هدى أبو غنيمة - الأردن

الهديل + لجوء حضاري

هدى أبو غنيمةالهديل

يذكرني هديل الحمام بقصيدة الفيلسوف ابن سينا وهو يصف النفس وحنين الروح إلى موطنها:

هبطت إليك من المحل الأرفع - - - ورقاء ذات تعزز وتمنع

محجوبة عن كل مقلة ناظر - - - وهي التي سفرت ولم تتبرقع

اعتدت على سماع هديلها، وكلما هممت بفتح نافذتي لألمسها خفقت بجناحيها وطارت مثل ذكرى أيام وادعة، تومض في البال في لحظة سكينة يختلسها المرء في زمن القلق، أو فكرة تحوم كفراشة جميلة ما إن نحاول التقاطها حتى تذهب بعيدا.

نسيت أمر تلك الحمامة البيضاء في غمرة الأعباء اليومية، ولم أعد أسمعها حتى عادت ذات صباح، فقررت أن أرقبها من وراء الزجاج. التقت عيناي بعينيها، شيء ما غريب استدعى إلى ذهني هديل، صديقتي الراحلة، وخلت أني أسمع صوتها وهي تردد: "روحي حبيسة جسدي؛ أتوق إلى الانطلاق كحمامة تحلق في كل الآفاق".

التقيتها مع صديقات المرحلة الثانوية في زهوة العمر، وزهوة المد الثوري في وطننا حلمنا بالتحرر والسيادة الوطنية، وتبادلنا دواوين الشعر، وتنافسنا في اقتناء الكتب والروايات، وأضأنا ليالي حالكات بأقمار طموحاتنا، ونجوم أحلامنا.

كانت أقرب صديقاتي إلى نفسي رغم اختلاف تخصصنا في الجامعة، ثم طوحت أقدارنا بنا في دروب الحياة ولم تتح لنا للتواصل سوى أطياف مرحلة بهيجة كنا نختلس ذكرياتها بين فينة وأخرى.

كونا أسرا وأصبحنا أمهات. وجدت نفسها في أجواء مادية استهلاكية لا يتميز فيها المرء، إلا بقدر ما ينفق أو يخسر من إنسانيته وشفافيته.

التهمت تلك الأجواء طموحاتها وتآكلت قدراتها، وهي الفنانة المبدعة في التصميم ومزج الألوان. فرضت عليها تلك الأجواء دور الدمية، فأعلنت احتجاجها بالانسحاب إلى عالمها الخاص واختارت العزلة، لكنها لم تنج من الاكتئاب وازداد وزنها بشكل ملحوظ ولم تفلح عمليات التجميل المتتابعة من إخفاء آثاره مما أضعف مقاومتها للمرض وكم سمعتها تردد: "روحي حبيسة جسدي؛ كم أتوق إلى الانعتاق من أسره".

كم مرة قلت لها: "اقبلي نفسك كما أنت، واستثمري موهبتك الفذة في تصميم الأزياء ومزج الألوان لتكوني نموذجا متميزا لسيدات كثيرات يعانين من زيادة الوزن. ستنجحين، ولعل نجاحك يحقق ما عجزت كل محاولات التجميل وإنقاص الوزن عن تحقيقه لك".

حمامةقتلها سأم الروح قبل أن يقتلها سقم الجسد، وفقدت لذات الحياة ولذات التمني. في اليومين الأخيرين قبيل رحيلها، فوجئت والدتها برغبتها في الخروج إلى الشرفة ولم تكن قادرة على السير، ولكنها أصرت قائلة إنها تريد رؤية الحمامة البيضاء التي سمعت هديلها، فساعدتها الأم على السير.

كان الأفق ملونا بحمرة الشفق ولم يكن هناك أثر لطائر. ذهلت الأم من إصرار هديل على وجود الحمامة واعتبرت أن الأمر هذيان، لكنني صدقتها. ولعلها رأت الحمامة حقا، لأنها صورة روحها التي آن أوان انعتاقها من أسر الجسد إلى عالم لا قيود فيه ولا حدود له.

= = = = =

لجوء حضاري

تألقت الغابة المواجهة للشرفة بخضرتها الداكنة، والشمس ترشف الندى، فهتفت وعيناي تغتسلان بخضرتها من مشاهد الدمار، والدماء الحرام المسالة على الهوية في بلادي: يا رب، هل سماء هذه البلاد مختلفة عن سمائنا؟ هل هذه الأرض في كوكب آخر بعيد عن الكوكب الذي نعيش عليه جميعا؟

تحلق أحبتي حولي قائلين: دعك من هموم السياسة، واستمتعي بالتواصل مع الطبيعة وكائناتها. قلت: طبيعة بلادنا أكثر إيناسا. أحن إلى أنس الناس في وطني في هذه البلاد وحشة!

= هذا إسقاط نفسي! ألا تؤنسك هذه الغزلان الوادعة؟ ألا يسليك مشهد السناجب الخفيفة الظل، وطيور الكاردينال الحمراء، وهي تلتقط رزقها وتروي عطشها من الأواني المعلقة على الشرفات؟

نظرت إليهم عاتبة، وأنا أردد مقطعا من أغنية لفيروز:

فزعانة يا قلبي،

إكبر بها لغربة

وما تعرفني بلادي

خذني على بلادي

مرت برهة صمت دامع شفيف

= لم تعد بلادنا تعرفنا منذ أن ضاعت أحلامنا في حياة حرة كريمة. لم نختر العيش هنا لأننا لا نحب وطننا، بل لأننا لم نجد فيه موطئ قدم لكرامتنا الإنسانية. وكلما أرقنا الحنين للعودة إليها تعثرنا بواقعها المرير وآفاقها المسدودة.

قلت: أسمي موقفكم هزيمة حضارية.

= بل سمه لجوءا حضاريا، فقد سئمنا أجواء القمع والاستبداد والاستهانة بكرامة الإنسان وعطائه وتجاوز القانون والفوضى.

هنا نتنسم هواء الحرية. وقلت: أية حرية؟ لم يعد أحد حرا بعد ثورة الاتصالات.

إنهم يخترقون خصوصية البعيد والقريب، ورمز الحرية القابع على مدخل نيو يورك أصبح متآكلا بتأثير عوامل التعرية السياسية!

= أتنكرين اتساع آفاق المعرفة، وسهولة الحصول عليها بفضل تقنيات الاتصال؟

نحن نتعلم وننتج ونبدع، ونبث روحنا فيما ننتج مساهمين في بناء الحضارة الإنسانية، ونلقى الإعجاب والتقدير. آفاق العلم والفن أوسع من أفق السياسة، والحضور في عالم اليوم لقوة المعرفة والإنتاج.

قلت والشمس ذات الشمس تؤذن بالرحيل إلى الشرق: ليت للمعرفة لغة بلادي!


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3226064

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC