إبراهيم قاسم يوسف - لبنان

رحلة في ست ساعات ج3

صورة من لبنانبالعودة إلى زحلة موضوع رحلتنا، فإلى الشرق من مدخل المدينة وعلى بعد بضعة أميال تقع بلدة عنجر، وكان هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي العاشر من خلفاء بني أمية، قد أقام في قصر صيفيّ شيَّده فيها وكان يحيط بالقصر بستان مترامي الأطراف لا يقل طوله عن خمسين كلم.

يمتد البستان من البقاع الأوسط في عنجر إلى مرجعيون في أقصى الجنوب. لعله المقصود "ببستان هشام" لسعيد عقل، في قصيدته المشهورة سائليني يا شآم:

أمَـويُّـونَ، فإنْ ضِقْـتِ بهم - - - ألحقـوا الدُنيا بِبُسـتانِ هِشَام

يقول شوقي في قصيدته: زحلة

يا جارةَ الوادي طرِبتُ وعادني - - - ما يشبِهُ الاحلامَ من ذكراكِ

مَثّلْتُ فى الذكرى هواكِ و في الكَرَى - - - والذكرياتُ صدى السنينَ الحاكي

لم ادرِ ما طِيْبُ العناقِ على الهَوى - - - حتى تَرَفّقَ ساعدي فطواكِ

قطعنا الجادة التي تتصل بالمدينة من ناحية الشرق، حيث كانت تقام عليها قبل الحرب الأهلية احتفالات عيد الزهور، في استعراض يشبه الأساطير. يراه الزحليون والزوار عن كل سطح ومن كل شباك، ويتم في نهاية الاحتفال بالعيد انتخاب ملكة جمال الكرمة، ويتم توزيع فيض من الخمرة على المشاركين من الحضور.

أما على البيادر في أقصى الشمال من ريف المدينة في كَرَك نوح، فكانت تجري احتفالات خميس الجسد في الثلاثين من شهر أيار (مايو) من كل عام. في ذكرى الأعجوبة الإلهية وإنقاذ المدينة من وباء الطاعون قبل مئتي عام.

تقول حكاية أخرى إن سفينة نوح رست على ضفاف بلدة الكرك بعد أن حوَّلَ الطوفان سهل البقاع إلى بحر عظيم. في هذه البلدة قضى نوح بقية عمره وهو ما يفسر وجود ضريحٍ (مهمل) في البلدة يبلغ طوله أربعين مترا، وعرضه لا يقل عن ثلاثة أمتار.

قبل الوصول إلى مدخل الوادي، مررنا في محاذاة أوتيل قادري إلى اليسار من الجادة صعوداً. هذا الفندق أيضا لم أدخله مرة في حياتي. يقوم على ساحة فسيحة أمام الفندق تمثالٌ لفوزي المعلوف الشاعر والفيلسوف، الذي لم ينل في حياته ما يستحق من التكريم.

فوزي معلوففوزي المعلوف صاحب الملحمة الخالدة "على بساط الريح". انطفأ نجمه في الثلاثين من عمره فأي نكبة حلت بعده بالفكر العربي والشعر الزَّحْلي (أو الزحلاوي)؟

في ملحمة الشاعر إياها يرى البعض أن فوزي المعلوف تجاوز "الطلاسم" وإيليا أبو ماضي، حينما توغّلَ في فكره عن مصير الإنسان والحياة وحاكى عمر الخيام إلى حدٍ بعيد. طه حسين نفسه أطنب في إطراء الملحمة وصاحبها.

والمدينة المصيف، واسعة الثراء بتاريخها ومعالمها والكثير من أبنائها الشعراء كشفيق وميشال وشاهين وقيصر وجورج وموسى ورياض وكلهم من آل المعلوف بالإضافة إلى فوزي. وسعيد عقل، وميشال طراد وهما من فطاحل شعراء لبنان الميامين.

أما أمين معلوف الأديب اللبناني المشهور في الأكاديمية الفرنسية وصاحب "ليون الأفريقي" و"حدائق النور" و"صخرة طانيوس"، ومن قبله أبوه رشدي، فمن "عين القبو" في منطقة المتن الشمالي. ولا يجوز أن ننسى من الشعراء الزحليين، حليم دموس، وموسى نمور، وخليل فرحات، وأنيس خوري، وجوزيف غصين، وغيرهم.

زحلة مدينة الخمر والشعر أو دار السلام وجارة الوادي وعروس البقاع كما يعرفها الجميع، تكاد تتفوق في التاريخ على بغداد والشام ووادي النيل والأندلس أيضا.

(صورة)

تذكرني هذه المدينة بحكاية "الفنجان العاشق"، وتقول الحكاية: إن ثلة من الشعراء من آل معلوف بالتحديد كانوا في جلسة رومنسية هادئة، يحتسون القهوة على شرفة تطل على الوادي تشاطرهم جلستهم سيدة الدار، وهي امرأة ساحرة الجمال.

حينما سقط الفنجان من يدها إلى الأرض، قالت: لينظم كل واحد منكم شعرا في الفنجان وهذه ساعتي الذهبية مكافأة للفائز.. وفوزي الحكم فيما تقولون.

قال شاهين المعلوف:

ثملَ الفنجانُ لمّا لامستْ - - - شفتاه شفتيها فاستعرْ

فتلظتْ من لظاه يدَها - - - وهو لو يدري بما يجني اعتذرْ

وضعتْه عندَ ذا من كفِّها - - - يتلوى قلقاً أنَّى استقرْ

وارتمى من وجدِه مستعطفاً - - - قدميها وهو يبكي فانكسرْ

وقال ميشال المعلوف:

عاشَ يهواها ولكن - - - في هواها يتكتمْ

كلما أذنته منها - - - لاصقَ الثغرَ وتمتمْ

دأبُه التقبيلُ لا - - -ينفكُّ حتى يتحطمْ

وقال شفيق المعلوف:

إن هوى الفنجانُ لا تَعْجبْ وقد - - - طَفرَ الحزنُ على مبسمِها

كلُّ جزءٍ طارَ من فنجانِها - - - كان ذكرى قبلةٍ من فمِها

نظر فوزي إلى الفنجان فألفاه سليماً لم ينكسر، فقال يعارضُ الجميع:

ما هو الفنجانُ مختاراً فلو - - - خيَّروه لم يفارقْ شفتيها

هي ألقتْه، وذا حظُّ الذي - - - يعتدي يوماً بتقبيلٍ عليها

لا ولا حَطّمَه اليأسُ فها - - - هو يبكي شاكياً منها إليها

والذي أبقاه حياً سالماً - - - أملُ العودةِ يوماً ليديها

وكانت الساعة بطبيعة الحال من نصيب فوزي، الذي لم يحكم لنفسه وإنما حكمٍ له الآخرون. وعقَّبتِ السيدة بدورها فقالت:

يا ساعة ما أنتِ أوَّلُ ساعةٍ - - - ضَيَّعْتها من ذكرياتِ حياتي

ما دمتُ ضيَّعْتُ السنين فلستُ - - - محاسِبَةً دهري على الساعاتِ

أما أوتيل عقل المتواضع الفقير على مدخل الوادي فما زال على حاله منذ عشرات السنين. هذا الفندق ارتدته مرة على أطراف الماضي البعيد، يوم تقدمتً من امتحانات الشهادة الابتدائية الرسمية "السرتيفيكا". أتينا إلى المدينة قبل يوم واحد من الامتحان، وبقينا لثلاثة أيام أخرى حتى انتهينا من جميع المواد.

كانت وسائل النقل يومها عزيزة ونادرة، مع الإشارة إلى أن المسافة التي تفصل المدينة عن بلدتي لا تتعدى بضعة أميال، نقطعها اليوم في أقل من نصف ساعة، وأصحاب المصالح والموظفون فيها يقطنون قراهم، يقطعون مسافة قصيرة للحضور إلى أعمالهم في كل يوم.

في موقف للسيارات قريبا من مدخل الوادي، وكان الوقت ما زال عصراً نبّهني ابني أن عجلة السيارة معطوبة وتكاد تكون فارغة من الهواء، وليست في حال تسمح بقيادتها في طريق العودة. حدث ما لم يكن في الحسبان، وكنت قد أدركت فعلاً أن خللاً أصاب إحدى عجلات السيارة، وأنا أشعر بصعوبة قيادتها وقساوة المقود بين يديّ لقلة الهواء المضغوط في العجلة. لعنتُ الشيطان في سري وشمَّرتُ أكمام قميصي، وبادرت على الفور برفع السيارة مستعينا "بعفريت" في صندوقها، فقمت باستبدال العجلة المعطوبة بعجلة الاحتياط.

زحلة ويشتق اسمها من فعل زَحَلَ بمعنى تباعد وتنحّى عن المكان. طمرتْها الروابي المحيطة بها بفعل زلزال مدمر ضرب المدينة عبر التاريخ وخرِّبها وأزاحها من مكانها. تتميز بيوتها بالقرميد الجميل، وترتفع عن سطح البحر ألف متر تقريبا، كما تبعد عن العاصمة بيروت خمسين كيلو مترا أو أكثر بقليل، ويقع الوادي في أقصى الطرف الغربي من المدينة، ويبلغ مداه بين جبلين بضعة مئات من الأمتار إلى الداخل، حيث يصب البردوني، وهو نهر وافر وبارد المياه، ينبع من أعالي جبل صنين المتاخم للمدينة، حيث تتكاثر الثلوج شتاءً وتبقى تكلل المرتفعات حتى وقت متأخر من الصيف.

يجري النهر رشيقاً عبر المدينة، ويصب عند نهايته في نهر الليطاني ويشكل رافدا مهماً من روافده، والليطاني يصب في بحيرة القَرْعَوْن للزراعة والري وتوليد الكهرباء، وتنتهي رحلته في البحر الأبيض المتوسط في أقصى الجنوب ليس بعيدا عن مدينة صور.

صورة من لبنانصور القاعدة البحرية في التاريخ التي عصيت سنتين من الحصار، على الإسكندر الكبير الذي لم يهزم مرة في حياته. أنقذته من الهزيمة في حصاره على المدينة هذه المرة نملة علمته الصبر، وهو يراقب إصرارها ومحاولاتها المتعثرة المتكررة، وهي تنقل حبة قمح وتحاول اجتياز حصاة تعترض طريقها. لكن النملة انتصرت في النهاية كما انتصر الإسكندر الكبير فدخل المدينة بفضل الدرس الذي تلقاه من النملة.

وفي قانا الجليل ليس بعيداً عن صور حيث حوَّل السيد المسيح الماء إلى خمر. هذه البلدة التي شَرَّفَها يسوع المسيح. نالت نصيبها الأكبر من العدوان الإسرائيلي عام 1996، حينما ارتكبت طائراته مجزرة هائلة أسفرت عن قتل المئات من المواطنين، معظمهم من الأطفال والنساء ممن التجأوا إلى الأمم المتحدة، التي فشلت في حمايتهم في مقرها على أرض الجنوب.

صدفة أرجوانيةمدينة صور كانت رائدة أيضاً عبر الزمن في اكتشاف الصباغ "الأرجواني" الجميل. تقول الحكاية إن "هرقل" كان يتمشى يوماً على الشاطئ السوري، ترافقه تيروس إحدى حوريّات الماء، وكان الإله متيّماً بها، فعضّ كلبها صَـدَفة وجدها بين الصخور ولوّن فمه بعصارتها، فأعجبتْ تيروس باللون وأقسمت أنها لن تستجيبَ لمشيئة الإله، ما لم يقدّم لها ثوبا تزهو به على أقرانها مصبوغا بهذا اللون الأرجواني الجميل.

واضطر الاله إلى البحث عن هذه الأصداف فاستخرج مادتها الملوّنة وصبغ بها رداء حبيبته تيروس، وبنى لها فيما بعد مدينة صور وسمّاها باسمها تيروس.

داخل الوادي وفي عز الصيف قلما تتخطى الحرارة ما يعلو عن عشرين درجة مئوية.

اشتهرت المدينة بزراعة الكرمة؛ خاصة في التلال المحيطة بتل شيحا وصناعة أجود أنواع الخمور. في هذه الناحية عثر المنقبون على بعض الخزفيات المنقوشة بألوان بديعة، وتعود إلى العصور الوثنية قبل ميلاد السيد المسيح. كما اشتهرت المدينة في الماضي بزراعة التوت، وتربية دود القز لصناعة الحرير. وفي بعض الحقبات اشتهرت بتربية الخيول.

صورة من لبنانهكذا توجهنا جميعاً إلى مدخل الوادي وقد اتسخت يداي وأطراف القميص. ولكن ما هم فما حدث قد حدث وانتهى الأمر بسلام. من العصيِّ على التصديق أننا ونحن نجتاز المدخل بمتر أو مترين حتى أحسسنا ببرودة ملحوظة وطقس منعش. قالت ابنتي: لا أصدق أن يتبدل المناخ في فاصل لا يتعدى أمتاراً قليلة. تراجعتْ قليلا ثم تقدمتْ عدة مرات وفي كل مرة تتعجب من التبدل المفاجئ في البرودة والحرارة. أشارت بيدها وقالت: "هون الجنة، وهون النار".

اتخذنا لأنفسنا طاولة على أطراف المقصف الأبعد بجانب بركة من الفسيفساء المزركش، تتعالى منها المياه وتنثر رذاذاً منعشاً في الجوار، وتوجهتُ على الفور إلى حجرة المغاسل أنظف يدي. في حجرة المغاسل يتراءى لمن يدخل المكان أنه في مختبر لعلم الأحياء، ناهيك عن رائحة زكية تنتشر فواحة في المكان. غسلت يدي بصابون معطر وسيدة تجاوزت الخمسين من العمر يتسم محياها بكثير من الرضى والهدوء، تلفُّ شعرها بمنديل مطرز الحواشي بالصدف والخرز الملون.

انتظرتني بوجه بشوش، قريبا من المدخل ثم ناولتني منشفة من القماش بيدين نظيفتين وأظافر حسنة التقليم. نشفتُ يديّ وشكرتها وأطريتُ نظافة المكان، وسألتها عن سر الرائحة الفوّاحة تنتشر في الأرجاء. قالت: إنه بخور اشترته من حي الحسين في القاهرة. ثم استأذنتني لكي أنتظرها برهة قبل أن أرحل، وعادت بعد قليل تحمل معها قطعة من البخور بحجم حبة التين.

أذهلتني المبادرة اللطيفة ولياقة السيدة الكريمة، فلم أدرِ ما قلته لها وكيف شكرتها؟ ولكنني تركت لها مبلغا من المال يكفي مصروفا لعائلة خلال يوم أو يومين، وهو يقل بأي حال من الأحوال عن لطفها وغلاوة البخور. شكرتها مجددا وأحسست بالغبطة وعدت أشارك ولديّ الجلوس.

كانت ابنتي وأخوها موعودَين بالشيش برك والكُبَّة بالصينية للعشاء في المنزل، لهذا فقد اكتفيا بطلب بعض المثلجات من "البوظة" المشهورة بها المدينة، واكتفيت بقهوة طلبتها لنفسي. حدثتنا ابنتي عن طفولتها ووعيها الأول وذكرياتها مع البوظة، حينما عرفت طعمها لأول مرة.

قالت: أحسست بالذهول وشككت يومها أن يكون في الدنيا ما يعادل طعم هذه المثلجات. هذا طعم الفردوس كما أخبرتها جدتها، أمي. تناوبنا لبعض الوقت على التصوير وانشغلنا بأطفال يلهون بالقرب منا بمراكب ورقية يصنعونها ويدفعون بها إلى النهر، ويراقبونها حتى تغيب عن أنظارهم، ونالهم نصيب من التصوير.

قصصت عليهما أنني تعلمت في إحدى مدارس المدينة وأخبرتهما الكثير عن إبراهيم الترشيشي معلمي، وعن المناهج المدرسية في ذلك الزمن. ما لم أبح به لهما، أن سعادتي على الأرض ابتدأت في هذه المدينة وفيها انتهت.

لم أحدثهما عن أهل "هاك" الدار ولا عمن "سكن تلك الديار" (*).

أخبرتهما عن الحرب الأهلية وزمن الاضطرابات والخطف والقتل على الهوية، عندما خاطرتُ مرة وأتيت إلى زحلة المدينة "المسيحية" برفقة جدتهما، أمي؛ عجوز كانت بحاجة إلى نظارات، وتبدو عليها علامات أهل الريف، والمنديل البلدي على رأسها يفضح انتماءها الطائفي.

لن أنسى ما حييت المعاملة المترفعة الكريمة التي قابلنا بها صاحب محل "الأوبتيك". رحب بنا كثيرا وأكرمنا وتنازل بإصرار عن حقه في ثمن النظارة كدليل على حسن النوايا. ثم أوفد معنا ابنه. رافقنا من أجل سلامتنا حتى "كرك نوح" حدود المدينة.

المسافة إلى بلدتي من "الكرك" النقطة التي تركنا فيها مرافقنا قطعتها ذات يوم "مارش عسكري" سيرا على الأقدام، حينما نفذت نقودي قبل موعدها، فانطلقت التاسعة صباحا وبلغت بلدتي الثالثة بعد منتصف النهار.

شرَّق الحديثُ بيننا وغرَّب وأخيرا قلت لهما هيا بنا قبل أن يهبط الظلام وأتعثر في القيادة ليلا. وقبل أن نغادر طلبتْ مني ابنتي أن أدلها إلى المغاسل فواكبتها وقلت ألقي تحية على السيدة قبل الرحيل وأشكرها مرة أخرى على قطعة البخور.

حاولتُ للمرة الثانية أن أتركَ لها مبلغا إضافيا من المال، لكنها رفضت بإصرار وبان التأثر في محياها. قالت لي: لست بحاجة إلى مزيد من المال. أنا بحاجة لمن يبتسم للآخرين.
أسعدتنا السيدة ورافقتنا إلى الطاولة حيث نجلس وعرفتها أيضا إلى ابني وقبَّلتِ ابنتي قبل أن نودعها ونرحل. لكنها توسلت إلينا قبل أن نغادرها، أن نعاود إلقاء التحية عليها كلما أتينا إلى المكان.

استغرقتنا رحلة الذهاب أربع ساعات: ساعتان على الطريق وساعتان في المقصف.. وهكذا عدنا أدراجنا إلى بيروت. توقفنا في شتورة واشترينا من محل بديعة مصابني بعض الأنواع المميزة من الأجبان والألبان والبيض وسائر مشتقات الحليب والحبش المدخن وخبز الصاج المرقوق.

على منحدرات ضهر البيدر كانت تتوقف سيارة مُعَطَّلة. ركنها صاحبها إلى جانب الطريق ووقف بمحاذاتها يؤشر للسيارات النازلة والصاعدة المسرعة لعله يجد من يسعفه. توقفتُ على الجهة المقابلة وسألته كيف يمكن أن أساعده؟ قال تسرّبَ معظم زيت تبريد المحرك وأضاء أمامه مؤشر الحرارة، وهو بحاجة إلى علبة من الزيت ريثما يصل إلى مكان مأهول.

أنا أحتاط كثيراً لمثل هذه الأمور ولا تخلو سيارتي من وسائل المساعفة المختلفة ومنها علبة أو علبتين من الزيت للحالات الطارئة، فدفعتُ إليه بإحدى العلبتين. تناولها مني ودسَّ يده الأخرى في جيبه بسرعة، وهو يسألني عن سعرها.

قلت له المسألة لا تستحق يا صديقي. سأجد يوما من يتنازل لي عن علبة زيت بلا مقابل، فانفرجت أساريره تماما وسحب يده من جيبه بذات السرعة التي دسها فيها. وعلق ابني لاحقا على قلة خبرته في التمثيل قائلاً: فلينمِ الرجلُ "مبسوطا" هذه الليلة.

على المفرق المؤدي إلى صوفر في طريق العودة سلكنا الطريق القديمة، حيث ملأنا "للنعجة المدلّلة" مطرة الماء من النبع الكائن على طرف المدينة الشمالي، مياه مميزة تنبع من بين الصخور، عذبة للشرب والطبخ ومدهشة لإعداد الشاي.

أما على المنحدرات الحادة المحاذية "لعاريا" في المقلب الآخر من ضهر البيدر، فالمَّ بأذنيَّ خلل مؤقت تعودتُه على نفس الارتفاع، بفعل التغير المفاجئ في مستوى الضغط الجوي من الأخف على المرتفعات، إلى الأعلى عند المنحدرات، وتَرَحَّمْتُ على روح "توريتشيللي" الطلياني خادم البشرية.. لاكتشافه الضغط الجوي "والبارومتر".

وهكذا وصلنا بعد مرور ساعتين على انطلاقنا من وادي العرايش، فعدنا مرة أخرى إلى جحيم الطقس في بيروت، ووجدنا "الشيش برك والكُبَّة بالصينية" ينتظرانا للعشاء، بعد رحلة ليست متعبة استغرقت ست ساعات فحسب، فأقبلنا على الطعام بشهية، وعطَّرنا المنزل بفضل السيدة صاحبة اليدين النظيفتين والمنديل المزين بالصدف والخرز الملون، فأحرقنا جزءاً صغيراً من قطعة البخور عطّرنا به البيت، وتركنا الباقي لمناسبة أخرى تكون جديرة برائحة البخور من حي الحسين.

= = = = =

(*): إشارة إلى **يقول قيس بن الملوح:

وما حب الديار شغفن قلبي - - - ولكن حب من سكن الديارا


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3206399

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC