مهند فوده - مصر

قلوب لم يدفئها الحب

مهند فودهفي لحظات معدودة تبدل كل شيء، تلاشت الوعود واختفت من الوجود، ذهب الأمان وحل الخوف من المجهول، صار وعده لها بمشاركتها طول العمر أملا غير مضمون، ذهب الدفء وحل برد الشتاء وأصاب أطرافها بالتجمد ولسانها بالجمود، ودت لو أشارت للنادل بحاجتها لبطانية، فدفء الجسد بالحب في برد ديسمبر بدا لها في تلك اللحظة خادعا وغير مأمون.

لم تعُد تصغي لمزيد من مبرراته المغلفة بالأعذار واللامعة بالأكاذيب، أخذت تتابع هطول الأمطار من خلف النافذة التي يجلس أمامها، جُل تفكيرها كيفية العودة للبيت دون مظلة تحميها من المطر ودون معطف يدثرها من البرد، نسيت أن المطر يتساقط منذ ثلاث ساعات بلا توقف من قبل قدومها لموعده، وأنه لم يمنع مجيئها- دون مظلة- عارية الرأس وبجونلة قصيرة عارية الساقين.

في مقهى عصري حديث الطراز، اتفقا على اللقاء بعد عودته من سفر دام طويلاً وغياب كان الأطول من بين مرات غيابه، جلست أمامه على طاولـة مستديرة ترتكز بمنتصفها مزهرية تطل منها زهور رائعة متفتحة كأحلامها معه وأمانيها، وبدلاً من أن يمنحها عناقا دافئا، طلب لها كأساً من الشاي، لم تعبأ كثيراً لبرودة استقباله ولا لمخالفته توقعاتها، عزته كما يقول دوماً لأنهما في مكان عام، التمست له العذر بل ولامت حالها على شطط توقعاتها، حتى لو دفعها لذلك حرارة شوقها إليه وغيابه الذي أضناها.

ماذا حل بحبهمـا لا تدري، حتى يقرر وحده أن يُنهيه بين ليلة وضحاهــا، لقد اشتركــا في قرار الحُب، فكيف له أن يستأثر وحده بقرار إجهاضــه؟

لا تدري كيف تمالكت نفسها، وأمسكت دموعها ولم تنهر أمامه، أقنعته كذبا -في ردة فعل سريعة منها وغير معتادة- أنها جاءت لتخبره ذات القرار وأنها هي الأخرى ما عادت تريده أو تبغي حُبه، أرادت كأنثى أن تتقنع ببعض من الكبرياء والكرامـة أمام رجل يمطرها بوابل من كلمات الجرح والإهانة.

يطالبها بنسيانه والتوقف عن حبه، ببساطـة أطلق كلماته على مسامعها وبهدوء ودمٍ بارد، ولكن تأثيرها كان داميا كما لو كانت رصاصة.

وصدّق قولها وأنها هي الأخرى جاءت لتشاركه رغبته، صدّقها لأنه لم يحبها يوماً ولم يدرك بعد قلبها، لأن عينيه رأتها مراراً ولم تستطع أن تنفذ لأعماقها.

ولو أن عينيه جاهدتا قليلاً وتفحصتاها ملياً، لما انطلى عليه كذبها، لأدرك بسهولة من هيئتها كذب ادعائها، ما كانت هيئة امرأة جاءت بأبهى حُلة لتودع حبيبها، إنها جاءت لتستبقيه وليس لتودعه.

أبت كرامتها أن تستعطفه، وأن تسقط دموعها في حضرته، قررت أن تكون قوية في وداعها مثلما كانت في حبها. حملت حقيبتها من على الطاولة وغادرته، دون أن تدع له فرصة أن يستكمل حديثه ويفرش أمامها مزيداً من أكاذيبه.

رحلت دون أن تريه هديتها والتي كانت قد جلبتها له بمناسبة قرب اكتمال عام على لقائهما الأول، أخفتها في حقيبتها حتى يحين الوقت الأنسب من سهرتهما لتفاجئه، فلم يمنحها لا الوقت المناسب ولا المزيد من الأيام القليلة الأخرى ليكتمل عامهما الأول.

غادرت بعدما قررت أن تقتل على لسانها كل ما كانت تعده للبوح به من كلمات شوق لحبيب عاد لحبيبته بعد غياب طويل أرهقها فيه بُعده.

انفصال حبيبينبعد خطوات قليلـة تحت السماء الماطرة، وعند أول سلة قمامـة قابلتها، استقرت هديتها في قاعها، أكملت مسيرتها تحت المطر دونهما. وحده بقطراته كان يشاركها دموعها مثلما شاركها منذ نصف ساعة فرحتها.

لم يلاحظ دموعها السوداء أي من المارين القلائل في الشارع، فالكل يعدو يبحث عن ملجأ من المطر والبرد عداها، تمشي ببطء غير عابئة بهما، ومن وقعت عينيه عليها صدفة، ظنها امرأة قويـة تواجه المطر ببأس غير معتاد، ولهم العذر في ذلك، فهم لم يروا تلك الأخرى القابعة بداخلها، امرأة هشة مجروحة القلب، ينتابها مزيج من المشاعر، قليل من الندم، كثير من الكبرياء، والأكثر بداخلها كان حُطام المشاعر.

* * *

بعد أن شيع خطواتهـا بعينيه حتى وصولهـا لباب المطعم واختفائها وراءه، أخرج من جيبه دفترا صغيرا يحوي مذكراته، اكتفى بملء بعض السطور بقلمه الجاف، ثم وضع خاتم خطبته وخاتمها بين صفحات الدفتر وأغلقه عليهما.

أخفى الدفتر في جيبه، ثم أشار للنادل بطلب الحساب. وبعد أن قام بدفعه، توجه نحو الباب، ليقترب منه عامل المعاطف يحمل عنه معطفه ومظلته، يهم بمساعدته على ارتدائه، بلطف رفض ارتداء المعطف وبابتسامة قال له: شكراً، فلم أعد أشعر بالبرد.

طوى المعطف وحمِله على ذراعه اليمنى وخرج تحت المطر حاملاً في يده الأخرى مظلته دون أن يفتحها.

لحظة ما لامست حبات المطر وجهه، تنفس بعمق كمن نال للتو حريته، ورفع يده ورأسه نحو السماء الماطرة وأغمض للحظات عينيه، ثم أكمل مسيره نحو سيارته.

في طريقه مر بجوار سلة القمامة ذاتها التي ترقد بقاعها هديتها له، وبعد أن فاتها بعدة خطوات توقف عن السير كمن جال في خاطره شيء.

اخرج دفتر مذكراته واستدار ناحيتها، وقذف به لداخلها. انزلق الخاتمان من بين الصفحات وأصدرا صوتا مسموعا إثر اصطدامهما بقاعها المعدني، بينما استقر الدفتر فوق هديتها، مفتوحـاً على الصفحة الأخيرة المكتوبة، وعبثاً حاولت قطرات المطر أن تبلل سطورها أو تمحي كلماتها، فما زال بالإمكان لسطورها أن تُقرأ بوضوح، وهذا ما خُط فيها:

الساعة 1.45 ظهرا

دوماً ما كنت أجاملها بالابتسامات، بكلمات الحب وبالمشاعر، ولكني لم أشعر يوماً ذات المشاعر. كنت أمنحها إياها ليس بقدر ما أشعر، ولكن بقدر ما يتطلب مني أداء الواجب.

دوماً ما كانت تُبدي تصديقاً لكلماتي، لمسة يدي وابتساماتي. صدقت حُبي لها لأنها كانت تُحبني، ويبدو أن الحب أفقدها القدرة على استشعار صدق حرارة قلبي وواقع حبي.

أقنعت نفسي بأن إحساسي بمجاملاتها بالحب لابد أنه وبمرور الأيام سيتبدل به. وانتظرت أياما وشهوراً، وزدت من عدد سفراتي، وعمدت إلى إطالة أيام غيابي، أملاً في يمنحني البُعد شوقاً نحوها، وبه اختبر حقيقة حبي لها، ولكن الحقيقة أنها هي التي كانت تزداد ارتباطاً بي وتعلقاً، بينما قلبي بقيَّ على حاله، فلم ينم حبي لها مثلما أملت، وقلت قدرتي على التمثيل، فقد سئمت.

زادت حدتي وثورتي عليها من أتفه الأسباب وكل ما لا يستحق، بل وكان يثير حنقي أكثر أنها كانت تتحمل، ولم تشتكِ يوماً مني أو تثور علي.

صرت مقيداً بحبها، يكاد يخنقني. وشعوري بالذنب نحوها يكاد يقتلني، ونداء قلبي الذي يرفضها يوسوس لي أن مخزون التمثيل لدي سينفذ ذات يوم، وأن الستارة ستغلق لا محالة، وحينها ستكشف زيف مشاعري وسيصيبها الألم في النهاية، فلماذا إذن استمر معها وبها دائراً في ذات الدوامـة؟

هذه الليلة، وبعد عودتي من سفرتي سأقابلها، وقد عزمت على أن أصارحها، سأستجمع شجاعتي وقوتي لأبوح لها بحقيقة مشاعري، وسأحاول، وليتني أفلح، أن أتحسس ما سأقوله وألا تجرحها كلماتي. ستتألم كثيرا. أدرك هذا، ولكن ألم ليلة، ولا ألم طول العمر.

الساعة 9.35 مساء

لم يمض سوى دقيقتين على رحيلها. منذ جلوسنا، استشعرت هي أن هناك شيئــاً ما يجول في خاطري فسألتني، ثم صمتت قليلاً واستطردت تقول لي: "أرجوك، اخبرني".

فاجأتني كلماتها وزادت من ارتباكي، حينما حدقت بعينيهــا زاد اندهاشي، لم أر في عينيهــا لحظـة صدق أقوى من هذه، وكأنها تعلم مسبقـا ما أود قولــه قبل أن أتفوه به، فلمست يدها يدي وكأني طفلها تدعمني، تدفعني للبوح والحديث وإخراج ما في أعماقي.

لم أقو على جرحها وإخبارها بحقيقة فشل قلبي في حبها، اضطررت لاستكمال مجاملاتي لها باختلاق حجج واهية وتعذرت بالكثير من الأسباب التافهة، وأكدت في ختامها أنه لن يصلح معها استمرار ارتباطنا.

أدهشني كثيراً عدم صدمتها من قراري، وفاجأني قولها إنها هي الأخرى جاءت لتخبرني ذات القرار بل وتشاركني الرأي فيه. حملت حقيبة يدها وغادرتني بعد أن خلعت خاتم خطبتنا من إصبعها وعلى الطاولة تركته لي.

لم استطع أن استبقيهــا أو استرضيها كما يقتضي الموقف. ما عاد لدي ما أجاملهــا به، فقد نضبت طاقتي على المجاملات ونفذ كل مخزون الكلمــات لدي.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3306117

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC