نوزاد جعدان - سورية

مدرسة الدباغية

نوزاد جعدانكان يقلّب الأفكار في دماغه، كما تدوّر الغسالة الجوارب في قاعها، في مساء شتائي بارد جدا، لا شخص يرنو في قماط الأرض هذا، وحده زهير يستند على عمود كهرباء قديم، يخرج سيجارة من جيب معطفه الدافئ، يسحب منها عدة أنفاس وينفثها على مهل، ربما تزيل التوتر الذي رافقه عدة أيام، منذ نجاته من جولة الكر والفر الطويلة من الشارع الذي تتمركز فيه قناصة النظام.

يحملق في كل مكان من حوله، لعله يجد مأوىً يقيه هذه العاصفة الثلجية التي تجعله يقيد يديه في جيبيه، إنه شباط حلب المشهور بالصقيع والبرد.

تأمل زهير مدرسة الدباغية الشامخة بطرازها الأندلسي والتي تستطيع أن تراها حتى لو قلّبت المدينة باتجاهاتها الأربع، ازدانت المدرسة مهابة وفخامة في هذا الجو، فاعتمرت قبعة بيضاء على رافدتها، وعلى الرغم من الويلات والحروب التي تعرضت لها على مدار نشأتها، بدءاً من زلزال حلب المدمر إلى الاحتلال العثماني والفرنسي، والظلال الكئيبة التي رافقتها بالإضافة إلى الشموس المبتسمة التي سطعت عليها، لكنها ما زالت محتفظة بوجهها الجميل كأي عجوز وسيم غطت وجهه التجاعيد ولكنها لم تمسح دلائل الوسامة عن وجهه.

حبسَ الثلج ماء ذكرياته في المدرسة، تذكر أول يوم له في المدرسة حين اصطحبه والده، شعر بالدفء قليلاً حينما تحسس دفء يدي والده، شعر بالحرارة تسري في جسده عندما تذكر شكل أول حقيبة مدرسية يقتنيها ورائحتها الباقية، كأول عطر تشتريه في حياتك، تلك الحقيبة التي كانت تحمل الأقلام وحبات البرتقال وعرائس الدبس، دبس البندورة التي كانت تحضره أمه في الصيف على سطح المنزل، تخيلها بدل حقيبة القنابل التي كانت تعتلي ظهره.

مضت نسمة هواء باردة، ذكرته بحارته التي كان فيها الطلبة ينتعلون جزمات طويلة، حيث كان الطين يغطي أرجلهم صيفا شتاء، اقترب من بوابة المدرسة الحديدية والموصدة بالسلاسل، كانت هذه البوابة حينما تفتح تصدر صريراً يوقظ نصف أهل المدينة، حاول تسلق الراقدة الأفقية للبوابة. لم يستطع. كانت عالية جدا. سحب ياقة معطفه إلى رقبته ونفخ على يديه. بدت له حديقة المدرسة معتمة كثيراً، وقد تحولت إلى مزار للغربان والكلاب الضالة.

دار حول سور المدرسة، تفاجأ من منظرها. لم يتوقع يوماً أن تصبح حديقة المدرسة المظللة بأشجار السرو والصنوبر مدفناً للثوار وقوات الجيش وضحايا اللصوص.

أخافه زفيف الريح والوحدة الموحشة، غنّى بصوت منخفض جدا لعله يزيل هذا الشعور السيء عن نفسه، غنّى كعاشق تلقى خبر زواج حبيبته لتوه، فرك راحتي يديه ببعضهما، كان الإحساس بأنه سيموت متجمدا ملازماً له، أما ذهنه فمشغول بإيجاد ثغر إلى المدرسة من خلال هذا السياج الحديدي.

ربما يحرق مقعدا خشبيا داخل المدرسة ويتدفأ به كما كانوا يفعلون أيام الشتاء في المدرسة نفسها، حين كان المدير يسرق مازوت المدرسة وتبقى مدفأة الطلبة بدون وقود، الحالة نفسها والمدينة بلا رقيب الآن، ولا أحد يحاسب على أفعاله.

أضواء المدينة المطفأة جعلت كل شيء في المدينة ينكشف على حقيقته، المدينة التي تبدو كعروس زال المكياج عن وجهها، حتى القمر لم يوزع عود ثقابه على المارة في تلك الليلة، بدا هزيلا كقطعة موز ذابلة، وحين يبدو القمر هزيلا ومكسوراً هكذا في هذه المدينة البائسة كمصباح مغلق، يكثر السقوط والتزحلق.

وجد فتحة صغيرة في السياج الحديدي للمدرسة، ربما فتحها اللصوص أو الثوار أو ربما قوات الجيش ليدفنوا بها قتلاهم، لم يك يملك خياراً آخر. الثلج يزداد عنفوانا. وبدأت نوبات السعال تسلبه هدوءه وهدوء الأجواء المحيطة به. كان يحبس سعاله كي لا يسمعه أحد قناصة النظام المتمركزين في المنطقة المحيطة.

مضى في حديقة المدرسة والرعب يسري في جسده، كان الطين يملأ المكان وكلما تنغمس قدماه في الطين يلتفت يمنة ويسرا، لم يكن يلبس حذاء طويلاً، شعر وكأنه داس فوق شيء صلب، شعر بالظلال تتحرك حوله، قرفص على ركبتيه اللتين كانتا ترتجفان، تلمس الجسم الصلب، رفعه: كانت يداً آدمية. سحبها. رأى عينين تحدقان به، تسرب عرق بارد في كل أنحاء جسمه، وتجمدت أطرافه، أغلق عيني الجثة براحته وأكمل مسيره.

دار في فناء المدرسة، باحثاً عن مدخل يصله إلى الصفوف الداخلية، توقف عند نافذة تطل على الباحة، تأملها طويلاً حينما ردّته ذاكرته الخشبية إلى مقعده الذي كان بجوار الحائط البارد وتلك النافذة التي كان يتأمل الخارج والسيارات منها كثيرا، وينتشي سعادة حين يسمع دقات جرس الانصراف.

تابع مسيره إلى أن وجد باب المدرسة مفتوحاً، دخل على الفور متسللاً على رؤوس أصابعه، ثم زحف إلى الداخل وجثم على يديه وقدميه بحذر شديد، سمع صوت حفر في طرف حديقة المدرسة الغربي، وبعد لحظات اختفى الصوت، اطمأن باله حينما أقنع نفسه أنه ربما يكون أحدهم دفن جثة ورحل.

اقترب من أحد الصفوف، بان له ضوء كابي أصفر، يكبر وبخبو ويبدو على الحائط ظل عملاق، مدّ رقبته على قدر استطاعته فشاهد، أيد ملقاة على الأرض، ورؤوسا متدحرجة، وأرجلا متمزقة وجثثا عارية. منها ما تبدو عيونها الجاحظة ومنها الفاغرة الفاه، كأنها تلك الدمى البلاستيكية التي يتم تركيبها وفكها قطعة قطعة.

كاد أن يتقيأ مما رآه ومن الرائحة الكريهة المنبعثة، كان الموت حدث المدرسة في تلك اللحظة وحصتها الأخيرة.

تمنى زهير أن يشعل سيجارة تزيل توتره، أصابه ظمأ شديد حين رأى ظلاً يقترب من الجثث، توقع أن يكون غولاً يسكن المدرسة، تمنى زهير لو أنه يستطيع أن يغلق عينيه كي لا يرى بقية المشهد، ولكن الفضول والموقف يدفعانه كي يستمر بالمشاهدة.

بعد لحظات، ران له الظل الكبير الذي كان لرجل يحمل مصباحا زيتيا تآكل نصف فتيله، ترافقه امرأة برداء أبيض طويل، كان الرجل أحدب، والمرأة طويلة القامة ذات شعر مسترسل طويل يصل إلى منتصف ظهرها، يدققان النظر في الجثث الملقاة.

سرى في نفسه رعب لم يشعر به في ساحات الوغى، ومما زاد وتيرة رعبه أنه سمع خطوات تقترب منه، التفت خلفه، وجد رجلاً طويل القامة، يدخل من باب المدرسة ويتقدم نحو تلك الغرفة، ممر المدرسة الطويل وظل الرجل الذي يحمل شيئاً يترنح بين بيديه، الرأس يتدلى والقدمان رخوتان، جعل زهير يشعر بالخطر المحدق به من اليمين واليسار.

تراجع قليلا واختبأ في إحدى الغرف، شعر أنه جلس على شيء، كانت الغرفة مليئة بالقطع الآدمية والجثث الملقاة هنا وهناك، تابع مراقبة هؤلاء المجهولين، حتى اطمأن عندما بدو له آدميين وليسوا من عالم الأشباح. الشخص ذو الظل الطويل وضع الجثة عند بقية الجثث، والاثنان الآخران يخلعان اللباس عنها، ويقطعانها قطعة قطعة. لم يدر في ذهن زهير سوى سؤال واحد: هل هم قتلة بالفطرة كما في أفلام هوليوود، يجدون المتعة في القتل؟

تمالك نفسه وبدأ يستعيد قوته تدريجيا، فكر أن بقاءه مرهون بقتل هؤلاء الثلاثة، لن يستطيع أن يتدفأ بالمقاعد طالما هم هنا، ثم اعتراه فضول بالذي يفعلونه بالجثث. انتصب ونفش صدره، لقّم بندقيته ووضع كاتم الصوت، ثم همّ بخطوات واسعة متجها إلى غرفتهم، وقبضته لا تبارح الزناد.

وقف الثلاثة وعيونهم متسمرة في مخرج للنجاة، قطع الطريق عليهم وصرخ بهم: "أيها المجرمون يا من تمثلون بالجثث، سأقتلكم واحداً تلو الآخر."

صرخ الأحدب: "أرجوك يا سيدي لا تقتلنا. نحن أطباء".

تفاجئ من جوابه ورمقه بنظرة ساخرة: "أطباء وتقطعون الجثث، هناك ملايين الجرحى كي تداوهم، النقص في المستشفيات حاد لـ..."

تدخل صاحب القامة الطويلة، وحدق في عيني زهير بعينين حمراوين كالجمر، وشارب غليظ يلف شفته كالقش الممتد على البيوت الاستوائية، حتى خرج منه صوت يشبه عواء الكلاب في الليل.

"سأقول لك كل شيء بصدق، ولكن لا أرجوك لا تقتلنا، عندنا أطفال ينتظرون أن نحضر لهم الطعام. نحن نبيع قطع الجثث، نصدرها إلى طلبة العلم في الخارج. يعني تستطيع أن تقول إننا نعمل في التجارة: استيراد وتصدير".

أبعد ذبابة وقفت على أنفه، وأردف قائلا:

"هي جثث مجهولة الهوية، من قتلة النظام والمعارضة والبعض ضحية الاغتصاب والسرقة، وفي النهاية هم أموات، والموتى كما يقال لا يشعرون بشيء. إن لم نفعل ذلك لن نستطيع الاستمرار في هذا الوضع المزري للبلاد: لا خبز ولا كهرباء، الأغنياء هربوا والأسعار باهظة جدا".

بقي زهير يحدق به، دون أن ينبس ببنت شفة، ثم صدر منه هسيس بسيط: "وأنا إن لم أفعل هذا لن أستطيع الاستمرار".

تابع زهير مسيره نحو الممر المظلم، وسط الجثث الملقاة على اليمين واليسار، لم يعد يشعر بالبرد ولم يشعل المقعد الخشبي، أما الثلج فكان يحاصر مدرسة الدباغية. وحدها النوافذ كانت تحاول جاهدة أن تغبش الرؤية قليلا إلى أن يهدأ هذا الشتاء البارد.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3310001

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC