زهرة زيراوي - المغرب

جين آيير: كتاب ماثل بالذاكرة

زهرة زيراويما الكتاب الذي قرأته وما يزال ماثلا بذاكرتي؟ يدفع بي السؤال إلى ركام من العناوين والأسماء: أحجار على رقعة شطرنج؛ عند الساعة الخامسة والعشرين؛ الإخوة كرامازوف؛ وداعا أيها السلاح؛ المخطوط القرمزي لأنطونيو غالا الذي يستحضر زمن الأندلس؛ "جين آيير " (Jane Eyre) للكاتبة الإنجليزية شارلوت برونتي (Charlotte Brontë).

استبد هذا العنوان الأخير بذاكرتي وأعاد إلي فصولا منها. الذي يلفت النظر أولا هو أن شارلوت برونتي تلغي المسافة بينها وبين القارئ منذ البدء. في جين آيير لا يوجد الراوي؛ توجد جين آيير إلى جانبك. تهمس لك في ركن قصي من حجرة أسدلت السدل على نوافذها لتوغل بك في المنعطفات السرية العميقة للمشاعر الإنسانية.

تسألك من حين لآخر: هل تسمعني أيها القارئ؟ وقد ترفع هذه السدل ليغمر الغرفة التي تجلسان بها شعاع الشمس، أو حقيقة العالم الخارجي. تسألك من حين لآخر: هل تعرف ماذا حدث بعد؟

اعلم أيها القارئ، أو أدعوك أيها القارئ: نداء يجعلك مضطرا أن تقاسمها الحال، والرأي في القيم والأوضاع الاجتماعية، وتطوف بك كل دروب الحياة من حب وحقد وخير وشر دون أن تشعر بالملل.

تجعلك ترى كيف يقف العبيد في حضرة سيدهم الصغير متواطئين ضد أنفسهم، وكأن هؤلاء السادة قد بنوا داخل هؤلاء العبيد قوة إمبراطوريتهم، فكانوا يخافون أن يهمسوا بالحقيقة، أو ينتصرون لها حتى وهم مع أنفسهم.

ويبين هذا الحوار الذي يجري بين طفلين متباينين طبقيا ما ترمي إليه الكاتبة:

= "ماذا تريد؟"

= "قولي: ماذا تريد يا سيدي. يا مستر ريد".

توعدني ولم أجد من يدرأ وعيده عني، إذ أن الخدم لم يشاؤوا أن يغضبوا سيدهم الصغير.

أصدرت صاحبة القصر أوامرها:

= احملاها إلى الحجرة الحمراء، في الطابق الآخر من القصر، وأغلقا عليها الباب بالمفتاح.

قالت الخادمة بيس:

ينبغي أن تعلمي يا جين آيير أنك مدينة لمسز ريد.

وقالت الخادمة آبوت:

= لسوف يعاقبك الله. قد يهبط إليك شر هذه الليلة من المدخنة ويحملك بعيدا عن هنا".

من هذا التقابل الصارخ بين السادة والعبيد تنقلك إلى صورتين أخريين يعكسان مفهوم الدين.

إن الراهب أو رجل الدين هنا يواجه طفلة عمرها عشرة أعوام. شكتها له صاحبة القصر مسز ريد ليأخذ عقابها الشكل الشرعي، ورجل الدين هنا عوض أن يوجه أسئلته لصاحبة القصر التي عهد إليها بتربية طفلة لا يتعدى عمرها عشر سنوات، نراه يوجه أسئلته المبطنة بالإدانة المسبقة للطفلة:

= "أتصلين في المساء والصباح؟"

= "أجل يا سيدي".

= "هل تطالعين الإنجيل؟"

= "إنني أحب سفر الرؤيا، وكتاب دانيال، وقصتي أيوب ويونان".

= "والمزامير؟"

= "كلا يا سيدي، فليس في المزامير ما يشوق الإنسان أو يدفعه إلى قراءتها".

= "يجب أن تدعي الله تعالى أن يمنحك قلبا جديدا نظيفا بدلا من قلبك الشرير. أتعرفين أين يذهب الأشقياء بعد الموت؟"

= "إلى الجحيم يا سيدي".

= "وماذا يجدر بك أن تفعليه اتقاء لهذا العذاب؟"

= "يجب أن أحافظ على صحتي لكي لا يهلكني الجحيم".

شارلوت برونتي مفتونة بهذا التضاد، بحقيقة ما يجري في الحياة، فها هي جين آيير في ميتم يؤمه الأطفال الذين لا ظهر لهم تسأل صديقتها هيلين عن انطباعها عن طرائق التعليم:

= "هل تشرد أفكارك أثناء درس مس تمبل؟"

= "كلا. بالتأكيد لا تشرد كثيرا لأن المادة التي تلقيها هي في الغالب الشيء الذي أتوق إليه، أريد أن أحصله".

ثم تضع مس تمبل في مواجهة الخط النقيض حيث بؤرة الواقع الحقيقي للوجود البشري، دعنا نصغي إلى هيلين وهي تحكي لجين آيير قصتها مع معلمة أخرى.

"كانت أمتعتي غير منسقة، وكنت أنوي ترتيبها، ولكنني نسيت، وفي الصباح التالي كتبت مس سكاتشريد كلمة "مهملة" على قطعة من الورق المقوى ولفتها حول جبيني وظللت أرتديها حتى المساء كعقاب أستحقه. لقد قابلت بصبر تأنيبها الحاد لي في الفصل".

تعلق جين آيير:

"ومع ذلك فقد كان وجود مس تمبل سببا في أن تستيقظ المواهب الفريدة والمخبوءة في هيلين".

ثم ها هي شارلوت برونتي تتنقل بنا عبر تضاد آخر للأمكنة هذه المرة:

"كانت لوود تقع في واد منخفض تحف به غابة، وكان المنخفض مهدا للضباب، حيث يرتفع فيه الوباء وينمو، ولذا زحف التيفوس على المدرسة وتفشى في عنابر النوم المزدحمة، ورحلت كثيرات ممن اشتدت بهن وطأة الداء إلى بيوتهن، ومات البعض في المدرسة فدفن في صمت وعجلة".

ننتبه إلى استعمالها للفظين: دفن في صمت وعجلة. الصمت الهدوء، والعجلة الحركة السريعة التي بها من الجبلة ما بها، أية قوة وأي إيقاع حقيقي تعطيه شارلوت لما يجري في الجانب الآخر.

ينبغي أن نتوقف قليلا لنفهم ما ترمي إليه عبر هذا التضاد اللغوي، إيقاع الصمت وإيقاع العجلة، ومع ذلك مع ما يحمله هذا المكان من شظف عيش ومن وباء، ومن موت. نجدها تعترف بأنها تفضل هذه البقعة من الأرض التي ينتشر فيها المرض والموت لأن فيها أناس يحبونها، فيها صديقتها هيلين التي تقرأ معها في نفس الصف، وفيها أيضا المعلمة مس تمبل. يتضح ذلك من قولها:

"بت أفضل العيش في لوود بكل ما فيها من حرمان، على الحياة في قصر جيتسهيد بكل ما فيه من ترف ونعيم ورفاهية".

وحدثتنا في فصل سابق عن معاناة طفلة لا تتعدى العاشرة من عمرها في قصر لوود.

"لقد حبسوني في حجرة مسكونة إلى ما بعد الغروب. ولقد كان من القسوة أن أحبس وحدي بها، دون شمعة تبدد ظلام الغرفة، إنها قسوة بالغة، لن أنساها قط. وداعا يا جيتسهيد".

فمع شارلوت برونتي يصبح القانون الذي يحكم الأمكنة هو الذكريات، وتصبح الأحداث المتباينة هي القانون الذي يحكم الزمن. إن حدي هذا القانون الزمكاني يتضح في توزيع الصفحات، والكلمات على صفحات الرواية.

صدرت ترجمة "جين آيير" إلى العربية عن دار القلم ببيروت عام 1970، وتقع بين دفتي كتاب عدد صفحاته 712 صفحة، كل صفحة تشتمل تقريبا على 360 كلمة. وبنظرة إجمالية يمكن أن نقول إن مجموع الكلمات تقريبا 75000 كلمة، وقد وزعت على الشكل التالي:

10800 كلمة تقريبا تعكس السنوات العشر الأولى من حياة الطفلة جين آيير. 1800 كلمة لثماني سنوات المراهقة. 62000 كلمة تكاد تكون لثماني سنوات الشباب. إنه تقابل آخر بين فترات العمر، بين أحداثه.

إن سنوات فترة المراهقة وما أورث زمن المراهقة شح اللغة (1800 كلمة) هو شح الأحداث، لقد ماتت هيلين ورحلت مس تمبل، وتمضي الأيام الآن على وتيرة واحدة. إنها الآن أيام مكرورة معادة تدور على خط حلزوني. بوعي تفعل ذلك شارلوت، ها هي البطلة جين آيير تعلن ذلك :

"لقد سجلت بالتفصيل حتى الآن أحداث وجودي، ولكن هذا لا يعد سيرة منتظمة فسوف أجتاز الآن في صمت فترة مداها ثماني سنوات".

إن هذه الثماني سنوات كلها، وهذا الصمت. وهذا الاجتياز العابر لزمن "مطوي"، لا تمنحه شارلوت برونتي أكثر من ألف وثمنمئة كلمة لأيام مسطحة بلا عناوين، ينتهي هذا الصمت بآهة يعقبها رجاء:

"لقد استعبدتهن الثمان سنوات، أما الآن فإني أرغب في أن أستعبد في مكان آخر".

وهي ترجو التغيير، تدرك أن للذات البشرية قانونها الخاص، فالتغيير لا يأتيها من خارجها، إنه منها هي بالذات، تدرك ذلك عندما يستقر بصرها على القمم الزرقاء لمنطقة لوود. إنها تتوق لأن تتسلقها، فتكون القمم بمثابة محرض لها، فتهجس ذاتها لذاتها:

= "عليك أنت أن تتحركي يا جين".

وهذا أيضا تقابل أو تضاد آخر، إنها الذات المستسلمة في مواجهة الذات الرافضة لأي استعباد كان في أي مكان كان.

نعود إلى فضاء الكلمات وتعدداها حسب ما تحياه جين آيير لنجد أن شارلوت برونتي قد رصدت بل اختارت اثنين وستين ألف كلمة تراوح بين العنف والهدوء والضعف والقوة للتعبير عن حياة حافلة بالحب والتشرد والجوع، وأهم أضلاع هذا المثلث تجربة الحب الذي ستعرفها جين آيير مع إدوارد روشستر.

هذا الحب الذي سينقذ كل أبطال الرواية، ينقذهم من الخوف والمرض، ويصبح حاسة سادسة لهم.

إن الرواية لا تنهيها شارلوت بجرة قلم مفتعلة، أو ضربة فرشاة طائشة، إننا نرى في الأخير الحبيبين قد طالت بهما الأرض وامتدت، وإن جين ستباعد قوانين وأوضاع اجتماعية بينها وبين إدوار روشستر ليلة عرسهما، فترحل إلى قرية نائية، وتكاد تنخرط في صفوف المشردين وتكاد تقدم على الارتباط براهب شاب، فيرحلان معا إلى الهند بعيدا عن إنجلترا ليقوما بدورهما التبشيري، في هذه الأثناء ستسمع هاتفا يناديها:

"جين. جين. جين".

فصاحت:

= "إنني قادمة. انتظرني إدوارد".

وتعود إلى ثورنفليد لتلتقي بإدوارد بعد غياب طويل وتخبر القارئ كأنها تجلس بقربه تحكي له ما حدث:

"تزوجته أيها القارئ، لقد أخبرني إدوارد متسائلا:

= ألم يحن الأوان لكي أذوق طعم السعادة والطمأنينة؟ مرة أخرى هتف لساني بما كان قلبي يهفو إليه، فرددت شفتاي اسمك: جين، جين، جين.

أجابني صوت أعرفه جيدا، لا أدري من أين انبعث قائلا:

= إنني قادمة انتظرني
ولن ترى ذلك متطفلا على النص، أو فيه كلفة "ما " إنه همس ودي يجري بين جين والقارئ الذي ما تلبث أن تخبره:

= وتزوجته أيها القارئ".

والحب لا يقف عند دفع روح باتجاه روح بل إننا نجده منقذا ساعة الموت، فالسيدة التي تعهدت بتربية جين وخانت هذا العهد عندما سيتحرك قلبها باتجاه تلك الطفلة جين سيصحو تبعا لذلك ضميرها وستعترف لها:

لقد أخطأت في حقك مرتين، أولاهما أندم عليه الآن، إذ أنني نكثت بالعهد الذي قطعته على نفسي بأن أربيك كابنتي، وثانيهما... وسكتت ثم راحت تهذي:

على كل ليس لهذا الأمر أهمية ربما أشفى فأشعر أنني أذللت نفسي لها، فأتألم.

حاولت أن تنقلب على الجنب الآخر، ولكن محاولتها باءت بالفشل ومن ثم تبدلت أساريرها، ولم تلبث أن قالت:

= يجب أن أتغلب على ذلك لأن العالم الآخر الآن أمامي.

إننا أمام ثنائية أخرى هنا، أمام ملتقى الحياة بالموت، إنهما يواجهان بعضهما بعضا، أمام مواجهة الخير بالشر، وأمام مواجهة القوة بالضعف، وأمام الانصياع لأهواء النفس، ورفض الانصياع، وذلك بالانتصار للفضيلة، وهنا يكمن انتصار الحياة وهي تواجه الموت.

وأنا أنهي قراءة جين آيير سمعت سؤالا يطرقني:

= هل تمنيت أن تكوني أنت صاحبة هذا العمل؟

قلت: "لا، قطعا لا. ذلك لأن جين آيير نتاج عصر آخر. إن اسمها شارلوت وأنا اسمي زهرة. لأكتب جين آيير ينبغي أن أوجد في القرن التاسع عشر، في التيارات السائدة، في أنماط الحياة لتلك الفترة، غير أني لا أنكر أنها فتحت عيني على عوالم الرواية، أن تكون شاهدا على العصر أن تكون ضمير الأمة وأن تحلق في ملتقى الأزمنة وأن وتسافر في أطراف الأرض للمقارنة بين هنا وهناك.

قد تتفاوت بين عصري وعصرها أنماط الحياة، ونسبة الخير والشر، والفرح والألم، غير أن ما أحفظه لها من جميل هو أنها أخذت الحياة هي وكما هي بتضاداتها، فهي عندما تستحضر الخير تقابله بالشر، وعندما تصور مكانا قفرا تضع قبالته خميلة تسكنها طيور غناء وعندما تجلسك لرجل دين تجعلك تحس بأنك لست في حضرة قيم دينية حقيقية، بل أنت فقط أمام أوضاع اجتماعية يحافظ عليها رجل الدين، وأن هذه الأوضاع تتغير تبعا للمصالح، والأشخاص، وأننا مجرد مدافعين (حتى رجال الكنيسة) عن أوضاع اجتماعية وليس عن العبيد، أو عن الحقائق المطلقة.

والسؤال الذي يواجهني هو: من منهما كتب الآخر؟ هل شارلوت برونتي هي التي كتبت "جين آيير" أم أن الحياة في جسد "جين آيير" هي التي كانت تكتب شارلوت برونتي؟

غلاف جين آيير


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3258609

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC