زهرة يبرم - الجزائر

سر الرابية

هذه القصة مستوحاة من قصيدة "رسالة شيخ فلاح إلى ابنه الطالب" للشاعر الجزائري محمد الأخضر السائحي.

هناك بعيدا يا ولدي، على الربوة العالية تجثم قمة حرة شامخة، تداعب النسمات العليلة جوها، وتقبلها الشمس عند الطلوع وتمعن في لثم أطرافها النائية. وبالليل يسطع فوقها البدر، يتوسط قلب السماء، يرتقب التفاف النجوم حوله فتتجلل الربوة بالضياء وتبدو دانية على بعدها.

تحيط بها الجبال الشامخات الرواسي، ترنو إليها بتعال كأنها لم تكن مثلها راسية. ينبطح السهل تحتها مزهوا بكل المناظر الخلابة، من زروع وأزهار، والمراعي تحضن قطعانا من شتى أنواع الأنعام.

على تلك الربوة يا ولدي، وقفنا طويلا أنا وأمك نراجع أياما مضت من عمرنا، نستذكر عهدا قضيناه حول ذاك المكان، وننظر إلى ما تبقى من آثاره.

نسأل صخورها صخرة صخرة، وترابها ذرة ذرة عن سر لا يدري به سواها.

في ليلة من ليالي الشتاء المظلمة، تسللت في الدجى إلى تلك الرابية أحاذر بعض العيون. على سفحها بين الصخور سقط أخوك شهيدا يا ولدي. اصطاده الرصاص الفرنسي الحاقد الغادر. تحسست في عتمة الليل جسده، وهويت عليه ألثمه وسط الدماء، فقد كنت طوال عمري فخور به، وقد زادتني شهادته به فخرا.

واريته الثرى فوق القمة، كالنسر، فقبور النسور هناك فوق السفوح.

دفنته وعدت إلى أمه سعيدا، أحدثها ضاحكا متفائلا مسرورا عن أحلام الغد التي سوف تتحقق، عن مغتصب الأرض الذي سوف يرحل، عن العهد الجديد الذي سنملك فيه هذه الضياع وهذه الحقول، بما عليها من دور وقصور، وقمح وشعير، وأشجار زيتون وتفاح، وكروم وعيون. عن أرض الأجداد التي إلينا سوف تعود.

الأرض مثل العروس، فكما نبذل للعروس مهرا لنحظى بها، ندفع للأرض ثمنا لحريتها، وهذا الثمن من أرواحنا ودمائنا وأبنائنا و...

كانت أمك حينها تغزل الصوف، فرمت بمغزلها جانبا، وكادت أن تنهارَ وتخور عزيمتها، وبحدس الأم صاحت: "أمات علي؟" فقلت: "سيحيا علي بمر الدهور".

تجلدت وردت حزنها إلى صدرها، وليس مثل الصدور لكتم الأحزان. ضربت كفا على كف وقالت بغصة تخنق صوتها: "انتهينا نحن كذلك بموت علي. ألم يعد بيتنا قبرا، ونفوسنا قبورا؟"

وفي لحظة تذكرت كل شيء يا بني، كل ذكرياتي مع أمك. تذكرت كيف التقينا أول مرة، وكيف عشنا معا سنين على الحلوة والمرة. تذكرت كيف تبيت الليالي ساهرة مع غزلها ونسيجها كي لا نعرى ولا نبرد. أما النهار فتقضيه معي في الحقول تعينني على لقمة العيش من أجل أن نشبع. وككل الناس نبذر الأرض أو نجني المحاصيل بأجر زهيد. تشاطرني عملي في الحياة، ومن كثرة حرصها تأبى أن نقنع.

كم سهرت أمك الليالي عند رأسي تناجي فتاها الذي ثكلته، تصلي وتدعو الله أن يطيل عمره ليصبح أروع فتى. تأمل أن يصير ساعدي الأيمن، يساعدني في كفاحي الطويل ويغشى معي الحقل أو المصنع.

كان مغزلها لا يهدأ راقصا بين يديها بينما مقلتاها تذرفان الدموع وهي خاشعة في الدعاء. كم كان قلبي يسعد لما أسمعه من مناجاتها لطفلي! ولما يدنو طلوع الفجر، توقظني من غفوتي بحنان وهمس لأبدأ كفاحي اليومي من أجل ما يسد الرمق ويحافظ على بقاء الروح فينا.

كنتَ بني يومئذ صغيرا لا تعي كل هذه الأحداث، فسنك لم تبلغ العاشرة حين استشهد أخوك علي. لما كنتَ تحدث أمك عنه، كانت تضحك ضحكة ساخرة تغلف بها نشيجا بداخلها، فتبدو شهقة روحها سافرة مكشوفة. وتهمس: ما عشتُ إن لم أكن مثله، إن لم أعش أو أمت ثائرة.

وسرنا معا، أنا وهي، على درب الكفاح نصارع جور الأقدار. كانت أمك دوما واقفة ورائي تدور معي أينما أدور. أما جلادنا فلا يحط سوطه، كان رافعه على الدوام استعدادا لجلدنا وهو يغني على دموعنا الطافرة. في النهار تطاردنا أعينه، وفي الدجى تبيت ساهرة فوقنا لا تغفل عنا.

عشنا أيامنا مرة كالعلقم، وأمك صابرة معي قانعة بقسمتها في الدنيا، ترفع طرفها للسماء وتخفضه حامدة شاكرة.

سرنا على الدرب فوق القتاد فطال بنا المسير وطال بنا المدى. وأتيت أنت على يأسنا. كبرت وأصبحت مثل الشهيد قويا تنازل أشد الأعداء، فرددت الصدى في خافقينا، وعمرت فراغا بين حنايانا.

وعاد علي كأنه لم يمت، ومن ترك الأخ لن يفتقد. إن أقبلت نراه بوجهك، وإن تكلمت نسمعه بصوتك.

وفي ختام المطاف نلنا أمانينا وصرتُ سيدا على أرضي. صارت غلال الحقول لنا وحدنا لا ولن يشاركنا في الحصاد أحد أبدا. ألم نسق الأرض عرقا نازفا يكاد يجمد على القلب؟ ودما غزيرا جرى عليها كالأودية؟ لكن أمك لم تنس عليا، فثاكلة الابن لن تعرف السعادة. ترى دمه يصبغ كل الأشياء من حولها، وترى طيفه باديا في كل مكان.

مزرعةبني! أنا الآن أملك هذه الضيعة الشاسعة المسيجة بسور، وعلى مدخلها اسم أخيك الشهيد. ما زلت كما كنت في الماضي أعمل في الأرض طول النهار بكد وجد، ولكنني اليوم سعيد لأن الأرض ملكي. تغيرت نظرتي للحياة ولكل ما هو حولي في هذا الوجود، لكأني خلقت في هذا المكان من جديد.

أعانق هذه الأشجار من سروري واحدة واحدة، وأهفو بروحي إلى أغصانها وهي تميد مع هبوب النسيم. ألم تعد الآن ملكي أنا؟ ألم تعد ملك أخي؟ ألم تعد ملك شعبي المجيد؟ والأرض سنحرثها شبرا شبرا ونصنع فيها ما نريد.

سر في طريقك يا بني، طريق طلب العلم، وإنا هنا في نعمة من الله ليس لها نظير. عندما تلقاك أمك بعد النجاح ستنسى أساها، سيكون من الماضي البعيد.

إذا أصابنا قلق عابر سنضحك ملء قلبينا، سنترك عنا كل المشاعر البليدة ونطوف بضيعتنا قانعين، أو لا تحمل اسم أخيك الشهيد؟


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3201865

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC