الطيب عطاوي - الجزائر

تكامل العلوم الإنسانية والتقنية

لا قطيعة بين العلوم الإنسانية والعلوم التكنولوجية

الطيب عطاويكثير هم الذين يعتقدون أن عهد العلوم الإنسانية قد انقضى ولم يعد يؤثـِّر في التقدم الحضاري للأمم، وليس ذاك كائناً إلا عند الأمم الميِّتة التي لم تفهم الحضارة على وجهها الحقيقي؛ بينما الأمم الحية لا تفهم تفكيرا كهذا، لأنها تدرك إدراكاً وتوقن يقيناً أن الحضارة آداب وعلوم، وليس علوماً فقط.

إن هذه النظرة القاصرة التي طوَّقت عقول رجال ونساء كـُثُر من أمتنا ليست نابعة من فراغ؛ بل هي نتيجة تراكمات أسهمت فيها ظروف العصر من ماديات أكلت الأخضر واليابس، واستولت على لبِّ فئات عظمى من المجتمع؛ فأضحت تتقلب في الفكرة نفسها وتعلن لبعضها البعض أن الحضارة هي علوم وتكنولوجيا، أما ما سواهما فهو هراء في هراء.

إن أمتنا العربية قبل عصر الانحطاط كانت متربِّعة فوق مصطبَّة التاريخ، تعلن للعالم أنها رائدة في كل شيء بعدما كانت قبل الإسلام تئنُّ تحت براثن الروم والفرس. أجل؛ كانت أمتنا قبل ذاك العصر رايتها خفَّاقة عالية، تطير بجناحيْ عُقاب، يُمناه علوم ويُسراه آداب ولا يذكر لنا التاريخ في أيِّ حِقبة من حِقبه أنها طارت بجناح واحد.

إن الذين يلومون اليوم الآداب وشتى العلوم الإنسانية لم يعوا بعد حقيقة هذا التقدم ـ إن صحَّ التعبير ـ الذي هم فيه يتأرجحون، لم يدركوا ذلك كونهم لم يطالعوا كتب التاريخ ولم يتمعَّـنوا كثيراً في حقائقه ولا فقهوا جوهره، ولو أنهم فعلوا لتبيَّن لهم الرشد من الغيّ، ولأدركوا أنهم كانوا على خطأ.

وإنَّ الذين ينسبون لأنفسهم الحضارة باعتبارهم يشتغلون في حقل العلوم والمكاتب الإدارية، نسوْا أو تناسوْا أن العلوم الإنسانية كانت دوماً السبَّاقة في تطور تاريخ الأمم. وإننا لا نكاد نعثر على شعب من الشعوب أو أمة من الأمم اكتشفت واخترعت قبل أن تفكر وتـُؤنسِن وتشتغل في حقل الآداب والفلسفة وغيرها من شتى العلوم الإنسانية.

ليست الأمة الحية هي التي تتحكم في التكنولوجيا ووسائلها؛ بل الأمة الحية أكبر من ذلك، لأنها لا تولـِّي وجهها عن إنسانيتها وثقافتها وعاداتها وتقاليدها وتاريخها.

الأمة الحية هي التي جمعت بين هذين الأمريْن، فلا هي غلـَّبت هذا، ولا هي أقصت ذاك، ولنا خير مثال عن الصين واليابان وأمريكا ودول أوروبا كلها. فهذه الأخيرة جمعاء اعتنت بتاريخها ومظاهره ولا تزال متشبثة بما يصنع مستقبلها؛ بل تريد في كثير من الأحيان أن تفرض سلطانها على الضعفاء وتبعث هويَّتها وأفكارها للسيطرة على الذين راحوا يتبرَّأون من ماضيهم وتاريخهم؛ بل راحوا ينسلخون رويداً رويداً من أصالتهم ومعتقداتهم، ويجرون وراء سرابٍ ليس له منتهى.

وإن تغليب المادة اليوم والتبرؤ من عواطفنا التي هي كامنة في إنسانيتنا جعل الكثير منا يعتقد سخافة التاريخ والأدب والجغرافيا والفلسفة وقس على ذلك، فأضحى هؤلاء ممن عصفت بهم رياح الأهواء والنظرات التحتية كمثل دُمى تتقاذفها هذه الرياح فترمي بهم في مكان سحيق، ولا يدرون أنهم بفعلهم هذا يخدمون سلوكات لا هي من ثقافتنا ولا من تقاليد آبائنا، فانجرفوا على غير هدى تحت أفكار هدَّامة تزرع فيهم سمومها شيئاً فشيئاً ويقلِّدون تائهين ما عجزت عنه أعتى آلات الدَّمار في تحقيق مآربها.

ورُبَّ قائل يقول لنا اليوم: ما تغني عنا الآداب والفلسفة وغيرها في حياتنا اليومية، وهل هي ساهمت في تطوُّرنا؟ وما فائدة الشعر في زمن اللاشعر؟ ثم ما فائدة الفلسفة في ما نحن فيه اليوم والحياة تغيرت وأضحت الآلة هي لسان حال الأمم؟

إنني أقول لهؤلاء: ما أغنى عنكم علمكم الذي تحملونه؟ هل اخترعتم لنا شيئاً نفخر به على الأمم التي تدوسنا ولازالت؟ إنكم تهضمون ما وجدتموه عندهم ولا تمحِّصون فيه، إنكم تتنعَّمون في سرداب مظلم وتتغافلون عن اللباب، في حين أن الأمم الأخرى فعلت العكس، أخذوا لبَّ تراثنا ورموْا لنا بقشور تراثهم.

ليست العلوم الإنسانية محصورة في الشعر وقول الشعر، كما يدَّعي أصحاب الأفق الضيِّق؛ بل هي حياة وحضارة ومستقبل، إنها مسيرة متكاملة في بناء صرح الأمة والنهوض بها وإخراجها من سُبات عميق طال عليها شتاؤه، وتمطى بصُلبه فوق نواصي أفرادها.

إنه لزاماً علينا كمجتمع عربي يسعى للتطوُّر والرقي أن نرتقي بأفكارنا أولاً وقبل كل شيء، وأن تكون أفعالنا أكبر من أقوالنا، وأن يشتغل كل منا في حقله لدفع عجلة هذا التطوُّر الذي لم نفهم حقيقته وجوهره بعد. لكن إذا بقي تفكيرنا محصوراً داخل هذه الدائرة الضيِّقة والتعالي على بعضنا البعض لن تقوم لنا قائمة.. فما جدوى أن تكون طبيباً أو مهندساً أو غيرهما وأنت لا تفقه في تاريخك ولا دينك ولا لغتك شيئاً؟

إن الأمة العربية-الإسلامية التي حملت مشعل الحضارة في زمنها عرفت كيف تخلق من العلوم والآداب على حدٍّ سواء علماً نافعاً متخلـِّقاً متأدِّباً. فعلماء أمثال الخوارزمي وابن سينا والرازي وجابر بن حيان وابن النفيس وابن الهيثم وغيرهم ممن كانوا روَّاداً في ميادينهم لم يُرْوَ عنهم أنهم قالوا: لا علاقة بين العلوم والأبحاث والآداب مادام كل صنفٍ منها يسعى من خلاله لتطوُّر الأمة والنهوض بالعربية والالتفاف حول التاريخ والدين لصُنع الحضارة. لقد كانوا أئمة في حقولهم المعرفية، وفي الوقت ذاته علماء في دينهم وآدابهم وتاريخهم، وقدوة حسنة في سلوكهم وأخلاقهم.

إن العلوم التكنولوجية والعلوم الإنسانية وجهان لعملة واحدة، شعارها الأول والأخير النهوض الحضاري بالأمة، فالآداب خزينة فكرٍ وديوان تقاليد الأمة وعاداتها، والتكنولوجيا وسيلة نستعملها في يومياتنا ونستعين بها في خدماتنا الحياتية. ولا يجوز لنا أن نتباهى بها هكذا، ونفتخر بها ونتعالى على بعضنا البعض.. فليس كل مَن ملك سيارة وهاتفاً محمولاً وعمل في منصب إداري واشتغل على الحاسوب بإنسانٍ حضاري ! الحضارة قبل كل شيء سلوك وأفعال وآداب وأخلاق ثم تسيير للتكنولوجيا وتحكـُّمٌ فيها بعد ذلك.

وقد صدق مالك بن نبي حين عبَّر عمَّا نحن فيه اليوم وما كنا عليه قبل هذا بسنين قليلة بإنسان ما بعد الموحِّدين؛ وما أصدقه من تعبير ! إننا نعيش المظاهر ونتحاشى البواطن؛ فالعلوم الإنسانية يستحيل أن نشطبها من حياتنا، وهل نستطيع أن نمحوَ شخصيتنا وهويتنا مهما تحكَّمنا في التكنولوجيا وغصنا في المجالات العلمية؟ بالطبع لا؛ فالإنسان مادة وروح لا فصل بينهما. الروح هي الإنسانيات والمادة هي التكنولوجيات.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3222966

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC