زهرة يبرم - الجزائر

باية: رائدة الرسم البدائي

الفنانة التشكيلية الجزائرية بابة محيي الدين: رائدة الفن البدائي

تعتبر الرسامة الجزائرية باية محيي الدين واحدة من الأسماء المميزة في الفن التشكيلي بصفتها المؤسسة الأولى لمدرسة الفن البدائي بشهادة أكبر الرسامين الفرنسيين العالميين.

ولدت باية محيي الدين (اسمها الحقيقي فاطمة حداد) ببرج الكيفان شرق الجزائر العاصمة سنة 1931م. عرفت يتم الوالدين في سنواتها الأولى فربتها جدتها التي تعمل في الأرض عند المستعمرين الفرنسيين، وذاقت الفقر والحرمان.

لوحة باية محيي الدينربما وجدت الصبية في حكايات الجدة ما زود خيالها بآلاف الصور والأشكال، لشخوص وحيوانات وعصافير وأزهار، فلم تجد أمامها سوى الطين تشكل منه حيوانات غريبة كما يصورها لها خيالها المجنح الطافح بالتخيلات.

في سن الثانية عشرة، ولما كانت ترافق جدتها للعمل في حقول الحمضيات، لاحظت الفرنسية مارغريت كامينا، أخت صاحب المزرعة، الطفلة وهي تلهو بالطين وتشكل تحفا جميلة. أعجبت بها واصطحبتها معها إلى بيتها بالجزائر العاصمة لتساعدها في أعمال البيت، ولتعتني بموهبتها، ثم تبنتها فيما بعد.

كانت مارغريت رسامة تقوم بنمنمات وترسم على الحرير، كما كان زوجها الإنجليزي رساما مختصا في البورتريه. تأثرت الصغيرة بهذا الجو الفني، ووجدت في ذلك البيت ما يلزم من أقلام وفرشاة وألوان وتشجيع .

رسمت باية أولى لوحاتها خلسة. كانت ترسم كل ما يخطر ببالها، وتعتمد على الصور الطفولية البريئة، والألوان الزاهية. وكانت تخفي كل شيء. حين اطلعت أمها بالتبني على الرسومات انبهرت وشجعتها على المواصلة.

اسم باية هو نسبة إلى "باي" على غرار "داي"، وهو رتبة تركية كانت تمنح لحكام الولايات إبان الحكم العثماني للجزائر. وكانت الطفلة تحمل بوادر أن تكون باية الرسم الجزائري من أول انزلاقات فرشاتها على الورق. كانت فتاة خجولة ومنطوية على الذات. ولعل السير على طريق المجد الفني يرجع إلى عفويتها وبساطتها وصدق إحساسها.

في السادسة عشرة من العمر، اشتهرت باية، وصارت تحتل مكانة لافتة في مشهد الفن التشكيلي. كان ذلك سنة 1947 حين زار إيمي ماغ، تاجر الفن الفرنسي والنحات والمنتج السينمائي المعروف، الجزائر وقدم له الرسام جون بايريسياك، صديق العائلة، أعمال باية.

انبهر ماغ بلوحاتها وتحفها ووجدها تتميز عن غيرها بالبدائية والعفوية. ونظم لها أول معرض بمؤسسة ماغ الفنية في باريس. كما دعمها الشاعر السريالي الفرنسي الشهير أندري بروتون بكتابة مقدمة في مطوية خاصة بمعرضها، وكتب عنها الأديب ياسين كاتب وغيرهما.

في باريس انفتحت أمامها آفاق النجاح الكبير. أصبحت وجها بارزا للفن المعاصر الجزائري والعالمي. اكتُشفَت بأسماء كبيرة في الرسم والنحت، واشتهرت أعمالها بأقلام عالمية في الأدب والصحافة.

في عام 1948 دعاها الرسام الإسباني العالمي بابلو بيكاسو إلى ورشته بفلاوريس جنوب فرنسا، فقضت عدة أشهر رفقته تنجز تحفا من الفخار وترسم، وكان قد تعرف إليها وأعجب بفنها وألوانها، وتعاونا في إنجاز عدة تحف جميلة. وهناك أبدعت لوحات السيراميك.

التقت بجورج براك، وهو من مؤسسي المدرسة التكعيبية. وكتبت عنها مجلة فوك ((Vogue الفرنسية ونشرت صورتها وبسرعة اعترف بها وتبناها الوسط السوريالي.

يفسر بعض الدارسين موهبة باية بترعرعها في أرض التقت فيها الثقافات البربرية والرومانية والعربية، واحتكاكها بالثقافة الفرنسية، مما ولد لديها وهي في ريعان الشباب الكثير من الأحلام وحب التطلع.

لم تدخل باية المدرسة ولم تحسن القراءة والكتابة. وبدأت الرسم قبل أن تشاهد أي معرض فني. ولذا، فإن تجربتها فريدة ومدهشة وهي خير دليل على أن الفن موهبة فطرية قبل كل شيء.

تقول باية:

"لست أدري إن كنت تأثرت بفنان ما أو بأسلوب تعبير معين. أنا جد حساسة حقا. أحس بالأشياء برهافة. ثم إني عشت في منزل رائع. مرغريت تعرف كل الكتاب. لكن عندما نكون شبابا لا ننتبه ونجد أن كل شيء عادة. هكذا. فمثلا في معرضي الأول كان هناك براك وأشخاص آخرون مهمون. لكن بالنسبة لي كان ذلك عاديا، منطقيا. لم أنتبه إلا فيما بعد وقلت: لقد عرفت أشخاصا على قدر من القيمة ولم أستفد من ذلك. لهذا أعتقد أنني لم أتعرض إلى أي تأثير".

شاركَت باية في عدة معارض جماعية بالجزائر والدول العربية وأوروبا واليابان وكوبا والولايات المتحدة الأمريكية. وتحفها موجودة في عدة متاحف شهيرة، كما اعتمدت الجزائر لوحاتها على طوابع البريد.

تستمد أفكارها من المحيط الذي نشأت فيه في الجزائر، أزهار، أشجار، دوالي العنب، طيور، فراشات، أسماك، مزهريات. كما تعتمد على المزج بين عناصر الهوية الوطنية، فترتكز معظم لوحاتها إن لم تكن كلها على المرأة بعين واحدة كحبة اللوز.

وربها استلهمت نساء لوحاتها وألوانها من نساء منطقة القبائل المتميزات بأزيائهن الجميلة زاهية الألوان، وبوجوههن المعبرة عن مشاعر الفرح والاستياء والخجل والحب، في المناسبات كالأعياد والزواج والأمومة، تعبر عن الأمل الكبير.

عادت إلى الجزائر وتزوجت من أحد أبرز مغنيي موشحات المالوف الأندلسي في الجزائر، وهو محفوظ محيي الدين الذي تحمل اسمه. بعد سنة من زواجها انطلقت الثورة التحريرية، فجمد الزوجان نشاطهما لعقد من الزمن. وعادت باية إلى مزاولة فنها سنة 1963، دون أن تفقد حرارة اللون وبراءة الدهشة.

أسست باية محيي الدين بأسلوبها الفني المتميز وتلقائيتها الطفولية في الأشكال والألوان مدرسة جديدة في الفن التشكيلي الجزائري والعربي، هي مدرسة الفن البدائي. فتمكنت من تحقيق سمعة وألمعية عالمية.

وساهمت في إعطاء الفن التشكيلي الجزائري بعدا آخر رفقة الكثير من الأعمدة من أمثال: عمر راسم، زميرلي، خدة، محمد إسياخم، إيتيان دينيه وغيرهم.

وافتها المنية في ديسمبر 1998 بالبليدة مخلفة وراءها سجلا فنيا يليق بالأسماء الكبيرة.

= = = =

نماذج من لوحات الفنانة التشكيلية الجزائرية ياية محيي الدين.

اضغط/ي على الصورة لمشاهدتها بحجم أكبر.

لوحة باية محيي الدين
لوحة باية محيي الدين
لوحة باية محيي الدين
لوحة باية محيي الدين
لوحة باية محيي الدين
لوحة باية محيي الدين
لوحة باية محيي الدين
لوحة باية محيي الدين

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3203787

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC