مكتبة وأرشيف

د. عدلي الهواري

للمساهمة في التراكم المعرفي وتعزيز التفكير النقدي

  للمساهمة في التراكم المعرفي وتعزيز التفكير النقدي
أنت في : الغلاف » كتب الهواري بالعربية » اتحاد الطلبة المغدور » مرحلة ما قبل المؤتمر التأسيسي

كتاب: اتحاد الطلبة المغدور

مرحلة ما قبل المؤتمر التأسيسي

د. عدلي الهواري


حرصت على الكتابة معتمدا على وثائق، وأعانني ذلك على وضع الأحداث في تسلسلها الزمني الصحيح، واستخدام مقتطفات تقصر أو تطول حسب تقديري لحاجة السرد. وعليه، يمكن الرجوع إليها للتأكد من المعلومات والاستزادة. وكتبت بعض ما ظل محفوظا في ذاكرتي، وهذا يعزز السرد، ويقلل من جفاف الاعتماد على الوثائق، ويعزز السرد من وجهة نظري، ويؤنسن الكتابة عن هذه التجربة.

عدلي الهواري 1981؟

المقدمة

تزامن صدور النسخة الورقية من هذا الكتاب مع مرور ثلاثين عاما على مغادرتي الولايات المتحدة الأميركية مغادرة نهائية، بعدما ذهبت إليها في الأيام الأخيرة من عام 1975 للدراسة فيها، وغادرتها صيف عام 1985.

قضيت في الولايات المتحدة عشر سنوات تقريبا (تسع سنوات ونصف سنة إن شئنا الدقة)، وهي فترة زمنية طويلة لمن كانت غايته الحصول على بكالوريوس في الهندسة، وهذا في العادة لا يحتاج لأكثر من خمس سنوات، والبعض لا يحتاج لأكثر من أربع سنوات للحصول على البكالوريوس في الولايات المتحدة.

المسؤولية عن التعثر الدراسي لا تقع كلها على عاتقي، وهذا ليس تهربا من المسؤولية، بل إشارة إلى واقع كان فيه عنصرية وصلت إلى عدم الشعور بالأمان أثناء السير في الشارع، وفي حالتي كان الأمر أكثر من ذلك، فقد تعرضت للكمة على وجهي أفقدتني الوعي قرب باب مسكني، وأدت إلى كسر خفيف في أنفي لم يكن بحاجة لتجبير.

غير أن الغاية من الكتابة هنا ليس الحديث عن الجانب الشخصي المحض من عيشي في الولايات المتحدة، بل الحديث عن الجانب المتعلق بانخراطي في العمل الطلابي العربي أولا، وهذا دام نحو عامين، ثم العمل الطلابي الفلسطيني من خلال الاتحاد العام لطلبة فلسطين، فرع الولايات المتحدة الأميركية.

حافزي للكتابة الرغبة في المساهمة في تسليط الضوء على تجربة محددة في سيـاق النضال الفـلسطيني، الذي وإن كان له مركز ثقل، إلا أنه كان مرفودا بجهود تبذل في ساحات متعددة، ووسائل متنوعة تعتمد على المكان. وأود المساهمة في توثيق هذه التجربة لأن للتوثيق فوائد عديدة، على رأسها حماية الذكريات والتجارب من الاندثار. والتجربة تستحق التوثيق لأنها تجربة غنية، وتعكس ما مر به الشعب الفلسطيني من آمال وإحباطات ونهوض ونكوص.

حرصت على أن أضمن هذا الكتاب ما أذكره وتسنده بعض الوثائق التي لدي (نشرات وبيانات وما شابه). كل ما كتبت يرسم صورة جزئية، والأمل أن يساهم آخرون بإضافة صور أخرى، فتتعدد وجهات النظر، وتوثق التجربة بصورة أشمل.

من المتعارف عليه أن بعض الدول تفرج عن وثائقها السرية بعد مرور عشرين أو خمسة وعشرين عاما، وتضعها في خدمة الباحثات والباحثين في الشؤون المختلفة. وها قد مر ثلاثون عاما على تجربة العمل الطلابي الفلسطيني في الولايات المتحدة الأميركية، أي مضى ما يكفي من الزمن لتكشف الحكومات عن وثائق سرية، وهو أكثر من كاف للكتابة عن التجربة دون أن يتأثر أي من المشاركين فيها بشكل سلبي.

والتجربة التي أكتب عنها لم تكن سرية، بل علنية تماما، وتمت في سياق قانوني، فإقامة ندوات في الجامعات، أو عرض أفلام، أو تنظيم مظاهرات احتجاج أو تضامن، أعمال عادية يمارسها الذين يعيشون في الولايات المتحدة ولها حماية دستورية.

وكتبت أيضا على أمل أن يكون في هذه التجربة وهذا الكتاب ما هو مفيد للجيل الصاعد والمهتمات والمهتمين بالقضية الفلسطينية عموما وبجوانب محددة منها، مثل تجربة الطلبة الفلسطينيين في الولايات المتحدة في فترة زمنية تقارب سبع سنوات تخللتها مرحلة مفصلية، وهي اجتياح لبنان عام 1982 وخروج قوات الثورة الفلسطينية منه.

توضيحات

لم أكتب هذا الكتاب وفق منهجية أكاديمية، فهو ليس كتابا أكاديميا معتمدا على البحث عن أكبر عدد ممكن من المصادر، وإجراء مقابلات، وغير ذلك من وسائل. لكنني أستعير من الكتابة الأكاديمية الرجوع إلى مصادر، والحرص على النقل الدقيق والأمين منها، وعدم استخدام ألقاب تفخيم قبل أسماء الأشخاص، بصرف النظر عن موقعهم، فلا يوجد في الكتاب ألقاب من قبيل معالي أو فخامة أو سيادة أو الزعيم الخالد أو غير ذلك من ألقاب. وأستعير من الصحافة أسلوب الكتابة بلغة عربية فصحى متداولة.

ولأن هذا الكتاب ليس رسالة دكتوراه أو ماجستير، لست بحاجة بالتالي إلى فصل للحديث عن «المنهجية». هذا كتاب غايته تسليط الضوء على تجربة شاركت فيها في الولايات المتحدة، وأرويها من وجهة نظري، معتمدا على عدد لا بأس به من الوثائق، وبعض الذكريات. ورغم ذلك، أود أن أوضح النقاط التالية:

الـوثـائـق

حرصت على الكتابة معتمدا على وثائق، وأعانني ذلك على وضع الأحداث في تسلسلها الزمني الصحيح، واستخدام مقتطفات تقصر أو تطول حسب تقديري لحاجة السرد. وعليه، يمكن الرجوع إليها للتأكد من المعلومات والاستزادة. وكتبت بعض ما ظل محفوظا في ذاكرتي، وهذا يعزز السرد، ويقلل من جفاف الاعتماد على الوثائق، ويعزز السرد من وجهة نظري، ويؤنسن الكتابة عن هذه التجربة.

هناك فجوة صغيرة في الوثائق التي لدي (نشرات وبيانات ورسائل)، واكتفيت بما لدي، فالغاية الكتابة عن تجربة عمل طلابية من وجهة نظري، وليس كتابة تاريخها، فهذه مهمة متروكة للباحثات والباحثين الراغبين في ذلك. الفجوة تمثل نسبة صغيرة. على سبيل المثال، تسلسل أعداد مجلة «الاتحاد» التي لدي 1-15، ولكن ليس لدي ثلاثة أعداد هي: 10؛ 11؛ 12. وتسلسل أعداد نشرة «فتح» هو 1-5، ولكن ليس لدي العدد الثاني.

الأسـمـاء

الأسماء المستخدمة في الوثائق كان بعضها الاسم الحقيقي، كما في حالة اسمي، فهو مذكور في نشرة «الاتحاد». بعض الأسماء كان معدّلا: الاسم الأول أو الثاني حقيقي. في بعض الحالات اكتفيت بذكر الاسم الأول. في حال غياب الاسم مع أن الموقف يستدعي ذكره، فالسبب هو أني نسيته بسبب مرور 30 سنة، ولم أجده مكتوبا في أي مكان. غياب الأسماء لا يعني عدم تقدير للأشخاص، أو أن أدوارهم ونشاطاتهم أقل أهمية، ولكن الكتاب يتحدث عن التجربة بالمجمل.

إن التجربة التي أتحدث عنها من موقع المشارك فيها كانت أيضا تجربة شارك فيها الآلاف من الطلبة الفلسطينيين، وأقدر لهم جهودهم من أجل التعريف بالقضية الفلسطينية وكسب التأييد لها، والمشاركة في نضال شعبهم. يستحيل أن أكون تعرفت على كل الأعضاء، ولكني تعرفت على عدد كبير وخاصة في مدن الساحل الشرقي، إضافة إلى من تعرفت عليهم أثناء الدراسة في جامعات مختلفة وفي النشاطات المتنوعة.

إذا خذلتني استعانتي بالوثائق، أو خانتني الذاكرة، ونتج عن ذلك خطأ في سرد الحقائق وتسلسلها، فالمسؤولية تقع بكاملها على عاتقي، وعذري أن الكمال غاية لا تدرك كرضا كل الناس

السفر إلى الولايات المتحدة

حصلت على قبول من كلية في ولاية أوكلاهوما اسمها أوسكار روز جونير كولج. وقد سافرت من عمّان إلى أوكلاهوما دون أن يكون لدي عنوان أحد أذهب إليه أو حجز مسبق في فندق ما. وبدأت الرحلة من عمان فكوبنهاغن، حيث قضيت ليلة في فندق على حساب شركة ساس، ثم كان السفر إلى شيكاغو، ومن مطارها إلى مطار أوكلاهوما، وكان الوصول ليلا.

ما أذكره هو أنني ركبت سيارة أجرة في المطار، وكان السائق كثير الشبه بأبناء المنطقة العربية، ولكنه لا يتحدث العربية. وقد سمعت لأول مرة كلمة «بيرشان» عندما قال لي من أين هو، وكان معنى ذلك أنه من إيران.

لا أذكر سوى أنه أوصلني إلى فندق (موتيل) لأقضي الليلة فيه. وفي صباح اليوم التالي، أردت الذهاب إلى الكلية، ظانا أني أستطيع فعل ذلك ماشيا. وقد مشيت على الطريق باتجاه ما، وتوقفت إحدى السيارات لي وسألني السائق عن مقصدي فأبلغته، فقال لي إني أمشي في الاتجاه الخاطئ.

عدت إلى الفندق وطلبت مساعدة موظفة الاستقبال، التي كانت تجد صعوبة في فهم ما أقول. المهم أنها طلبت لي سيارة لتأخذني إلى الكلية، وهي في مدينة اسمها ميدوست سيتي (Midwest City)، وتبعد بضعة أميال فقط عن منطقة الفندق.

أوصلني السائق إلى الكلية، وذهبت إلى مكتب التسجيل ومعي أوراق القبول. وعندما سألوني عن عنواني، قلت لا أملك عنوانا. قرر العاملون أن يبحثوا عن شخص من الطلبة العرب مستعد ليأتي لمساعدتي. وفعلا بعد وقت من الانتظار جاء طالب فلسطيني ممن يعيشون في الكويت، وشملت مساعدته لي الإقامة في بيته بضعة أيام وفتح حساب في البنك واستئجار شقة في مكان قريب من الكلية.

وقد سكنت مع طالب جديد أيضا اسمه مراد في شقة قريبة جدا من الكلية، وكانت أجرتها 160 دولارا شهريا أو نحو ذلك. وقد سجلت في الفصل الأول في خمسة مساقات مجموع ساعاتها 15 ساعة أتمتها بنجاح، بل حصلت على معدل أهلني للحصول على رسالة من نائب رئيس الكلية.

ككثيرين من الطلبة الأجانب، كانت بداية الدراسة في الكليات المتوسطة (كليات مجتمع) قبل الانتقال إلى الجامعة، ففي ذلك تخفيض للنفقات، لأن كلفة الساعة في الكلية أقل من الجامعة، وهكذا بعد دراسة ما يعادل ستين ساعة، يقدم الطالب طلبا إلى جامعة ليكمل الدراسة فيها للحصول على البكالوريوس، وتحسب له ساعات السنتين الأولين في مجال التخصص.

وهكذا كان هدفي في عامي 1976-1977 أن أنهي المواد التي ستقبلها الجامعة عند تقديم طلب الدراسة فيها. وفعلا قدمت عند نهاية هذه المرحلة طلبا لدراسة الهندسة في جامعة أوكلاهوما في نورمان، وهي مدينة جامعية صغيرة، وقريبة من عاصمة الولاية، أوكلاهوما سيتي.

كان في ولاية أوكلاهوما الكثير من الطلبة الإيرانيين، ومع أن اسم البلد الرسمي إيران، إلا أن كلمة «بيرشان» كانت المستخدمة من الطلبة الأميركيين والإيرانيين أنفسهم، وهي نسبة إلى الاسم القديم لإيران، أي بيرشيا (Persia)، أو فارس بالعربية. والعربي مثلي «بيرشان» أيضا بالنسبة لأهالي الولاية، وكلنا راكبو جمال. علاوة على عصبية قومية لا ترحب بالأجانب، كان الطلبة الإيرانيون (ومن يشبههم في المعية) محل سخط إضافي بسبب نشاطاتهم التي تشمل المظاهرات المناوئة لشاه إيران.

التخصصات الهندسية كانت الأغلبية فيها للطلبة الإيرانيين، وبعدهم بعض الطلبة العرب، والقليل من الأجانب الآخرين، ونادرا ما كان بين الطلبة في هذه التخصصات أميركي أو أميركية، والسؤال عن تخصص الأجنبي، الإيراني أو العربي تحديدا، في الجامعة لا داعي له، فهو الهندسة، وكان الأميركيون يستغربون عدم الأقبال على دراسة تخصصات أخرى.

كان في جامعة أوكلاهوما طلبة فلسطينيون وطلبة عرب من لبنان والأردن والعراق وليبيا والسعودية، وهي مشهورة بتخصص هندسة النفط.

بداية مشاركتي في نشاطات الطلبة العرب كانت في جامعة أوكلاهوما بنورمان، إذ كان فيها فرع لمنظمة الطلبة العرب. ومن بين اللبنانيين الذين كانوا يشاركون في نشاطات الفرع رامز وأدونيس وعبد الحليم. ومن الطلبة الفلسطينيين الذين درست معهم في الجامعة أو سكنا معا في وقت من الأوقات حميد وزياد وسمير.

وبالنسبة للنشاطات المحلية، كانت منظمة الطلبة العرب تدعو إلى محاضرات يتحدث فيها ضيوف، أذكر منهم منير بيوض، مدير مكتب جامعة الدول العربية في مدينة دالاس/تكساس، الذي أعطاني ذات زيارة كتبا متعلقة بالقضية الفلسطينية لإهدائها لمكتبة الجامعة. ولدي رسالة شكر من مكتبة الجامعة على الهدية المؤلفة من أربعة كتب كنت حصلت عليها من منير بيوض.

تطورت مشاركتي في نشاطات منظمة الطلبة العرب في جامعة أوكلاهوما من مجرد حضور النشاطات، إلى تولي أحد المناصب في اللجنة التي تشرف على إدارة نشاطات الفرع، فكنت مرة أمين الصندوق ومرة أخرى نائب الرئيس ومرة ثالثة رئيسا للفرع.

من النشاطات الأخرى لفرع المنظمة في الجامعة عرض أفلام فلسطينية أو عن فلسطين، من بينها فيلم «المفتاح» وآخر عن يوم الأرض. وبذلنا جهدا خاصا في الدعاية لفيلم «الفلسطيني»، الذي أعدته الممثلة البريطانية الشهيرة فانيسا ردغريف. وأجهش الطلبة الفلسطينيون بالبكاء عند مشاهدة بعض مقاطع الفيلم وخاصة المتعلقة بتل الزعتر.

من بين النشاطات الأخرى عشاء سنوي أو فصلي، لا أذكر بالدقة الآن. وذات مرة أعددنا حفل عشاء دون برنامج خطابي أو ترفيهي سوى سكتش مسرحي قصير جدا، ولذا ما أن أكمل الحضور طعامهم حتى بدأوا يغادرون المكان. أدركنا عندئذ أننا بالغنا في معاداة الترفيه في الحفل الذي لم يدم طويلا، وإذا شعر الذين حضروا أننا «ضحكنا عليهم»، فلا ألومهم.

أيضا من حين لآخر كنا نضع طاولة في مبنى اتحاد الطلاب وعليها مواد بالإنجليزية لنعطيها للراغبين في الحصول عليها. وأحد النشاطات كان عرضا لبوسترات عالمية تضامنا مع الشعب الفلسطيني.

في عام 1978 كنت أحد مندوبيْن انتخبا للمشاركة في المؤتمر السنوي السابع والعشرين لمنظمة الطلبة العرب في الولايات المتحدة، التي تأسست في عام 1952. وكان مقررا له أن يعقد في بلدة ابسلنتي، ولاية ميتشغان، في حرم جامعة شرق ميتشغان. المندوب الآخر كان الزميل اللبناني أدونيس، الذي كان يدرس الهندسة الصناعية في جامعة أوكلاهوما.

كان مؤتمر ابسلنتي فرصتي الأولى للاطلاع على ما يجري في منظمة الطلبة العرب ككل، وكانت تجربة سلبية، ومخيبة للتوقعات.

النبوءات الثلاث

الحدث: المؤتمر السنوي السابع والعشرون لمنظمة الطلبة العرب في الولايات المتحدة

المكان: جامعة شرق ميتشغان في ابسلنتي، ميتشغان

الزمان: 21-26 آب/أغسطس 1978

من النشاطات المقررة في المؤتمر حفلة لفرقة أبناء الشهداء الفلسطينيين القادمة من لبنان. بعد أن دخل القاعة عدد معين من الأشخاص، لم يدخل المزيد، ولم يبدأ الحفل في موعده. بعد فترة من الوقت دخل بشارة إلى قاعة الحفل وأعلن إلغاءه. انهال الضرب عليه من الغاضبين في القاعة، ولكن مدير مكتب الإعلام الفلسطيني في واشنطن آنذاك، حاتم الحسيني، سارع للدفاع عنه، وأذكر عبارته وهو يحاول حمايته وهو محمر الوجه ومنفعل: «ما حدّش يصيبه».

شحنت مشاعر من تبقى في قاعة المؤتمر وأفراد الفرقة، وأجريت للموجودين حفلة لم يتوقف فيها التصفيق، ولا أزال أذكر منها فصل «عرس الشهيد» حيث تغني أم الشهيد: «وين أزفك يا محمد وين؟ يا روحي وقلبي ونور العين».

في أيام مؤتمر ابسلنتي لم أستطع أن أتصور أن بمقدور إنسان أن يكون على درجة من عدم الحكمة تدفعه إلى إلغاء حفلة فرقة أبناء وبنات الشهداء، فللشهداء قدسية، ولا بد من معاملة أبنائهم وبناتهم بالاحترام والوفاء. وهذه الفرقة آتية من لبنان، ورحلتها طويلة ولا يمكن ترتيبها بسهولة.

برر أصحاب قرار إلغاء الحفل بأن هاني الحسن، أحد المسؤولين في حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) حاول دخول القاعة. وكان مقررا له قبل إلغاء هذا الحفل أن يلقي كلمة في إحدى جلسات المؤتمر، فألغيت الجلسة. لماذا؟

كان هاني الحسن موفدا من لبنان لحضور المؤتمر. ولكن هاني الحسن كان متهما في تلك الأيام بأنه يميني (بل اعتبرت كل حركة فتـح يمينية)، واعتبر أنصار حزب البعث (العراق) والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إرساله إلى المؤتمر استفزازا لهم، فقد كانوا يعتبرون أنفسهم يمثلون الاتجاه المتشدد سياسيا (القوى الجذرية)، ويعتبرون حركة فتح ممثلة التيار الساعي إلى حلول سلمية وما إلى ذلك.

لم تكن لمؤيدي تيار فتح الأغلبية في المؤتمر، وكان لهم تحالف مع مؤيدي الحزب السوري القومي الاجتماعي، ومعا أيضا لم تكن لهما أغلبية.

قصة الدولة الفلسطينية المستقلة والحل السلمي وما ارتبط بهما من تفاصيل كالاعتراف بقرار مجلس الأمن الدولي 242 كانت موضوع جدل ساخن في تلك الأيام. والصراع بين الاتجاهات السياسية المختلفة كان على أشده.

في ساحة صغيرة مكسوة بالعشب قرب أحد مباني الحرم الجامعي في ابسلنتي، تحدث هاني الحسن لمؤيدي تيار فتح، وشمل حديثه ثلاث نبوءات تتحقق بنهاية القرن (العشرين)، الأولى تحرير فلسطين، والثانية وحدة العالم العربي، ولست على يقين من الأمنية الثالثة، وربما كانت انهيار الرأسمالية. وقد أثبت الزمن والواقع أن النبوءات كانت ضربا من الأوهام.

لجنة الطلبة الفلسطينيين

قبل تأسيس فرع للاتحاد العام لطلبة فلسطين في الولايات المتحدة، كانت منظمة الطلبة العرب الإطار الذي ضم نشاطات الطلبة العرب في الجامعات والمدن الأميركية. وقد تحدثت في الجزء السابق عن بعض النشاطات المحلية التي قمنا بها أثناء فترة دراستي في جامعة أوكلاهوما بنورمان.

كل نشاطات منظمة الطلبة العرب في أوكلاهوما كانت تركز على القضية الفلسطينية، مع أنه كان في الجامعة طلبة من بضع دول عربية. وربما كانت هذه هي الحال بالنسبة لنشاطات الفروع الأخرى، فقد أهملت كل القضايا، وأعطيت الأولوية للقضية الفلسطينية، ومع ذلك فبعد «البهدلة» التي تعرض لها مؤيدو تيار فتح في ابسلنتي يبدو أن السيل بلغ الزبى.

وقبل أن يؤسس فرع الاتحاد العام لطلبة فلسطين في الولايات المتحدة ووحدة له في مدينة نورمان، كنا –الطلبة الفلسطينيين في نورمان– أسسنا لجنة اسمها لجنة الطلبة الفلسطينيين. وقد أكدت لمن أراد من زملائي أن نهجر منظمة الطلبة العرب أنني سأستقيل منها عندما يتأكد خبر تأسيس الاتحاد العام لطلبة فلسطين. وعندما تأكد الخبر من خلال الاتصال بمكتب الإعلام الفلسطيني في واشنطن (على ما أعتقد)، وفيت بوعدي واستقلت من منظمة الطلبة العرب، وأصبح الطلبة الفلسطينيون مهيئين لتشكيل وحدة للاتحاد في الجامعة/المدينة.

أنيطت مهمة تأسيس فرع للاتحاد العام لطلبة فلسطين في الولايات المتحدة بأشخاص كان أحدهم مقيما في ديترويت. وكانت عملية التأسيس تنطوي على اختيار لجنة تحضيرية محلية تتولى مهمة تأسيس فرع محلي يسمى في مصطلحات هيكل الاتحاد «وحدة»، وهي تؤسس على أساس المدينة، فإذا كان في المدينة الواحدة أكثر من جامعة، تتكون الوحدة من طلاب يدرسون في جامعات مختلفة.

ولكي تؤسس وحدة يجب أن يكون فيها 15 عضوا كحد أدنى. لم يكن في نورمان سوى جامعة واحدة، وقد اعتمد شخصان ليكونا لجنة تحضيرية، أحدهما أنا، والثاني سمير، أحد الزملاء في الجامعة. انضم إلى وحدة الاتحاد في نورمان 27 عضوا، حضر منهم 25 عضوا الاجتماع التأسيسي للوحدة. عدد الأعضاء أعطى وحدة نورمان حق إرسال مندوبين لتمثيل الوحدة في المؤتمر التأسيسي للفرع (الإطار الذي يشمل الولايات المتحدة كلها).

وقد وجدت بين أوراقي ورقة تحمل تاريخ 25 أيار/مايو 1980 تدعو الطلبة الفلسطينيين إلى حضور الاجتماع التأسيسي لوحدة الاتحاد العام لطلبة فلسطين في نورمان يوم الأحد، 1 حزيران/يونيو 1980 في الغرفة 160 من مبنى اتحاد الطلبة من الساعة الرابعة بعد الظهر وحتى السادسة.

وكانت الغاية من الاجتماع التأسيسي انتخاب مندوبي الوحدة للمؤتمر التأسيسي لفرع الاتحاد العام لطلبة فلسطين في الولايات المتحدة؛ وانتخاب هيئة إدارية للوحدة تتألف من خمسة أشخاص. وفي انتخابات المندوبين فزت والزميل فؤاد. وفي انتخابات الهيئة الإدارية للوحدة فزت مع كل من زياد وفؤاد وجمال ورشاد.

= = =

JPEG - 11.1 كيلوبايت
منظمة الطلبة العرب

توثيق المقتطفات من الكتاب في الهوامش (أسلوب شيكاغو):

النسخة الورقية:

1. عدلي الهواري، اتحاد الطلبة المغدور (لندن: عود الند، 2015)، ص - -.

توثيق النقل من الموقع:

يحذف من التفاصيل أعلاه رقم الصفحة، ويضاف إليها رابط الصفحة المنقول منها.

توثيق الكتاب في قائمة المراجع:

الهواري، عدلي. اتحاد الطلبة المغدور. لندن: عود الند، 2015.

عنوان الكتاب يكتب بخط مائل أو يوضع تحته خط.

JPEG - 22.1 كيلوبايت
غلاف: اتحاد الطلبة المغدور