د. رانيا كمال عبد العال - مصر

حقوق الإنسان: جذورها وتعريفها

رانيا كمالمفهوم حقوق الإنسان حديث نسبيا، إذ يرجع إلى الربع الأخير من القرن الثامن عشر. ولكن هذا لا يعني بالضرورة جدةّ مضمونه. وقضية حقوق الإنسان من القضايا المعاصرة التي شغلت وتشغل أذهان المفكرين وفلاسفة الأخلاق، لأنها من أهم الواجبات التي تتطلع إليها البشرية.

وقد ارتبط المفهوم منذ القدم ببعض القيم السامية التي خاضت البشرية من أجلها حروبا كثيرة قبل قيم الحرية والعدالة و المساواة. وكما يشرح محمود متولي فإن الأمر الذي يجعلنا نقرر أن فكرة حقوق الإنسان تنبع أولا من الطبيعة البشرية وكرامة الإنسان، وهو الأمر الذي ارتبط بوجود الإنسان ومنذ بدء الخليقة[1].

ويوضح أحمد عبد الله أن حقوق الإنسان نتاج كفاح البشرية منذ ظهورها على مسرح الحياة، وإن اختلفت مفاهيمها وتعددت مشاربها وأهدافها ووسائلها طبقاً للتطورات التي مرت بها الإنسانية عبر الزمان والمكان، ذلك أنه منذ القدم هناك اعتراف ضمني بحقوق الإنسان دون استخدام المصطلح، ذلك أن الإنسان عبر تاريخه إنما كان يكافح من أجل قيم رئيسية ثابتة هي الحرية والمساواة والعدل[2].

ولحقوق الإنسان في الوقت الحاضر أبعاد مختلفة، لكنها تكاد تجمع على أهمية هذه الحقوق كأساس لبناء الديمقراطية في المجتمع. وهذه الحقوق تُصادَر أو تُنتهَك في الدول التي يغيب عنها الأساس الشرعي للحكم، وتعتمد فيه السلطة على الاستبداد والقهر.

ويمكن القول إن ما يثير الاهتمام الكبير بمفهوم الديمقراطية اليوم هو بالذات ما تسعى قضية حقوق الإنسان إلى نشره، أي تنمية المواطنة والاعتراف بها كمنبع لحقوق الأفراد الثابتة، والتي حصل التراجع عنها بسبب ظروف الاستبداد التي مرّت بها المجتمعات النامية.

ولذا، يعتبر احترام حقوق الإنسان جوهر الديمقراطية. ويرى فريد زكريا أن هذا ما تؤكده التجربة التاريخية الغربية المتمثلة في التوافق بين الديمقراطية الليبرالية، فالأولى تنطوي على انتخابات حرة، والثانية تهدف إلى حماية الحق في الحياة وحرية التعبير والاجتماع والاعتقاد والملكية[3].

وفي تصور محمد الرميحي تشكل مصطلحات حقوق الإنسان والديمقراطية والمجتمع المدني أضلاع مثلث فكري لا يمكن فصلها عن بعضها البعض لأي مجتمع ينشد التطور والرقي[4].

ومع أن الغالبية العظمى من الدول تعترف اليوم بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية وتنص عليها بدساتيرها وقوانينها، فإن مشكلة احترام هذه الحقوق تبقى قائمة من حيث التطبيق، وتتطلب العديد من الضمانات التي تكفل هذا الاحترام. ولم يأت اعتراف الدول بحقوق الإنسان بسهولة، إنما جاء نتيجة كفاح طويل لبني البشر، أدى في النهاية إلى تضييق سلطة الدولة في التدخل في شؤون الأفراد.

ومع أن مفهوم حقوق الإنسان شائع الاستخدام في الأدبيات السياسية الحديثة وفي الخطاب السياسي المعاصر بشكل عام، بل أصبح لشدة شيوعه يستعمل بدون تمحيص وكأنه لا مجال لمراجعته، من المهم عرض المفهوم في أصوله الغربية.

تختلف تعريفات حقوق الإنسان تبعا للمنطلقات الفكرية للباحثين وتخصصاتهم. وكما يشرح أحمد عبد الله فإنه لا يمكن أن يوجد مفهوم واحد لحقوق الإنسان، لذلك فحقوق الإنسان تعتبر من أبرز القضايا التي تتجلى فيها ثنائية التناقض الكبرى في التاريخ والتي تتمثل في الثنائية بين الفكر والفعل، أو بين النظرية والتطبيق[5].

ميزانويمكن ببساطة أن نرى أن حقوق الإنسان تعني حرفياً تلك الحقوق التي تؤول إلى الفرد لأنه إنسان. وتعرفها سناء سيد خليل بأنها مجموعة الحقوق والحريات المقررة بمقتضى المواثيق الدولية والإقليمية لكل كائن بشري في كل زمان ومكان منذ لحظة الإقرار بوجوده بوصفه كائنا حيا وحتى بعد وفاته، والتي تلتزم الدول بإقرارها وضمانها وحمايتها على أراضيها. ويترتب على انتهاكها مسؤولية بمقتضى المواثيق الدولية[6].

ويرى جلال أمين أن مفهوم حقوق الإنسان قريب من مفهوم الحاجات الإنسانية، لكنهما ليسا متطابقين فالحاجة لا تخلق للمرء حقوقاً إلا باعتراف جماعة من الناس، أي أن الحقوق تضمن اكتساب مركز قانوني إزاء جماعة وهو اعتراف هذه الجماعة التي ينتمي إليها المرء بتلبية حاجات أو رغبات معينة له[7].

وكما يبين ايان بروانلي فقد خضع مفهوم حقوق الإنسان خلال مسيراته إلى تحولات عدة استهدفت في النهاية بلورة معانيه وتعميق دلالته[8]، ويقسمها إلى ثلاثة أجيال: الأول، الحقوق السياسية والمدنية. والثاني، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. والثالث، الحقوق البيئية والثقافية والتنموية.

وفي رأي أمينة محمد بيومي عكست في كل مرحلة ملامح النظام الدولي بتوجهاته الأيدولوجية ومنظومته الفكرية وثوراته الإنسانية الكبرى التي تعد إحدى مكونات منظومة حقوق الإنسان وإطار عمله وهو ما يختص بالجانب الإجرائي لها أما المكون الأساسي الرئيسي المختص بمضمون حقوق الإنسان وبنائه القيمي فيمثل في المصادر الدينية التي دعت إلى احترام كرامة الإنسان وإعلاء قيمه التي أصبحت جوهر حقوق الإنسان[9].

ويمكن القول إن حقوق الإنسان وحرياته الأساسية تختص ببعض الخصائص التي تميزها عن غيرها من أنواع الحقوق والحريات. ولعل أول هذه الخصائص لها طابع العالمية فهي لكل بني البشر أينما كانوا، رجالاً ونساء.

كما تتصف حقوق الإنسان بأنها غير قابلة للتجزؤ، كما أن حقوق الإنسان لا تقبل التصرف بالتنازل عنها فهي ثابتة لكل إنسان حتى مع عدم الاعتراف بها من قبل دولته. ومن خصائص حقوق الإنسان أن فلسفة تقوم على ركنين أساسيين الكرامة الإنسانية والمساواة.

= = = = =

الهوامش

[1] محمود متولي حقوق الإنسان : الأهداف و الآمال ، المركز المصري للأبحاث و الدراسات ،الطبقة الأولي ، القاهرة ، 2005 ، ص18.

[2] أحمد عبد الله، حقوق الإنسان، حق المشاركة وواجب الحوار، القاهرة، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، 1996، ص 11، 12.

[3] Fareed Zakaria, “The Rise of Liberal Democracy” Foreign Affairs, Vol. 76, no. 6 (November – December 1997), pp. 22-23.

[4] محمد الرميحي، افتتاحية مجلة عالم الفكر، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون، المجلد 27، العدد (3)، يناير- مارس، 1999، ص 15.

[5] أحمد عبد الله، مرجع سابق، ص 41.

[6] سناء سيد خليل، دراسة عن النظام القانوني المصري ومبادئ حقوق الإنسان، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، القاهرة، 2003، ص 20.

[7] جلال أمين، عولمة القهر، الولايات المتحدة والعرب والمسلمون قبل وبعد أحداث سبتمبر 2001، القاهرة، دار الشروق، الطبعة الأولى، ،2002 ص163، 164.

[8] Ian Brownlie, Principles of Public International Low, Oxford University Press Inc, New York, 1998, p. 577.

[9] أمنية محمد بيومي عفيفي، المرأة المصرية بين حقوق الإنسان وآليات القهر الاجتماعي دراسة تحليلية للفجوات، حوليات آداب عين شمس، المجلد 34، إبريل – يونيو، 2006، ص 8.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3383276

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC