عبد الحفيظ بن جلولي – الجزائر

الرّمزي والصّوفي في مأساة الحلاج

تساند الرّمزي والصّوفي في مسرحية

"مأساة الحلاج" للشاعر صلاح عبد الصبور (*)

(*) نشرت أول مرة عام 1966، وأعادت الهيئة المصرية العامة للكتاب نشرها عام 1996.
.

عبد الحفيظ بن جلوليمقدمة

تفيض تجلّيات التّجربة الصّوفية على مختلف مناحي الحياة، ومن ضمن المجالات الحيوية التي تأثّرت بالتّجربة الصّوفية مجال الإبداع، وخصوصا في شقّه الشّعري، حيث نجد شعراء كثيرون تأثّروا بالمنحى الصّوفي فراحوا يحاكون التّجربة في إنتاج الرّؤية الشّعرية الإبداعية المحايثة للسّلوك الصّوفي، وعند هذا المفترق الذي يفصل التصوّف السّلوكي عن التصوّف الإبداعي.

تجدر الإشارة إلى تعالق الحالة الشّعرية بالحال الصّوفي عند ترجمة الحالة الصوفية إلى حالة إبداعية، إذ ليس بالضّرورة أن يكون الشّاعر الذي يستلهم التصوّف في إنتاجيته الشّعرية متصوفا، كأدونيس والفيتوري وصلاح عبد الصبور وغيرهم، لأنّ الصّوفي ينتج بالضّرورة شعرا صوفيا، كابن الفارض والشّعر المنسوب إلى رابعة العدوية وبعض أشعار الأمير عبد القادر وغيرهم.

فالحالة الإبداعية ليست هي الحال الصوفي، بل هي مستوى من الخلق الفني الذي ينسج على منوال التّجربة الصوفية حالها المتسامي في مدارج السّلوك، والفائض بتجليات الوجد والعشق والمحبّة، وهكذا ما بين الحالة والحال يلتقي الإبداع بالتصوّف، ويقترب قلق المبدع من وله المتصوّف شغوفا بمدارج النص، حيث يرتقي مقامات الابتكار إلى أن يفيض بالكلمة الإحساس.

صلاح عبد الصبورولعلي أنحو في هذه القراءة منحى التصوّف كـ "مقاربة معرفية للعالم" حسب رؤية أدونيسية، ولعله ضمن هذا المنظور جاءت مسرحية صلاح عبد الصبور "مأساة الحلاّج"، المنجزة عبر طرائق الاحتكاك الشّعري بمآلات الألم الصوفي في محاولاته الدّؤوبة لإصلاح الذّات والعالم ضمن مسار التخلي والتحلي والتجلي ضمن فعالية رمزية تشكل معبرا بين التصوّف والحياة.

الدلالة الرّمزية في العنوان

ينتج عنوان المسرحية دلالاته الحركية على مستوى التلقي، حيث المأساة تكشف عن علاقة عضوية بين مطلب حياتي واقعي يواجه ردّة فعل سلبية، فـ "مأساة الحلاج" كموضوعة تنجز مستويات مفاهيمية تقف عند الحالة السياسية والثّقافية والعرفانية، والتي واجهها المجتمع العبّاسي عن طريق تصدّيه للغرابات الفكرية المنجزة طبقا لتجربة لم يعتادها العقل في تعاملاته المباشرة مع الواقع.

تجربة الحلاّج تستنسغ المعنى من كون تجليات لا عادية، ذلك إنّ التجربة الصّوفية مدار للدّهشة من حيث المقول والسّلوك، والدّلالة المختزنة في العنوان تمنحه شحنة تصدم القراءة من حيث التضاد البنيوي الذي تحمله، فالمأساة كحالة تشكّل موضوعة سلبية، بينما الحلاّج كتجربة موضوعة إيجابية، والتّناقض ينتج حالة صراعية تتأسّس عندما يصبح المتلقي طرفا يرفض مأساوية الحلاّج كقيمة منتجة لما يتوخّاه السّلوك في عبوره لجادّة الواقع والعالم، فتنتقل المأساة من هامش النص إلى هامش الحياه بمحمولها الإيجابي، حيث أطلقت شرارة التّفاعل بين القارئ والنص من جهة، وبين الدّاخل والخارج نصي من جهة أخرى.

ولعل قيمتي السلب والإيجاب المتاحتين في جملة العنوان، تتناطحان نصا وواقعا لتنتجا جمالية على مستوى تلقي العالم، حيث تتصارع فيه القيم مطلقة شرارة انقداح باطني يتفاعل مع الجمالي في إنتاج العالم طبقا لمواصفات المتخيّل المحايث للعالم، حيث ماهية الفكر والوجدان تبني جوهرها انطلاقا من تصوّرات قيمية متعارضة، وهو ما يحيل إلى إمكانية قراءة اتّجاه صلاح عبد الصبور في توظيف المسرح لمعالجة ظاهرة الحلاّج بدلا من الأشكال التّعبيرية الأخرى كالرّواية أو الشّعر، حيث المسرح يمنح الجسد بعدا حركيا متحرّرا، أي يجعل الجسد في علاقة مع مكوّناته النّفسية والعضوية التي تكشف عن حقائق مجهولة في مسار وجوديته العادية، وهو ما لمسه المسرحي العراقي جواد الأسدي في حالة الرّاحل سعد الله ونوس، "الذي حوّل المنصة ككتابة وكتأريخ فاعل إلى حالة اقتحامية، تشابكية، تصادمية بينه وبين ذاته من جهة وبين ذاته والعالم من جهة أخرى".

رمزية المدارج/فرح السّؤال

لا بدّ من طرح سؤال إبداعي جوهره صوفي، ما الدّاعي إلى ترتيب المدارج في عملية السّلوك الصّوفي، والإشارة إليها في مسلكية المقام؟

لعله لا يمكنني أن أصل إلى جوهر الإجابة عن هذا السّؤال، لأنّه يشكل جمالية خاصة بمنظور معرفي، حين يرتسم في أفق التّأويل والدّلالة النقديين والمتشابكين في عالم الرّمز، ومنه تنبثق محاولة فك رمز المدراج (ج/مدارج) وهو حالة العروج إلى أعلى، ومن هذه الحالة تتشكل المقامات التي هي نقيض المدارك.

والمدارج ترميز لحال الشّوق الكشفي، وبالتّالي فهي تعكس حالة إدهاشية من حيث انخراق الحجب والاطلاع على المخفي، ومن ثم يتجدّد سؤال الوجودية المقامية الطامح إلى المتعالي، وهي درجة من سرور الرّوح تعني طلب الأفراح المخفية في المقامات المتتالية بغية الوصول إلى الله عز وجل، كفرح نهائي مأمول.

ولهذا يتأسّس التّرميز الصوفي الدّال على الحال في توتّراته الدّائمة وقلقه المتواصل الذي يكثّفه "الورد"، جمع أوراد، في ما لا ينقطع عنه اللسان والجوارح من الذّكر الدّيني والمعرفي كعنصر يحقّق الحضور القاصر للصّوفي في المدى الأعلى للحضور الكامل، والخلوة كوضع اصطفائي يصطفي فيه الصّوفي ذاته ليحقّق نشوة الفناء في المحبوب والاستفراد به.

غلاف مسرحية مأساة الحلاجوالشّطح كتعبير عن شدّة الوجد، حيث "الشّطح لفظة مأخوذة من الحركة، لأنّها "حركة أسرار الواجدين إذا قويّ وجدهم، فعبّروا عن وجدهم بعبارة يستغرب سامعها"، كما يقول أبو نصر عبد الله بن على السرّاج الطوسي، والشّطح هنا بمعزل عن بعض عناصره الضّرورية كالاتحاد، ولزوم هاتف إلهي في داخل الصّوفي يدعوه للاتحاد، كونها دخيلة على التصوّف بمفهومه الإسلامي.

الشّطح بهذا المعنى بعيد عن ما يؤدّي في السّوريالية إلى ما تسمّيه "بالكتابة الآلية"، أي "أن يصل السّوريالي إلى مرحلة يصير هو والكون واحدا"، "تماما مثل الانخطاف حيث يصل الفرد إلى هذه المرحلة بتدخين الأفيون مثلا".

إنّ العناصر السّابقة الذكر والمؤسَّسة رمزا في مسار الصّوفي القلق والمتألم روحيا، كالورد والخلوة والشّطح، إنما تؤدي إلى حال الخطف، بمفهومه الانجذابي نحو مقام المنتهى، أو الأسرار الربّانية.

يشكل الرّمز من حيث العناصر المحدّدة على سبيل المثال وليس الحصر، المحقِّقة للخطف الصّوفي، دلالة تستوفي شروطها النصية من حيث تأديتها للمفهوم تأويلا، فالمجموعة تقول:

"المجموعة: خفنا. لا. لا.

لا يخشى الموت سوى الموتى

أنقذنا ما أوصانا به.

= الواعظ: أوصاكم به؟

= مجموعة الصوفية: كنا نلقاه بظهر السوق عطاشا فيروينا بماء الكلمات، جوعى فيطاعمنا من أثمار الحكمة، وينادمن بكؤوس الشوق إلى العرس النوراني." (المسرحية ص 12).

فالصّوفية أحياء وليسوا موتى حتى يخشوا الموت، وهم أحياء بذكر الحيّ الذي لا يموت، والتّرميز له "بماء الكلمات" يؤدّي مفهوم الحياة، والذّكر معرفي أيضا وهو ما يؤوّل عند الحد السّردي "جوعى فيطاعمنا من أثمار الحكمة".

تقارب المسرحية الخلوة بحركة تستثير كيانية تجاهد ذاتها كي تصل إلى مرفأ التّوائم لكن عبر تدافعية قاسية، يقول الحلاّج لصديقه الشبلي:

= هل تدري يا شيخي الطيّب لم نوّر ربي قلبك؟ (ص 20).

فعالم الرّوح عند المؤمن يبدأ من مسكنه الواحد والذي يخلو فيه، فكل قلب هو مسكن صاحبه أو بالمفهوم الصوفي خلوته، لأنّ ما يدور فيه لا يعلمه إلا الله وصاحبه، وبالتالي تنصبّ كل عمليات التّطهير على هذا الفضاء الخاص.

ومواجيد الصّوفي تنطلق من خصوصيته هذه، فهو يتخلى عن سابقيته الوجودية في القلب ويتحلى بمقام حاله في قلبه ومنه يتجلى، ولعلّ القلب في المفهوم الإسلامي مناط الصّلاح، انطلاقا من حديث الرّسول عليه الصلاة والسلام، المتعلق بالمضغة التي إن صلحت صلح الجسد، وعند هذا المفهوم يستقر البيان السّردي في جواب الشبلي عند موضوعة القلب:

= لا، يا حلاج إني أخشى أن أهبط للناس، قد أبسط أجفاني فوق الدنيا، فأرى، يسراها، فأتمنى النعمى واليسرى، وأرى عسراها، أتوقى العسرى، ويموت النّور بقلبي (ص 21)، فالقلب هو المقام الذي يحتفظ فيه الصّوفي بنقائه، ويتسار مع نفسه، لينقّيها.

والحد السّردي "إني أهبط" يؤدّي دلالة الخروج إلى الدّنيا، من مقام عليٍّ، وانطلاقا من القرينة السّردية "ويموت النّور بقلبي"، والنور القلبي مادّة الذات في فردانيتها، فالتصوّف تجربة فردية، وبالتالي تصبح خلوة الصّوفي في ظاهرها هي زاويته، لكنّها في باطنها هي قلبه مكمن النّور، والصّراع مع الذّات.

لذلك في حوار الشبلي مع الحلاج يتبيّن الصّراع بين العسرى واليسرى، والخروج من خلوة القلب إلى تشاركية الدّنيا يُذهب النّور منه، والإمكان المحتمل في فهم جواب الشبلي هو البحث عن الكينونة المستقلة داخل تشاركية تحترم خلوة الصّوفي في ذاته، فالحال خاص بحركة الصّوفي عبر مقامات السلوك، طبقا لجهاده الشّخصي لنفسه داخل معترك الحياة.

بعد الذّكر والخلوة يأتي الشّطح الصّوفي كمرحلة تتكلم بلسان الحال من حيث الوجد الشّديد الذي يتلبس كيانه، أي إنّه يصل إلى هذه الدّرجة "بإماتة الجسد بحيث لا يبقى في الإنسان إلا شفافيته التي تجعله يتّصل مباشرة بجوهر الكون" كما جاء في حوار مع أدونيس.

وعندما يموت الجسد تبقى الكلمات، تلك التي تنطلق من حال الوجد فتبدو مستغربة، والمسرحية تناولت هذا المنحى الوجودي في تجربة المتصوّف في معنى تقابلي بين الكلمات والجسد، والحياة والموت، في ما يمنح التّرميز قوّة في استبطان الشعور الصوفي بتجليه الدائم في قيمة الرّوح، التي تستمد ديمومتها من خلودها في الوعي الجمعي الإسلامي والإنساني، حيث ورد في المسرحية على لسان المجموعة التي هي جماعة طريق مثل الحلاّج:

= أحببنا كلماته أكثر مما أحببناه، فتركناه يموت كي تبقى الكلمات.

والكلمات ترمز إلى جوهر الكينونة التي تتجاوز الجسد إلى القيمة المتمثلة في المعنى، أو الأثر، حيث يستمدّ الصوفي معناه من مواجيده الموصلة إيّاه إلى تجلياته الكينوناتية.

الرّمز المسيحي أو روحانية المسعى

ترِد في المسرحية بعض الرّموز التي تتميّز بها الديانة المسيحية، مفرغَة من حمولاتها الإيديولوجية، أي توظيفها لتمرير الأفكار، ومن ثم ينبني سياق الحدث المسرحي طبقا لضرورات سردية تبحث في المعنى عن تجلياته الإنسانية، التي تمنح موضوعة التصوّف كمفهوم انقلابي يتجاوز بالذات من حال إلى حال، من خلال منظومة أدوات سلوكية تدمج المتصوّف في فضاء إنساني يروم الوصول في إطاره إلى مقام ينشغل فيه بالتّسامح، ومفعِّلا تواصله فيه بالمحبّة.

تُفتتح المسرحية بحوار بين التاجر والفلاح:

= التاجر: أنظر، ما ذا وضعوا في سكّتنا.

= الفلاح: شيخ مصلوب، ما أغرب ما نلقى اليوم (ص 6).

تأتي موضوعة الصّلب في معرض حركة الناس، التاجر والفلاح، وبالتالي تمنح المفهوم الدّيني المحصور في "الخلاص" توزّعه الإنساني، فالصلب في المسيحية يستدعي الآلام، أي تحمل السيّد المسيح عليه السلام الآلام عن الأتباع، وبالتّالي تشتغل المسرحية على معنى الخلاص في حركة الحلاّج.

ولعل الوظائف السّردية المتعلقة بالتاجر والفلاح تشكل فضاء الطبقات الباحثة عن الخلاص من ظلم ينطبق عليها بحكم بساطة وهشاشة موقفها المجتمعي، وهو يحرّر الرّمز المسيحي من حمولاته الدّينية، حيث يمثل الحلاج القيمة الرّمزية المعطاة كدلالة على انخراط اجتماعي يستحضر آلام الجماعة الاجتماعية.

في المنظر الثالث من المسرحية يلتقي في ساحة بغداد التاجر والفلاح والأحدب والأعرج، يتداولون حديثا يدور في مجمله حول الثوب اللاصوفي والخرقة الصوفية التي هي رمز "الانخلاع عن الدنيا والفناء في الجماعة الصّوفية"، وبما أنّ الخرقة رمز للزّهد في تضاده مع الثّوب الذي يقدّم مواصفات الزّينة، فإنّ الإشكال الرّمزي الذي ينطرح هو في مدى مساهمة الخرقة في عدم إحداث الانفصال بين الزّهد في الدّنيا ومقاومة الظلم، يقول أحد الشّخوص:

= "هل تمنعنا الخرقة أن نأبه للظلم وأن نثبت للظالم وأن ندفع كيد الشر عن أحبابنا الضّعفاء" (ص 41).

تتحوّل الدّلالة في الثّوب والخرقة من مجرّد أدوات للانتماء والزّينة، إلى مفاعيل تمييزية ترتّب فيه الخِرقة المحمول الصوفي على الانحياز للضعفاء في كبدهم اليومي من أجل تحقيق وجوديتهم، وبالتالي يصبح مفهوم الخلاص متضمّنا في معنى الخرقة، كونها تحقّق الانتماء الفاعل في دائرة المصلوب بما يعكس مفهوم الصلب في تحمل الآلام عن الغير، بما يرتّب معنى الفداء في تساؤل أحد الصوفية في المسرحية في المنظر الثالث:

= لكن هل أخذوه من أجل حديث الحب؟ لا، بل أخذوه من اجل حديث القحط، أخذوه من أجلكموا أنتم، من اجل الفقراء المرضى" (ص 50).

فالتوظيف الرّمزي للفداء يتحقّق من خلال القبض على الحلاّج من أجل الفقراء، وبالتالي يخرج الفداء من الدّلالة الدّينية التي استعان بها السّرد لاستخلاص المفهوم، إلى الدلالة الاجتماعية، حيث يتحقّق المستوى الإيحائي في معنى الفقراء.

يسود هذه المسرحية موقف اقتحامي على أساس أن الحلاج ينقذف بوجدان الرّائي في عمق الرّوح لكن بحسّ الموجود في وجود كدحي يشترط حركة الجسد كتعبير عن انوجاد تفاعلي، ولهذا تتدرّج محاكمة الحلاج من السياسي إلى العقدي، لأنّ الوجود الاجتماعي للحلاج كان يثير إشكالات احتجاجية عادلة، ولمّا كان ذلك يتم عبر تشوّفات الحال الصوفي، انعقد الأمر على الإدانة في ما يتعلق بالعقدي والتأسّيس لزندقته قضائيا بما سيفضي إليه مآل الحال من قتله.

يلعب الجسد دور الفاعل في ثورة الحلاج على ذاته، لأنّه يسعى إلى إفناء الجسد في سبيل أن يدرك المدارج التي تتوافق وطبيعة الباطن، لهذا تتميّز وجوديته بنضالية ذات خصوصية، فهو يجتهد فيها بترتيب الجسد كفاعل في خضم اشتغاله الصوفي الذي يتخلى فيه المريد ليتحلى كي يصل فيتجلى. والتخلي مرحلة تتم فيها إذابة الجسد بكثرة العبادة التي يعتبر محلا ظاهرا لها، كي تعاد صياغته وفق معطيات الباطن،

ولعل المسرحية فنّدت وجودية الخلوة الصّوفية الاعتزالية بإقحام عنصر السّجن الذي تتوفر فيه العزلة التأملية في مسار الذّات وحركتها في الواقع، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تتأسّس فيه العلاقات البينية التي تجذب النّزلاء بعضهم إلى بعض طبقا للضّرورة الاجتماعية، في جدلية الظالم والمظلوم، وبالتالي تكون المسرحية قد مسحت البعد الاجتماعي على التصوّف، وقد يكون لعناصر تكوِّن شخصية صلاح عبد الصبور الثقافية تأثير على الإنتحاء بالتصوّف صوب الجانب الاجتماعي، حيث بدأ اشتراكيا واقعيا، ثم تحوّل إلى الوجودية، حيث طغيان السّؤال الجوهري للكينونة، واكتشاف مأساة الوجود الإنساني لديه، وهو ما قد يفسّر جمعه بين موضوعتي التصوّف والعدالة الاجتماعية، فالانفصال عن الواقع كتعبير عن التأزّم الوجودي، وهو ما يؤوّل في موضوعة السّجن، جسّده في ديوانه "أحلام الفارس القديم"، الذي يرى فيه بعض النقاد اختفاء "الجانب الوعظي ليفسح المجال فيه إلى نمط من التفكير المأساوي في المعنى الأسيان للحياة".

= = = = =

الهوامش

=1= حوار مع أدونيس، صقر أبو فخر، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت/عمان، ط/1، 2000، ص102.

=2= د. عبد الحميد هيمة، علامات في الإبداع الجزائري، رابطة أهل القلم، سطيف/الجزائر، ط/2، 2006، ص30.

=3= جواد الأسدي، الموت نصا، دار الفارابي، بيروت، ط/1، 1999، ص57.

=4= د. عبد الرحمان بدوي، شطحات الصوفية، وكالة المطبوعات، الكويت، ط/3، 1978، ص10.

=5= مصدر سبق ذكره، حوار مع أدونيس، ص103.

=6= المصدر السابق، ص103.

=7= المصدر السابق، ص 103.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3258609

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC