مهند فوده - مصر

وبالأمس عادتني

مهند فودهوبالأمس عادتني، ابتسمت في وجهي كما كنت أتمنى من شفتيها دوماً أن تخصني بها ذات يوم ولم تمنحني. دون أن تطرق الباب، فاجأتني باقتحامها وحدتي، ودون أن تنبس ببنت شفة، أخذت تقترب مني حتى وقفت حدي، ثم ارتكزت على طاولة مكتبي المزدحمة بكتبي وأوراقي.

لا أدري لما تجمد لساني ولم اسألها عن سبب مجيئها لي في ذاك الوقت من الليل؟ وكيف دلفت إلى منزلي واقتحمت خلوتي دون أذن؟ شيء ما أرغمني على قتل أسئلتي ومشاركتها ذات الصمت الذي ترتديه منذ عبورها باب غرفتي. فقط أشارت تلومني بعينيها صوب مطفأة سجائري الممتلئة بي وبالبقايا المحترقة من أعواد ثقابي.

أيا ترى نما لعلمها أنها من تُشعل الحرائق في صدري كل ليلة فجاءت لتطفيها وتُنهي سنوات عذابي؟ أم جاءت لتنظف مطفأتي مني، لتوجد محلاً شاغراً لرماد سيخلفه اشتعال حرائقي من جديد فور مغادرتها بابي؟

وبشفقة نظرت لزجاجة الشراب الربع ممتلئة ولكأسي الخالي، حركت أصبعها الرقيق تدور به على حافته الدائرية وتدور بي الدنيا. أرهقني الليل الطويل وأثقل رأسي ضجيج عشرات الظنون وما عاد لي طاقة على مراوغة العيون. وددت لو قلت لها: اخبريني لما جئتِ؟ أو ارحلي واتركيني وشأني. دعيني لما بقي من ليلي، لكأسي ودخاني، وحبر قلمي وأوراقي.

وذكرتني الكلمة الأخيرة بما تحت يدي من مذكراتي، إنها اعترافات بحبها مكتوبة بخط يدي، ستكشف مشاعري نحوها وسأصير مداناً به خاصة وإن لم يكن بلغها نبأ حبي وجاءتني لسبب ثان. حاول كفي بحركة سريعة أن يخفي أدلة اتهامي، إنها ثلاثة سطور مكتوبة في صفحة جديدة لم أملأها بعد بأشواقي، فقد اعتدت أن اترك العنان لمشاعري كل ليلة، لتلهو بحرية على الأوراق حتى بزوغ فجر اليوم التالي، ووقتها يعود كل منها لمحله بداخلي، ذاك حبيس غرف قلبي، وذاك ملجوم في أعماقي، وذاك مكبل بقيود في ثنايا ذاكرتي، وأنا لا شغل لي سوى الإتمام عليهم ومراجعة سجنائي.

ارتدي ملابس عملي، أحكم إغلاق رابطة عنقي، أرش عطرا نفاذا ليغطي على ما خلفه حريق ليلـة أمس وما بقي منه في أنفاسي، ارتدي ما يكفي من ابتساماتي، وامنحها لكل من يقابلني من زملائي، وأدخر إحداها لمُشعلـة حرائق كل ليلـة، زميلتي وشريكتي في ذات الغرفة، نقضي ساعات العمل نتبادل الأوراق والملفات، فمنذ سنوات قدومها لعملي وحتى بعد زواجها ونحن نتقاسم كل المهام.

لم أضعف للحظة طوال تلك السنوات، فكنت وما زلت أُحكم السيطرة على حواسي وأجيد ببراعة حبس مشاعري، فلا أدري ما الليلة قد حدث؟ أفقت من شرودي وتساؤلاتي، على عينيها تتعلق بكفي، وبحركة مفاجأة، مدت يدها برفق لتزيحه وتعري سطوري قائلة : "لا داعِ، فلقد قرأت كل ما كتبته عني".

فاجأني قولها، خاصة حينما استطردت تؤكد أنها تعلم أن ما انشره في الجريدة الأسبوعية موجه عِبر الأثير لها وحدها، يعبر عيون مئات القراء ويحط في قلبها.

إذن لقد أفلحت حروف كلماتي فيما عجز عن التفوه به لسان صاحبها، وشت بنات يدي بِسِري، وعبرت عن حبي لها، ونجحت في إمالة قلبها نحوي.

من يمنحني دنيا أخرى فوق دنياي تتسع لأجنحتي؟ من يمنحني عمراً فوق عمري الذي أفنيته في حبها ومن اجل لحظة كهذه؟
لا أتذكر ماذا حدث بعدها. أفقت صباحـاً وقد بت ليلتي على أوراقي. يبدو أن الشراب أثقل رأسي وغيبني عنها فغادرتني. فور استيقاظي، راجعت كل أوراق مذكراتي، وتأكدت أنه لم ينقص منها شيء.

شربت فنجاناً من القهوة، وارتديت ملابسي، و لم ارتدِ رابطة عنق كما تعودت، وتركت أيضا زر قميصي الأول مفتوحا فما عدت بحاجة بعد اليوم إلى قيود.

دخلت بناية الشركة ينتابني بعض من الرهبة وكثير من الارتباك، كنت أظن دوماً أن مصارحتها بحبي سيقويني فماذا حل بي اليوم؟، طمئنت نفسي بأنه لا داعي للقلق، لقد تمت المواجهة الليلة الماضية وخبرت حبي لها وانتهى الأمر.

دلفت إلى حُجرة عملي، وجدت مكتبها فارغاً منها، لم أجرؤ أن اسأل منال زميلتنا الثالثة في الحجرة عنها، ارتميت على مكتبي ودفنت رأسي بين الملفات الكثيرة وبدأت سريعاً أراجع الحسابات، أجمع أرقاماً وأخصم أخرى، وفي ظل انهماكي في حل أحد الحسابات المعقدة أفقت على صوتها العذب يُحييني ورفعت رأسي لأجدها واقفة أمام مكتبي تبتسم لي وحدي، رددت ابتسامتها بسعادة لم تخلُ من ارتباك.

قدمت لي صينية بها بعض الحلوى، وقالت لي: "تفضل، لقد وزعت على زملائي بالغرف الأخرى قبل قدومك وبالطبع لم أنساك". مددت يدي لأتلقط احدها، وبينما أهم بالتهامها، استطردت تقول متجهه صوب مكتبها : "بالأمس احتفلنا بعيد الميلاد الأول لطفلنا الأصغر خالد وأردت مشاركتكم جميعاً الاحتفال".

ابتلعتها دفعة واحدة، وبصوت مختنق ردت عليها: " كل عام وهو في أطيب حال".


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3222966

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC