فتيحة كحلوش: الشعرية الفلسطينية

صدر للناقدة الجزائرية د. فتيحة كحلوش كتاب نقدي عنوانه «الشعرية الفلسطينية: نسقية العلامة وتحولات المعنى (عز الدين المناصرة ومحمود درويش)». الناشر: دار الصايل للنشر والتوزيع عمان (2013).

جاء الكتاب في خمسة فصول وملحق. تعالج المؤلفة قضايا مختلفه، وتبحث مسائل من قبيل انزياحات الخطاب الشعري الفلسطيني وبلاغة المكان من الأنسنة الى التأليه؛ والشعر الفلسطيني من الهجرة في المكان الى الهجرة عبر النصوص؛ وشعرية التوقيعة في شعر المناصرة. وتقدم قراءة في قصيدة المناصرة: القدس عاصمة السماء القدس عاصمة الجذور. أما الملحق فهو مخصص لقراءة في قصيدة «في القدس»، للشاعر تميم البرغوثي.

أدناه مقتطف من الكتاب

تختلف الروايات بشأن قصة حيزية، فهناك الرواية التي تقول بزواج حيزية من اسعيد وموتها قبل أن يحول اسعيد لغة الحلم إلى حقيقة، وقبل أن يستمتع بحبه لها. وهناك الرواية التي تقول بقتل حيزية بعد أن اكتشف أهلها قصة عشقها في مجتمع بدوي صحراوي ينظر إلى العشق قبل الزواج كمحرم ديني وكعار اجتماعي، وهناك الرواية التي تقول برحيل حيزية الإجباري مع أهلها نحو أعالي سطيف، هربا من قصة حب حارقة لحيزية ولأهلها.

ولعل الأكيد في كل هذا أن حيزية واحدة من الذين ماتوا حبا، وخلّدوا في نص خالد بدوره حيث يتقمص بن قيطون صوت اسعيد العاشق المفتتن الذي فرغ من الحياة بفراغه من حيزية بعد رحيلها، وراح يعيش على إيقاع الفقد ومرارة الموت حبا، لتكون فاتحة القصيدة طلب العزاء لأن اسعيد صار وحيدا لا يرغب بشيء إلاّ بالعزاء الذي يسمح له بالمكوث على جسر التواصل مع حيزية:

عزوني يا ملاح في رايس لبنات

سكنت تحت اللحود ناري مقديا

ياخي أنا ضرير بيا ما بيا

قلبي سافر مع الضامر حيزية

ما بالعاشق من محنة لا يمكن حصره، وسيتحرك نص ابن قيطون بين فضاءين دلاليين واضحين: فضاء اللوعة وطلب العزاء، وفضاء الفرح المختلس وهو فضاء مرتبط بتذكر مزايا حيزية وجماليات زمنها. ولعل السؤال الجوهري الذي سيطرح هنا سيتعلق بموقع نص المناصرة من هذين الفضاءين، هل يشترك النصان في الرثاء أم أن النص اللاّحق سوف يتخذ من عذابات النص السابق هامشا لقول أفراح طفولية ترتبط بمعايشة مكان حيزية، أي بجغرافيتها لا بتاريخها؟

يمتلئ المناصرة نفسيا بالموروث الشعبي العربي، ويحول الامتلاء دائما إلى تجربة شعرية، ينجر عنها نص أو مجموعة نصوص، تتشرب الثقافي المشترك لتتفرد فيما بعد بخصوصية القول. هكذا استعاد سيرة امرئ القيس وزرقاء اليمامة والقصص الكنعانية، وما لبث أن فعل الشيء نفسه مع التراث الشعبي الجزائري، ممثلا بواحدة من أعذب حكاياته التي تصر المرويات على واقعيتها وصدقها، حكاية حيزية كما أشرنا.

ينبني النص على تكرار فعل "أحسد"، فهو يتكرر خمسا وأربعين مرة كفعل ومرة واحدة كمصدر، ويرتبط بالمكان، بالإنسان، بالشجر، بالحجر:

أحسد الواحة الدموية هذا المساء

أحسد الأصدقاء

أحسد المتفرج والطاولات العتاق الإماء

الأكف التي صفقت راعفة

القوارير أحسدها

والخلاخيل ذاهبة آيبة

أحسد العاصفة

في حنايا الفضاء

أحسد الخمر منسابة، وعراجينها في ارتخاء

وابن قيطون أحسده عاشقا طاف في زرعها

يسند الفعل أحسد إذن إلى فاعل مشتت الحواس، ويتعدد المفعول به كلما تكرر الفعل، بل يتنوع تنوعا غير متوقع، ويعكس ذلك التنوع حالة التشوق العميقة لمعايشة زمكانية الشخصية موضوع الحكي، نظرا لكونها تمثل زمناص أسطوريا، فالموت حبا حادث اختصت به المجتمعات القديمة، وهو شيء شبيه بالخرافة والأسطورة، لذا يلاقي تمحور الشاعر حوله.

الحسد هنا يتخذ معنى التمني العميق وكأنما يود الشاعر القول ليتني كنت مع الذين رأوا الأميرة العاشقة حيزية، ليتني كنت بين الأشياء التي لامستها، ليتني كنت ضمن عناصر الطبيعة التي حضنتها، ليتني كنت اللباس الذي ارتدته، ليتني كنت بين الأشخاص الذين كلموها وتكلموا عنها، إلى آخره.

هذا الحسد الجميل هو الذي يجعل الشاعر، أثناء عوربته لنص حيزية ونقله من الموروث الشعبي الجزائري إلى الشعر العربي الفصيح المعاصر، يمارس إعادة سرد شاملة للقصة، فيجاوز منذ البداية البطل الحقيقي للقصة (اسعيد) ويتمسك بالراوي (ابن قيطون)، ذلك أن الراوي المتكلم أكثر نفعا من البطل الأخرس، لم لا يكون ابن قيطون هو العاشق الحقيقي لحيزية، فالنص نصه وحيزية حيزيته وهو محسود لأجل ذلك؟

يفضي الإلغاء في مرحلة تالية من مراحل القول الشعري إلى رغبة دفينة في إلغاء الراوي نفسه وتقمص القصة، وهذا سبب إضافي من أسباب تكرار الفعل أحسد.

فلنقل: عاشقة

في ليالي الصبيب

ولنقل: حين أغوت... غوت في اللهيب

ولنقل: ساحرة

ولنقل سحرت خلف أشجار وادي الرمال

ولنقل – فرضا – أنها امرأة حادقة

ولنقل – صدفة – زحلقت رجله في الغرام

ولنقل إنها نجمة في السماء واضحة

– إنني عاشق جرب الذبح والمذبحة –

ولنقل – مهرة جامحة

سئمت برد فرشتها

وتسلل ينبوعها دافئا في الظلام

ولنقل – وردة عطشت

فرواها النخيل... وخاف

ولنقل – إنها تربة شققتها ليالي الجفاف

ولنقل- غجر لملموا نارهم

حول تلك الضفاف

ونسوا جمرة علقت في ذوائبها البائنة

ولنقل – مثلا- إنها امرأة خائنة

طارحتني الغرام

عندما كان عاشقها في الصلاة

وابن قيطون كان يدبج بعض رسائله في الخفاء

ما الذي يزعج الشعراء

ما الذي يزعج بعض الرواة

إذا كانت امرأة خائنة!

يسمح الغاء البطل بإلغاء الراوي ثم بإمكانية امتلاك القصة، وهو ما يتحقق شعريا. لم تعد حيزية نصا مقصورا على ابن قيطون فقط، بل الشاعر الجديد نفسه امتلكها بعد أن خانت حبيبها الأول/صانعها الأول واستسلمت لعاشق جديد يشكلها كما تشتهي أحلامه، ويغازلها كما يحلو له الغرام، ويضخم خصوصياتها بإيحاء من زمنها العجائبي، حيث توجه عجائبيته تلك النص نحو "وصف" شعري لا يعتمد تكرار القصة الشعبية، على الرغم من تلميحه إلى بعض تفاصيل الرواية كما سنرى لاحقا.

من وحي الزمن الجميل الغابر يأتي نص المناصرة كثيفا، حميما، ومتوها للقارئ الذي خدعته ألفة العنوان. ذلك أن حيزية في نص المناصرة تستحضر كرمز للمرأة الجزائرية سواء كانت في سيدي خالد في بسكرة أم في تلمسان أم عند نبع مائي في غابة عتيقة ومدهشة هي غابة عين قشرة بين القل وجيجل.

غلاف كتاب فتيحة كحلوش


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3205610

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC