إدريس كثير - المغرب

سوء تفاهم: تحليل أدبي فلسفي

يمكن لـ "سوء تفاهم" كمفهوم أن يخترق عدة مجالات مختلفة، كالمجال السياسي كما كتاب فرنسي بعنوان "سوء تفاهم تراجيدي بين دوغول والجزائر"، لمؤلفيه جاك بوميل وفرانسوا ديلفا، وعنوان كتاب آخر هو "محمد السادس وسوء التفاهم الكبير" لعلي عمار. ويكمن أن يخترق المجال الأدبي الفني، وأن يعتمل داخل المجال المسرحي (البير كامي) والمجال الفلسفي (نيتشه).


=1=

"سوء تفاهم" مسرحية لألبير كامي [1] تتكون من ثلاث لوحات، وعدة مشاهد، تحكي قصة بسيطة لأم وفتاتها يمتلكان فندقا صغيرا لكنه نظيف وأنيق، دفعتهما ظروف العيش القاسية والآفاق المتكررة المملة إلى حبك خطة لاغتيال نزلاء الفندق وسلبهم أموالهم بتواطؤ مع الخادم الكهل الصموت. تقتضي الخطة تخدير الضحية ثم رميها في الوادي حتى تظهر جثتها خامدة هامدة فيما بعد في السد.

للأم ولد هاجر منذ صغره إلى بلاد بعيدة فيها البحار والشموس الحارقة وفيها إمكانية جمع المال. صدفة (عبثية) جعلته يقرر العودة إلى الديار، فقصد الفندق لكن الحرج الذي داهمه هو كيف يقدم نفسه لأمه وأخته، وقد تغيرت ملامحهم جميعهم.

قرر النزول في الفندق تاركا زوجته في مكان آخر لمدة، حتى يجد طريقة ليكشف عن هويته. لكن الخطة وعزيمة الأخت كانت قوية فأوقعت به ومات نتيجة "سوء تفاهم".

بعد أن عرفت هويته قالت الأم: "لم أعرفه فقتلته" (ص 225) و"حين لا تعرف الأم ابنها فعليها أن ترحل" (ص 226).

عناد الأخت بات أقوى في إتمام فصول الخطة وعدم التراجع عنها. فلم تقتل الأخ فقط بل واجهت زوجته بموته ثم أشهرت رميه في النهر بدم بارد.

ترى ما هي دلالة "سوء تفاهم" في هذه المسرحية؟

سوء تفاهم هو عبث الحياة. وتراجيديتها تبدو لنا في عدم استقامة أمور الحياة وعدم استلذاذ الزمن المساوق لها كما تبدو لنا في رتابة اليومي وثقله.

نعثر على أولى الدلالات اللغوية في ص 208 حيث جاء في الحوار:

آه، إن العجوز لم يسمعك جيدا. فهو غالبا ما لا يفهم جيدا. طبيعي أن يكون العجوز مشوش السمع ثقيل الفهم بالنظر إلى سنه. لكن إذا لاحظنا أولا صمته وثانية قلة كلامه طيلة المسرحية وتدخلاته، القاسية والحاسمة رغم قلتها – فستكتسي هذه الشخصية بعدا آخر- قد يكون القدر وقسوته.

في آخر مشهد في المسرحية (ص244) ما يؤكد ذلك. يقول العجوز بصوت واضح وصارم: "هل ناديتني؟"

فتجيب مارية (زوجة الهالك): "آه! لا أعرف! لكن ساعدني، أنا في حاجة للمساعدة. رحمة بي أرجوك ساعدني."

ويرد العجوز بنفس الصوت الصارم: "لا."

هذا هو البعد العبثي للحياة والذي يأخذ شكل "سوء تفاهم". أما في ص 238 فتشرح أخت الهالك مارطا (مارثا) سبب قتله لزوجته:

"إذا كنت تريدين معرفة السبب فقد حصل سوء تفاهم. ومهما كانت معرفتك بالعالم فهذا الأمر لا يجب أن يفاجئك."

يفهم سوء التفاهم هنا كقدر لا رجعة فيه. حيث هناك خطة لا يمكن إيقافها ولا تعديلها - تقضي بهلاك الزوج/الأخ مثلما حصل لسابقيه.

ورغم حدس الأم والتي حاولت التراجع أو على الأقل حاولت تأجيل التنفيذ، فإن العجوز لم يرحم.

وما يزيد الخطة تراجيدية وعبثية، هو علاقة التعبير باللغة وبالمعنى والقصد. تقول الزوجة:

"كنت أعرف بأننا سنجازى عقابا على فعلتنا، وأن الشر يكمن في هذه السماء. كان هدفه هو أن تتعرفوا عليه، أن يجد داره وأن يحمل لكم بعضا من السعادة. (كان هذا هو قصده) لكنه لم يعثر على الكلمات الملائمة. وحينما كان يبحث عن العبارة قتلتموه.(بكاء)." (ص 239).

فهل الوجود أو إنتاج معنى الوجود يتوقف على فائض في المعنى لا نعرف ما نفعل به أم على فقر في المعنى لا نجد له تعويضا؟ (اللامعنى)

بعد آخر لمفهوم "سوء تفاهم" تفصح عنه الأخت حين تقول (ص 237) متوجهة للزوجة:

"إنك تتكلمين لغة لا أفهمها. إني لا أفهم جيدا كلمات كالحب والفرح أو الألم."

لماذا لا تستطيع هذه الأخت فهم هذه الكلمات الرقيقة؟ السبب هو ميولات الطفولة ونزعات الأزمة التراجيدية التدميرية:

"ما علاقتي بهما (الأم والابن)، لأتركنهما للحنان المفقود، وللملابسات المشبوهة والغامضة." (ص 240).

لا تبين هذه الغيرة سوى عن عقدة الإخصاء والكبت، التي تأخذ شكل عزلة ما بعدها عزلة:

"لقد أنكرتني أمي، وأفتقدتها. الجريمة عزلة حتى ولو ارتكبتها الجماعة. والموت كذلك." (ص 241).

عزلة إخصاء وكبت هي العناصر الأساس لليأس. وهي كلمات تنظم طبقات النظام؛ ذلك الذي "لا يسمح لأحد أن يعترف به أبدا." ( ص 242). فعلى الإنسان أن يكون حجرة صخرة صماء أو بليدا أبلها من الدهاء.


=2=

"من المهم أيضا تقدير ما يمكن أن يكون عليه سوء تفاهم". يتحدث ادغار موران فيما يسميه " إبستمولوجيا المركب" [2] عن العديد من المفاهيم: عن المركب والعلم والضجيج والمعلومة والبراديغم والإيديولوجيا وترحال المفاهيم وسوء التفاهم.

وبهذا الصدد يشير إلى أنه كان عرضة "لسوء تفاهمات" عدة. منها أن الناس يعتقدونه مفكرا تركيبيا، نسقيا شاملا إندماجيا موحدا مؤكدا. يعتقدون أنه يملك براديغما يبطل كل القواعد القديمة، ويصل به إلى المركب الخالص المقابل للتبسيط المطلق. والحال أن المركب يتضمن في ذاته استحالة التوحيد والإتمام يتضمن جانبا من اللايقين من عدم التقرير وهذا لا يعني أن الفكر المركب هو النسبية المطلقة والشكية على طريقة فايرباند.

منبع سوء التفاهم هذا هو كون الناس لا يستطيعون الوقوف ولا إدراك الموقع البرزخي: أي التموقع بين تيارين متناقضين: بين الجهد الجهيد لبلوغ تمفصل المعارف المتشتتة والجهد المضاد لتوزيعها وهدم تمفصلها. الكلية هي "طموح نحو الحقيقة" وهي على حد قول أدورنو "لا حقيقة". والأهم في كل هذا ليس هو التناقض إنما هو مواجهة التناقض والاعتراف بأهمية النفي. هناك ميل نحو التركيب وميل نحو الهدم في آن واحد. وهي حالة تراجيدية تتبدى لنا في استحالة تجاوز التناقض كلية؛ أو بعبارة أدق في تجاوزه دون القدرة على نكرانه.

هناك سوء تفاهم آخر يتصل هذه المرة بكلمة السرعة: يبدو ادغار موران في أعين القراء وكأنه يكتب بسرعة خارقة، فيضغط على الزر لتندلق ثلاثمئة صفحة. وهذا غير صحيح ذلك أن الكتابة تجربة قاسية ومؤلمة وتزداد ألما كلما تمت إعادة صياغتها. إن منبع سوء التفاهم هذا قد يعود إلى سرعة القراءة لدى القراء.

ثم لا يكفي أن نلاحظ سوء التفاهم وأن نعمل على التقليل منه واختزاله إنما يجب مساءلته: لماذا هناك سوء التفاهم وليس هناك بالأحرى التفاهم؟

يعود الأمر بالنسبة لإدغار موران إلى نوع من التضيف ونوع من التقسيم والتنظيم لعناصر المعرفة. مثلا، في المجال السياسي: يعتبر موران نفسه يساريا وفي نفس الوقت يمينيا (أو حقوقيا). يؤمن بالحريات وبحقوق الإنسان والانتقال السلمي للسلطة وأيضا يؤمن بأن العلاقات الإنسانية والاجتماعية يمكنها أن تتغير في العمق ولا يجب أن تبقى خاضعة للإصلاحات السطحية.

هذا المزج لم يفهم إلا ضمن ثنائية "إما هذا ... أوذاك". وأتهم موران "بالكونفوشيوسية".

حتى على مستوى التخصص يتساءل الناس هل هو عالم أم فيلسوف؟ فيختار ألا يكون لا في معطف هذا ولا ذاك؛ ويمنح لنفسه حرية الانتقال من هذا إلى ذلك. إنه "مثقف برزخي" يبحر فيما بين العلم واللاعلم، أساس إبحاره هذا هو غياب الأسس: أي الوعي بهدم أسس اليقين القائمة بالطريقة العقلانية الممكنة، التي تجمع بين المعرفة العلمية والتحقق العلمي وبين المعرفة الفلسفية والإبستمولوجية.

سوء التفاهم الأول ليس اعتقادا خاطئا؛ إنما هو اعتقاد لا يرقى إلى التموقع في اللاموقع.

سوء التفاهم الثاني لا يقدر على وجه الدقة الآخر وينسى تقدير ذاته كالآخر.

سوء التفاهم الثالث يعود إلى ثنائية أبيض/ أسود ولا يستطيع أن يتجاوز هذه الازدواجية.

لا يمكننا فهم البراديغم كأهم مفهوم في إبستمولوجيا موران إلا إذا خرجنا من دائرة سوء التفاهم هاته؛ طابعها المنطقي والشكلي كما يحدده موران هو إما وإما. أما الطابع البديل فهو لا/لا أو و/و، لا وحدة ولا تعدد، أو الوحدة والتعدد في نفس الآن. كما هو الأمر في: صدفة/ضرورة وكمية/كيفية (ص 72).

البراديغم لدى موران يختلف في تعريفه عن تعريف كوهن ويجمع بين البعد اللساني البنيوي وبين التعريف المألوف وهو ضرب من العلاقة المنطقية (تضمن، انفصال، اتصال، إبعاد) فيما بين عدد من المفاهيم أو المقولات الأساس (ص 174) وهو يختلف عن مفهوم الإيديولوجيا لأن هذا الأخير يبدو كنسق من الأفكار، أي كتصور متكامل.

ما حققته إجرائية مفهوم البراديغم ينعته موران بالانعطاف البراديغمي، ثورة هائلة مست كل الفكر الغربي في جانبه الميتودولوجي والإبستمولوجي والمنطقي وحتى الأنطولوجي. كل هذه المحتذيات كانت منظمة ضمن ثنائيات خطية: ذات/موضوع، جوهر/هوية، علية/سبب كافي، إلا أنها لم تكن كازدواجيات تتواصل فيما بينها وتترابط بوشائج الجذب والنبذ. كانت تبحث عن توازن الخطاب بإقصاء التناقض والتيه ولم تكن ترى في اللاانسجام عنصرا قادرا على تفسير المعرفة.


=3=

سبق لميشال أونفري [3] أن أشار إلى استعمال فريدريك نيتشه لمفهوم "سوء تفاهم" في كتابه "المعرفة البهيجة". ولقد استعمل المفهوم في سياق شق تاريخ الفلسفة إلى شقين كبيرين: الأول اهتم بدراسة الجسد، بمعرفته والإحساس به والآخر أنكره وبخسه أشد البخس.

تبدأ مقدمة "المعرفة البهيجة" [4] بالإشكالية التالية:

أيمكن أن ننقل بواسطة المقدمات ما يحمله هذا الكتاب من معاناة لمن لم يعش مثل هذه التجارب؟ أجل! خاصة إذا كان الكتاب مسطورا برياح الثلج الباردة من شهر أبريل وكان انتصارا على المرضى وعلى قر الشتاء. وكان يطفح بالامتنان لأنه حقق شيئا غير مسبوق، هو امتنان شخص تعافى وتشافى. فما العجب في هكذا ظروف أن يفصح لنا الكتاب عن الأوجه العديدة للجنون والحمق. هذا الكتاب " المعرفة البهيجة" هو احتفال بعد حرمان طويل وعجز مستديم.

نفس التجربة المؤلمة ينقلها لنا ميشال أونفري تحت عنوان " جينيالوجيا أخلاقي" [5] بعد أن كشف له الطبيب عن ضعف مديد في صمامات القلب. دخل جسد "(أونفري) في تجربة معرفة تحولت فيما بعد إلى نزعة هيدونية". (ص14).

الموضوع في التجربتين واحد هو "الجسد" في المرض والوهن. ومن جهة أخرى ذات الموضوع هو "الموت".

هناك علاقة وطيدة بين الصحة والفلسفة. كل فلسفة هي بالضرورة فلسفة نابعة من الجسد. إلا أن هناك من يعتمد في تفلسفه على الفجوات والفراغات المؤلمة وهناك من يعتمد على القوة وخيراتها. الأول يحتاج إلى الفلسفة كعلاج وترياق أما الثاني فيرى فيها شهوة وأناقة. حين يكون البؤس هو أساس التفلسف، كما هو الشأن لدى كل المفكرين المرضى، فما هي حالة الفلسفة آنذاك؟ إنها فلسفة نابعة من المرض من المعاناة من المواجهة والصراع. فلسفة "تجعل من الجسد موضوعا للوعي، يتصالح فيه الأديم مع الذكاء" ويبقى الموت هو اليقين الوحيد الذي نملك. إذ لا يتعلق الأمر بتدجينه بقدر ما يتعلق باحتقاره. " نزعة اللذة هي فن هذا الاحتقار".

في هذا السياق يتساءل نيتشه: "ألم تكن الفلسفة دائما وإلى يومنا هذا شرحا وتأويلا للجسد، وسوء تفاهم بسيط حوله. وراء كل التطورات الأخلاقية التي وجهت الفكر وتاريخه إلى حد الآن يتوارى سوء التفاهم الناتج عن مواجهة ما هو فيزيولوجي" سواء في الفرد أو في الطبقة أو في العرق برمته.

وبات نيتشه ينتظر جرأة طبيب فيلسوف تكون له الشجاعة الكافية ليقول: لا يتعلق الأمر في أية فلسفة إلى الآن "بالحقيقة". إنما يتعلق بشيء آخر، لنقل بالصحة بالمستقبل بالنمو بالقوة بالحياة. (نيتشه، ص 11).

- هذا الفيلسوف الطبيب- وبالتجربة- هو ميشال أونفري.

إن القول الفلسفي إنطلاقا من المعاناة والآلام يسمى في الفرنسية بـ الغوديسي (Algodicée). الغو باليونانية تعني الألم، وديسي تعني القول والحق والكلام.

إذا كانت تيوديسي هي علم الكلام الديني فألغوديسي هي علم الكلام الإنسي الذي دفع نيتشه إلى أن يثق بديونيزوس إله الإنتشاء. وانطلاقا منه سيقر الفيلسوف الألماني بأن الفلسفة هي "بوح للجسد"، فهذا الأخير هو الذي يعرف الحماس لا النفس أو الروح التي تبقى خارج هذا الانفعال، أو تتأثر به فيما بعد.

الحماس الجسدي ذاته هو الذي يفسر لنا كيف كتب نيتشه "هكذا تكلم زاردشت" في شهر ونصف، بوحي مباشر وفجائي، يحول ما لا يمكن قوله إلى قول فلسفي، نابع من أعماق نسمعها وننصاع إليها دون أن نسألها، نور ساطع وجذبة رهيبة تمزج المرء خارج ذاته، بمزيج من الألم والغموض أو مزيج من الرعشة والاندهاش.

كل هذا الإختمار مبتدأه ومنتهاه هو الجسد. فيه يتحول المرض والألم والعجز والحاجة والفاقة والفقر والوهن إلى حيوية وتعالي.

كان نيتشه يلتقط هذا الإحساس، يرعاه ويحتضنه خلال تسكعه هنا أو هناك وخلال تنزهه في هذه الحديقة أو تلك في جذاذات صغيرة، ليجعل منه فيما بعد كتبا رائعة: هذا هو شأن العلنان، وشأن العود الأبدي، وشأن إعادة تقويم القيم.

كنت قابعا هنا في الانتظار.

في انتظار لا شيء.

أستلذ فيما وراء الخير والشر

تارة بالنور وتارة بالظلام

منغمسا في اليوم، في النهر، في الظهيرة

في زمن دون مغزى

وفجأة يا صديقي، تحول الواحد إلى اثنين

وظهر زاردشت. ( المعرفة البهيجة/غناء الأمير).

- بعد هذا الحماس وهذا الوحي/الوعي، تدثر نيتشه بغلالة الإنحطام والتدهور، وحاول الانتحار أكثر من مرة وغمره الحمق في آخر حياته.

أليست هذه الحياة والحالات مظاهر من مظاهر الجسد؟ إنه اتفاق مبرم مع الجسد باعتباره مكانا ومحلا للفكر فيه تقلبات الجسد هي من يولد حدوس الفكر.

جسد نيتشه رهيف حساس هش بدرجة قصية لكل المعطيات المباشرة، كقوة حيوية، كإرادة، يمكن حكيها وسردها، فالفكر علامة تشخيصية لتجارب الجسد. من هنا تلك المفاهيم المستوحاة من التيرموديناميكا: القوة الحيوية، إرادة القوة، مقابل قلق الجسد وضعفه وفقره.

"سوء تفاهم" نيتشه لا يتعلق بسوء تقدير تاريخ الفلسفة للجسد فقط، بل وبــ "سوء فهم" العلاقة بين "الأديم" وسطح الآدمية من قلق ومرض وتحرج وبين إرادة الصحة كطم أبدي"

كيف يمكن للمريض أن يكون سليما وللضعيف أن يكون قويا؟ عند حدود التعب وعتبة الانهيار يجد نيتشه قوة الرغبة وقوة الإرادة، أليس هناك "سوء تفاهم"؟

حياة نيتشه التي لا تطاق تقيء لعدة ساعات، آلام في الرأس لمدة أيام، أرق وسهاد متكرر، آلام في العيون، قرحة المعدة، بواسير. لا يستفيق من الألم إلا ليوم واحد على عشرة. هناك بين جسده العليل ووعيه الوقاد دينامية لا تتوقف هي السر في "سوء تفاهم". إذا علمنا "بأن الفلسفة هي محاولة قول ما يتطلبه الجسد".

هل اشتكينا مرة من كوننا لم نفهم كما يجب؟ من كوننا شوهنا ولم تدرك مقاصدنا بله حرف قولنا؟ سواء كنا محل "سوء تفاهم" أو لم نكن؟ إن سوء التفاهم هو نصيبنا، ولمدة طويلة، أيضا. أو لنقل إلى حدود 1901 بكل تواضع ! إنه أيضا عنوان شرفنا، ونحن قلة إذا ما حاولنا تغير الأمر. إنهم يخلطون أفكارنا لأننا ننمو، ولأننا نتغير باستمرار ونفجر القشور القديمة، نغير جلدنا مع كل ربيع، ونغدو شبانا دوما، أكثر علوا وقوة ومستقبلا، ونغرس بقوة جذورنا في الأعماق، ونعانق السماء بعناق حبي واسع ونرشف من نورها بنهم كبير بكل غصوننا وكل أوراقنا إننا نكبر مثلما تكبر الأشجار- وهذا ما يصعب فهمه، مثلما يصعب فهم الحياة! إننا لا نكبر في نقطة واحدة إنما في كل الجوانب، لا نكبر في اتجاه واحد إنما في كل الاتجاهات، فوق/ تحت، داخل/خارج. إننا نقترب من الصاعقة. (المعرفة البهيجة، ص 345/346).

وفي شذرة أخرى (ص 359) بعنوان "بصدد الوضوح" يقول نيتشه:

عندما نكتب لا يكون هدفنا هو أن نفهم ولكن أن لا نفهم أيضا. ولا ينتقص من قيمة كتاب ما إذا ما وجده البعض غامضا: فهذا الغموض قد يكون من نوايا المؤلف، فهو لا يريد أن يفهم من طرف أي كان. كل عقل متميز وكل ذوق رفيع يختار قراءه، وبعد ذلك يغلق الباب على الآخرين. من هنا تولد القواعد الطريفة للأسلوب، لكي تبعد وتدين بلوغ مؤلف ما، وتمنع من فهمه البعض وتفتح آذان البعض الآخر".

يمكن اعتبار نيتشه رجل " سوء تفاهم" بامتياز. حصل ذلك مع فاغنر وقبله مع شوبنهور ومع صالومي.

========
المراجع


[1] Albert camus, le mal entendu, nouvelles versions gallimard. 1958.

[2] Epistemologie de la complexité..in introduction à la pensé complexe.ed.du seuil.2005. P 125.

[3] Michel onfray. L’art de jouir, pour un matérialisme hedoniste. Grasset 1991. pp 64- 69.

[4] Nietzsche. F. le gai savoir 1882. tr.Alexandre Vialatte. Gallimard.1950.

[5] Op. cit.M. onfray. L’art de jouir.p.13 passim.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3178942

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC