريخ «أواسط تموز 1983».

عندما تصفحت العدد وجدت فيه ثلاثة بيانات صادرة عما صار يسمى «الانتفاضة» داخل حركة فتح. ساءني أن المعلومات عما يجري في فتح لم تتوفر من مصادر فلسطينية، فجانب يقلل من حجم وأهمية ما يجري، ومن لديه معلومات في الولايات المتحدة يخشى نشرها حتى لا يفسر ذلك بأنه تأييد لما يجري.

يذكّـر أسلوب حجب المعلومات عما يجري داخل البلد العربي باضطرار المواطن إلى الاستماع إلى الإذاعات الأجنبية. ويكون المواطن آخر من يعلم بدل أن يكون الأول. وفي سياق ما جرى في حركة فتح، سارت الأمور في البداية وفق هذا الأسلوب، فتوفرت المعلومات من مصدر آخر لا هو تابع للقيادة، ولا للطرف الآخر في الخلاف معها، وأقصد المجلة العراقية «صدى الجبهة».

شعرت بأن علي واجب نشر ما لدي من معلومات عما كان يجري في فتح، فالمعلومات هي الأساس الصحيح لتمكين الناس من معرفة ما يدور حولهم وما يهمهم، ومن اتخاذ القرار الذي يرونه مناسبا. وما جرى كان شأنا مهما أعاد طرح النقاش حول مسار القضية الفلسطينية، وكيفية إدارة شؤونها، وهذه مسألة مهمة جدا، وكان يجب أن تأخذ فرصة للنقاش حولها، ليس فقط عندما طرحت في ذلك التوقيت والشكل، بل قبل ذلك أيضا، وضمن كل الأطر المتاحة، وهذا لم يحدث.

فكرت في نشر البيانات الثلاثة التي وجدتها في المجلة العراقية مع اثنين كانا لدي، ووجدت أن أفضل وسيلة هي نشرها في مجلة أرسلها إلى العناوين التي لدي، فبحكم عملي كمسؤول للإعلام في الاتحاد، كانت لدي عناوين الوحدات. وتوزيع المجلة على العديد من الولايات سيؤدي إلى انتشار المعلومات عما يجري في فتح لأهمية الأمر.

فكرت في اسم للمجلة. استعرضت العديد من الأسماء في ذهني، وتوقفت عن محاولة الاختيار، وانصرفت إلى عمل ما. وفي غمرة انهماكي به، كأن وحيا هبط عليّ وقال «الحقيقة». كان اسما مناسبا جدا، وينطبق تماما على الغاية من إصدار المجلة وتوزيعها ليطلع الطلاب والجاليات على ما يجري بدون وسيط يحجب معلومات، أو يفسرها.

وكان للاسم ميزة وهي إمكانية كتابته بخطوط مستقيمة، فلست خطاطا، وباستخدام الخطوط المستقيمة لا يمكن التعرف على صاحب الخط. وفي النهاية كانت طريقة كتابة الاسم مميزة ومناسبة للاسم.

كأي مجلة، كان على «الحقيقة» رقم عدد (العدد الأول)، وتاريخ (أيلول 1983)، وأضفت إلى ذلك صفة «عدد وثائقي»، وقد كان كذلك فعلا. واعتمد الغلاف على طرح سؤال: «ماذا يجري في فتح؟» وتحته كانت الإجابة: «ما يجري في فتح بعيدا عن التشويه وكما ورد في الوثائق».

البيانات الخمسة وبعض المعلومات الأخرى المطبوعة كانت كافية لإصدار مجلة عدد صفحاتها اثنتي عشرة صفحة من حجم تابلويد، ويعادل ذلك 24 صفحة من حجم ايه 4. أرسلت العدد إلى العناوين التي لدي، وأرسلت نسخة لنفسي.

لا أدري متى بالضبط بعد صدور العدد تلقيت اتصالا من سعيد عريقات، الذي كان يعمل في المجلس الفلسطيني في الولايات المتحدة. وفهمت منه أنه وزملاء آخرين ذهبوا إلى اجتماع مع فاروق القدومي في نيويورك، وقد سألهم عن «الحقيقة»، فقالوا صادقين إنهم لا يعرفون شيئا.

وسألني سعيد إن كنت أعرف من أصدر «الحقيقة» فتظاهرت بأني لا أعرف وقلت لقد وصلتني بالبريد. ولكنه قال وفي صوته ابتسامة: «والله ما حدا طلعها غيرك»، فأضحكتني عبارته.

لقد ذكرت أعلاه حكاية صدور «الحقيقة» قبل اتصال سعيد بي. أعتز كثيرا بإصداري «الحقيقة» للأسباب التي ذكرتها، وصدورها كان يشبه إضاءة غرفة معتمة وفتح نوافذها ليدخلها الهواء.

ومنذ ذلك الحين، لم يعد الحديث عما يجـري في فتح يحصل في نطاق ضيق، بل نشرت المعلومات على الملأ، وصار بمقدور المهتمين أن يتخذوا موقفا إن أرادوا بناء على معلومات، ووجهات نظر من الطرفين.

العدد الأول من «الحقيقة» طبع ووزع على نفقتي، وهذا أيضا ما يجعلني أعتز به كثيرا. وبعد صدوره توفرت مواد وثائقية أخرى جعلت من الممكن إصدار عدد ثان، وهذا العدد اتسعت دائرة توزيعه لتشمل مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في العالم. والفضل في ذلك يرجع لرجا جبران الذي كان يعمل في مقر المجلس الفلسطيني في واشنطن ودفع تكاليف طباعة العدد الثاني. هذان العددان يتميزان عما صدر من أعداد بعدهما بأنهما صدرا بتمويل فردي.

بعد صدور «الحقيقة» وتوزيعها، حصل فرز في الولايات المتحدة بين مؤيدي تيار فتح. صار هناك تيار مؤيد للقيادة وآخر مؤيد للانتفاضة. كان بعض الزملاء في التيار المؤيد للقيادة يستغربون أني أؤيد الانتفاضة/الانشقاق. ولكن هذا الاستغراب كان في غير محله، فكما شرحت في مكان آخر من الكتاب، عندما كنت أدافع عن القيادة في النشرات وخلافه، كنت على قناعة صادقة بأن القيادة صادقة أيضا فيما تقول عن التكتيك لخدمة الهدف الاستراتيجي.

كما أن القيادة حصلت على هامش المناورة الذي طلبت، ولفترة زمنية طويلة، ولكنه اتضح أنها لم تكن تناور لتحقيق الهدف الاستراتيجي. وكلا الأمرين يبرر أن يقال للقادة: كفى، ليس هذا ما مُنحتم الثقة من أجل تحقيقه.

ويمكنني القول إن البيان السياسي الذي اقترحه مؤيدو تيار فتح في المؤتمر الثالث للاتحاد كان علامة على انتفاضة محلية سبقت انتفاضة الضباط والكوادر في سورية ولبنان، وبالتالي الغريب هو ألا يؤيد المقتنعون بذلك البيان السياسي انتفاضة تحاول أن تكبح جماح الخروج عن المسار النضالي الذي ضحى الشعب الفلسطيني بالكثير من أجل أن يكلل بالنصر الذي يعني تحرير فلسطين، ودولة فلسطينية ديموقراطية على أراضي كل فلسطين.

ولكن تأييد محاولة وقف الانحراف لم يعن، ويجب ألا يعني، العودة إلى أسلوب التبرير للقيادات، فالمسألة ليست أشخاصا نحبهم أكثر من غيرهم، أو نرتبط بمصلحة ما معهم، فنبرر لهم كل ما يفعلون.

لم تحسن الانتفاضة في حركة فتح إدارة النزاع مع القيادة التي انتفضت عليها. واللجوء إلى الاقتتال، والتركيز على السيطرة على ساحتي سورية ولبنان، كانا خطأين كبيرين، فما كان مطلوبا انتفاضة لها تأييد وحضور في كل مكان.

وما كانت الانتفاضة تريد أن تمنعه، أي الانحراف، حصل ولكنه قدم للجماهير على أساس أنه خيار المضطر. وتبني أسلوب جديد في القيادة كان بحاجة إلى حوار في مختلف الأوساط الفلسطينية.

لم يكن بودي أن يحدث فرز وانشقاق في أوساط مؤيدي تيار فتح في الولايات المتحدة، فعلاقتي كانت ودية مع الجميع. ولكن ما جرى أحدث شرخا أثر فورا حتى على العلاقات الشخصية، فمن كان يعاملك كأخ ويفتح لك بيته، أصبح خصما أو على الأقل يشعر بالشك تجاهك. وما لم تكن للعلاقة مع من تعرف أسس شخصية قوية، فإن العلاقات تنقطع عندما يكون أساسها الوحيد الاتفاق في وجهات النظر والمواقف السياسية.

ولكن لا شك في أن مسار القضية الفلسطينية بعد الخروج من بيروت كان على مفترق طرق.

مسار القيادة، المعلن منه وغير المعلن، قبل الخروج من بيروت وبعده، ما كان سيؤدي إلى تحقيق أهداف الثورة الفلسطينية. وكل ما جرى بعد ذلك، أكد هذا الاستنتاج. انتفاضة الضفة وغزة التي بدأت في عام 1987، والجهود النضالية المباشرة، وغيرها من مساع عبر الطرق الالتفافية والمناورات والتكتيكات، لم تتوجها القيادة بنتيجة ملموسة تستطيع أن تقول إنها تجسد تحقيقا لأحد أهداف الثورة.

وعندما سئل عرفات في زيارة لفرنسا عام 1989 عن الميثاق الوطني الفلسطيني استخدم كلمة فرنسية هي «كادوك» (caduc)، وتعني عفى عليه الزمن. وتم تعديل الميثاق في عام 1996 بإلغاء مجموعة من المواد. حتى مسار المفاوضات بعد مؤتمر مدريد لم تفسح له القيادة المجال ليكتمل، بل دخلت في مفاوضات سرية في أوسلو، توجت باتفاق لا يحتاج المرء للإطالة في الحديث عن رداءته وتناقضه مع كل ما رفعته حركة فتح وغيرها من المنظمات من شعارات وحددته من أهداف.

= = =

JPEG - 23.9 كيلوبايت
مجلة الاتحاد العدد 13 الصفحة الأولى

توثيق المقتطفات من الكتاب في الهوامش (أسلوب شيكاغو):

النسخة الورقية:

1. عدلي الهواري، اتحاد الطلبة المغدور (لندن: عود الند، 2015)، ص - -.

توثيق النقل من الموقع:

يحذف من التفاصيل أعلاه رقم الصفحة، ويضاف إليها رابط الصفحة المنقول منها.

توثيق الكتاب في قائمة المراجع:

الهواري، عدلي. اتحاد الطلبة المغدور. لندن: عود الند، 2015.

عنوان الكتاب يكتب بخط مائل أو يوضع تحته خط.

JPEG - 22.1 كيلوبايت
غلاف: اتحاد الطلبة المغدور